حب المهنة تحبك، إدي عملك يديك، وتعيش طول عمرك مرفوع الراس

لم تكن مجرد كلمات يرددها إسماعيل عبد الحافظ في لقاءاته وبين أصدقائه، بل تحولت إلى ملخص لحياة رجل بسيط من كفر الشيخ تحول إلى أيقونة إبداع تركت أثرها في ذاكرة المصريين قبل ذاكرة الدراما المصرية.

كيف أصبح إسماعيل عبد الحافظ «مخرج الشعب»؟

ليس جيل الثمانينات وحده من يرتبط بأعمال إسماعيل عبد الحافظ؛ فالأجيال السابقة والتالية لها من أعماله نصيب وذكرى وهموم. في كل بيت مصري ربما ستجد ذكرى خاصة بإسماعيل عبد الحافظ وكأنه عضو خفي من أعضاء كل أسرة مصرية. أعماله التي عُرضت في حينها والتي يعاد عرضها يجد فيها العديد من المشاهدين سحرًا خاصًا لمشاهد المرة الأولى أو العاشرة. صار إسماعيل عبد الحافظ، «عم إسماعيل» بين زملائه وجمهوره، وبطريقته البسيطة الخاصة استطاع أن يجعل للدراما المصرية مذاقًا خاصًا، ربما يمكننا القول إنه استطاع أن يجعل شاشة التلفاز شفافة أكثر بكثير من عصر ما قبل عم إسماعيل.

المتابع الجيد لأعمال إسماعيل عبد الحافظ من النقاد يجد عناصر أساسية يدور حولها ويفرض من خلالها شخصيته الإخراجية، نستعرض منها:-

1– الحارة جزء أصيل من أعماله، يعبر من خلالها عن الدفء والأصالة والشعور بالأمان. يحارب الاغتراب من خلالها أحيانًا ويرصد تغييرات المجتمع المصري عبرها.

2– فكرة البطل الأوحد لن تجدها في أعماله، إنه يستطيع أن يجعلك تستشعر بطولة كل فرد أمام الكاميرا، تحمل أفكاره وتتعاطف مع مشكلاته. البطولة للجميع في دراما إسماعيل عبد الحافظ.

3- لم يخل عمل واحد له من مفهوم المقارنات، المقارنة سمة مميزة لديه، بين الحارة والمناطق الراقية، بين الفقراء والأغنياء، بين المتعلمين وغير المتعلمين، بين الجادين والهزليين؛ المقارنة أبسط وسيلة لإبراز المعنى وهو دومًا مهتم بالبساطة.

4– الكوميديا ليست عبئًا، بل عنصرًا أساسيًا يحمل تفكيره إسماعيل عبد الحافظ في إخراج أعماله، فهو يقدم المجتمع المصري بأهم مميزاته المشهورة عنه؛ خفة الدم. لن تفتقد وجود صوت ضحكات وإن لم تعرف سببها، ولن تفتقد تعليقات طريفة وشخصيات طريفة وجدت لتكمل صورة متكاملة للشارع المصري من وجهة نظر إسماعيل.

5– نادرًا ما تجد عملًا من أعماله يخلو من تجمع أسري على وجبة الإفطار أو الغداء؛ المرأة المصرية الأم والأبناء والأب، المشاكسات بين الإخوة، ومظاهر سن المراهقة، وجلسات الموظفين على المقاهي. إنه يحيا بين المصريين ويعرف جيدًا كيف يمر اليوم داخل البيوت المصرية.

6– لن يمر عليك عمل من أعماله وإلا وقد لمستك إحدى المشكلات التي يعرضها أو الهموم التي تجول في تفكير أبطاله، إسماعيل عبد الحافظ مراقب جيد للحياة في مصر وراصد ممتاز في نظر العديد من النقاد للتحولات الأخلاقية والسياسية.

7– بالرغم من كبره في السن واختلاف الأجيال الكبير والتغييرات الهائلة التي طرأت على المجتمع المصري في الثمانينات والتسعينات. لم يفقد أبدًا إسماعيل عبد الحافظ القدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة، فهو يسترشد بهم دومًا في أعماله وكأنه يرقب المجتمع من خلال ما يقدمه.

عندما تلاحظ أن من قدم ليالي الحلمية هو نفس من قدم عفاريت السيالة تدرك جيدًا على الأرجح أن هذا المخرج لديه قدرة عظيمة على التأقلم مع التغيير وملاحظته. وعندما تعرف أنه كان متابعًا جيدًا لكل الأعمال الدرامية حتى مماته، تدرك على الأرجح أنه لم يعش يومًا في برجًا عاجيًا بعيدًا عن المصريين في الشوارع والحارات أو حتى بعيدًا عن الشباب على الشاشات.

الحب والحقيقة.. أخرج روائعه وهو يرتدي الجلباب!

لقد ترك إسماعيل عبد الحافظ أجزاء من روحه وشخصيته في أعماله الدرامية، ربما معرفة حياته تجعلنا نعرف كيف استطاع هذا الرجل أن يتعمق في حياة المصريين هكذا.

طفل صغير لم يكمل السادسة توفي والده بالكوليرا، تتحمل أمه مسؤولية الأطفال وتقوم على رعايتهم حتى تضيق بها السبل؛ فتبيع أرضها لتساعد أبناءها في إكمال التعليم. من كفر الشيخ التي ولد بها إسماعيل عبد الحافظ عام 1941 إلى القاهرة، جامعة عين شمس يتخرج في كلية الآداب قسم اللغات الشرقية عام 1963 بتفوق يؤهله لوظيفة معيد بالجامعة، ولكنه يختار حلمه المؤجل، فطلب التعيين بالإذاعة والتليفزيون للعمل بالإنتاج الدرامي، إلا إنه التحق بإدراة الأخبار.

 تم اتهامه بإثارة المشكلات بعد فترة، فانتقل للعمل كمراقب لبرامج الأطفال إلى أن تقدم لمسابقة مساعدي الإخراج التي نجح فيها ومن هنا بدأت عينا إسماعيل عبد الحافظ ترى الدراما بشكل آخر. بدأ في عام 1970 بإخراج السهرات التليفزيونية وكان أول عمل له مسلسل «الناس والفلوس» الذي أوقفته الرقابة بعد الحلقة السابعة، فخاض تجربة جديدة انتقد فيها السلطة في عهد السادات من خلال مسلسل «الحب والحقيقة»، فتم إيقافه خمس سنوات عن العمل، ولكنه عاود بعد هذه الفترة يشق طريقه نحو لقب «عمدة مخرجي الدراما المصرية».

اقرأ أيضًا: لماذا يتابع الناس الدراما التليفزيونية؟

بدأ إسماعيل عبد الحافظ حياته في شقة بالعمرانية، ومنها انتقل إلى شقة أكبر في مكان قريب، بدأ حياته بالجلباب الذي حمل به عادات وتقاليد أسرته حتى صار جزءًا منه، وكان يقوم بالإخراج في أماكن التصوير وهو يلبس جلبابه ويجلس بين الزملاء على «الطبلية» يأكل الفول والفلافل. عُرف عنه الكرم الشديد كل من دخل بيته، وحبه للخير ومساعدة من حوله؛ يقول عنه صلاح السعدني: كان دومًا يقبل ببعض العاملين والممثلين لمساعدتهم ماديًا ومنهم محمود الجندي الذي طلب منه العمل لمدة 24 ساعة فقط لكسب بعض المال.

الرجل الكريم والفنان المبدع لم يجد في مرضه مساعدة من الدولة، فطلبه العلاج على نفقة الدولة لم يستجب له أحد، حتى مضى على نفسه إقرار للمستشفى بسداد مصاريف علاجه وسفره حتى يُسمح له بالسفر، ولكنه مات مستدانًا وقام ابنه محمد بسداد الدين بعد وفاة والده. كرمه طوال حياته كان سببًا في موقف شديد الإنسانية حدث له أثناء وجوده في المستشفى، فلقد زارته إحدى السيدات التي كان إسماعيل عبد الحافظ يصرف لها مصروفًا شهريًا، ولكنها لما علمت بمرضه زارته في المستشفى وقدمت له المبلغ الشهري الذي يصلها، وقالت لزوجته هو يستحق الأموال أكثر مني، ولكن زوجته رفضت الأموال وقالت للسيدة، المبلغ خرج لله ولن يسترد.

إسماعيل عبد الحافظ.. مكتشف الوجوه الجديدة والقديمة أيضًا

تميزت أعمال إسماعيل عبد الحافظ دومًا بوجود وجوه جديدة، العديد من النجوم التي نعرفها اليوم كانت وجه يظهر للمرة الأولى في أحد أعماله، فكما ذكرنا سابقًا عن اكتشافه لمحمود الجندي، نجد أن مسلسل «امرأة من زمن الحب» كان وراء ظهور كريم عبد العزيز وياسمين عبد العزيز، إلى جانب أن «مسلسل أهالينا» الذي ساهم في ظهور منى زكي، كذلك هو الحال بالنسبة لأحمد عبد العزيز في مسلسل «الوسية» وعبلة كامل ونشوى مصطفى وآخرين.

ليس هذا الأمر وحسب، لم يتوقف إسماعيل عبد الحافظ عند اكتشاف الوجوه الجديدة بل استطاع من خلال إدراكه للموهبة وذكائه في إظهارها أن يخرج بعض الممثلين الكبار من أدوارهم المعتادة ويمنحهم مساحات أخرى لم يدركوها في أنفسهم، فشخصية العمدة سليمان التي قدمها صلاح السعدني خلال «ليالي الحلمية» كانت اكتشاف حقيقي لمساحة جديدة في موهبته، وهو الحال مع يحيى الفخراني في نفس العمل، إلى جانب فاروق الفيشاوي الذي برع في مسلسل «كناريا وشركاه» و«الأصدقاء». بالإضافة إلى ممدوح عبد العليم الذي قدمه إسماعيل عبد الحافظ منذ اليوم الأول في تنوع هائل من الأدوار بداية من «ليالي الحلمية» إلى «جمهورية زفتى»، و«خالتي صفية والدير». وكذا هو الحال بالنسبة لهشام سليم الذي بدأ مع ممدوح عبد العليم رحلة إسماعيل عبد الحافظ من «ليالي الحلمية» إلى «المصراوية».

يمكن أن نعد إسماعيل عبد الحافظ مخرجًا وفيًا لبعض أبطاله، فأصبحوا سمة أساسية لأعماله، وبالرغم من أنهم لم يحصلوا على التقدير الكافي إلا أن أعمال «عم إسماعيل» قدمت لهم الشهرة وحب الجمهور، منهم الفنان سيد عبد الكريم ومحمد متولي، وخيرية أحمد وصفية العمري، ومحمد وفيق وجمال عبد الحميد.

وعلى الرغم من وفائه، لم يجعل لأي من الفنانين سلطة عليه، فكان سريعًا ما يستغني عن أي ممثل يتأخر في استكمال أدواره منها أثار الحكيم التي استبدلها بإلهام شاهين في «ليالي الحلمية»، وكذلك ممدوح عبد العليم الذي تم الاستبدال به هشام سليم في «المصراوية».

البداية كانت مع أسامة أنور عكاشة.. والنهاية أيضًا

جمعت بين الصديقين العديد من المشتركات منها المسلسل التليفزيوني «أسوار الحب»، وهو العمل الأول لإسماعيل عبد الحافظ. وكانت البداية الدرامية الأشهر مسلسل، «الشهد والدموع» في جزئيه، والذي كتب تاريخًا من الانسجام والتفاهم والإبداع. ليقدما معًا أكثر من 10 أعمال مميزة محفورة في أذهان المصريين. منها «ليالي الحلمية» في ثلاثة أجزاء، و«المصراوية» في جزئين، وبهذا كانا الثنائي الأول الذي يقدم «المسلسلات الأجزاء» في الدراما المصرية.

استمر الأبداع بين الثنائي المميز إلى 33 عام كصديقين وكمخرج وكاتب، وعلى الرغم من عمل كل منهما مع مخرجين وكتاب آخرين، إلا أن أعمالهما معًا كانت لها مذاق خاص، حتى مرض أسامة أنور عكاشة ووافته المنية. كان حزن الصديق الذي شعر بالوحدة فجأة كبيرًا، لدرجة أن كل من حوله ظن أنه لن يكمل مشواره الفني بعد وفاة صديقه، ولكن بالرغم من الحزن والمرض أيضًا – فيشاء القدر أن يصاب إسماعيل عبد الحافظ بنفس المرض الذي أصاب صديقه عكاشة – أكمل إسماعيل بحثه الدائم عن القصة المعبرة عن المصريين، ويقول بلال فضل إنه كان يسعى لعمل جزء ثالث لمسلسل الشهد والدموع، إلا أن إسماعيل عبد الحافظ رفض معتبرًا أنه قدم من خلال هذه الأجزاء منتهاها، وهو ما قد يُفهم أنه كان يرفض الجزء السادس لليالي الحلمية، وكان يقوم بالتجهيز لعملين، منهما همس الجذور الذي منعه عن استكماله تدهور صحته المفاجئ، ثم إعلان خبر وفاته الذي خيم على كل الأصدقاء والممثلين والجمهور والدراما المصرية، ولكنه ترك خلفه تراثًا لن يمكن نسيانه بسهولة، ومدرسة لن يغفل عنها أهل الدراما والفن.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!