يتساءل الكثيرون عن سرّ إصرار الجزائر على رفض التطبيع مع إسرائيل على غرار العديد من دول المنطقة العربية، وعن أسباب دعمها التاريخي للفلسطيني. وقد يختلف الكثيرون حول الأسباب الفعلية لهذا الموقف الجزائري المثير للانتباه وسط موجة التطبيع التي شهدها العالم العربي من طرف كل من الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب مؤخّرًا، إلا أن دراسة الموقف الإسرائيلي من الثورة التحريرية الجزائرية، من الممكن أن يعطي فكرة عن الدوافع التاريخية والسياسية لهذا الموقف. 

خصوصًا أن سنوات الثورة كانت هي التأسيس الفعلي للنظام السياسي الذي سيحكم الجزائر، ولتوجّهاته حول مختلف القضايا، إذ إن جبهة التحرير الوطني التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار، بقيت تحكم البلدان إلى غاية اليوم. 

Embed from Getty Images

خلال عقد الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، كانت الجزائر تخطو خطواتها المتسارعة نحو الاستقلال من الاحتلال الفرنسي الذي دام 132 سنة.

في الوقت نفسه، شهدت إسرائيل مواجهة سياسية وعسكرية ضد البلدان العربية، وعلى رأسها مصر بقيادة جمال عبد الناصر. وقد كان الاهتمام الإسرائيلي بالثورة الجزائرية، والمواقف التي اتخذتها اتجاهها، محكوما بعدّة عوامل، أهمها: الدعم العربي المصري للثورة الجزائرية، والعلاقات الإستراتيجية التي تطوّرت في الخمسينات بين إسرائيل وفرنسا، بالإضافة إلى وجود جالية يهودية مهمّة في الجزائر؛ وهي العوامل التي يفصّلها الباحث الإسرائيلي مايكل لاسكير في ورقته البحثية «إسرائيل والجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي والصراع العربي الإسرائيلي، 1954-1978». 

عدوّ مشترك.. تحالف فرنسي إسرائيلي ضد عبد الناصر والثورة الجزائرية

رغم البعد الجغرافي النسبي بين إسرائيل والجزائر، إلا أن الإسرائيليين كان لهم بصمتهم في حرب التحرير بين الجزائريين وفرنسا؛ ليس فقط من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي للجانب الفرنسي في المحافل الدولية، بل إن التدخّل الفرنسي بلغ درجة تشكيل مجموعات مسلحة من يهود الجزائر، وقد كان أحد أهم الدوافع في التدخّلات الإسرائيلية لصالح الفرنسيين؛ هو العداء تجاه مصر.

شهد عقد الخمسينات تحالفًا استخباراتيًا وعسكريًا شاملًا بين فرنسا وإسرائيل، وذلك بسبب دعم نظام جمال عبد الناصر لـ«جبهة التحرير الوطني» الجزائرية، العدو الرئيس لفرنسا آنذاك، ولدعمه فدائيي غزة، بالإضافة إلى انضمامه للمعسكر السوفيتي. هذا العدو المشترك المتمثّل في مصر عبد الناصر دفع بالإسرائيليين والفرنسيين إلى التقارب من أجل تضييق الخناق على النظام المصري. 

Embed from Getty Images

الرئيس المصري جمال عبد الناصر رفقة الرئيس الجزائري أحمد بن بلّة 

وقد بلغ هذا التحالف أوجّه خلال العدوان الثلاثي (فرنسا بريطانيا إسرائيل) على مصر في خريف 1956 بعد تأميمها لقناة السويس. بالإضافة إلى ذلك ساهمت فرنسا في التعاون النووي مع إسرائيل، وفي تسليح الجيش الفرنسي، فمقابل حصول الإسرائيليين على 200 دبابة من نوع «amx 13» و72 طائرة حربية من نوع ميستار، طلبت الاستخبارات الفرنسية من الإسرائيليين المساعدة في تضييق نشاط جبهة التحرير الوطني في أوروبا والعالم، من خلال استغلال شبكتها من اليهود في التجسس على نشاطات الجزائريين.

المخابرات الإسرائيلية كانت حاضرة أيضًا في الحرب التحريرية الجزائريّة من خلال أذرعها في الجالية اليهودية داخل الجزائر، إذ قام «الموساد» الإسرائيلي بإنشاء مجموعات مسلّحة «للدفاع الذاتي» في المنطقة المغاربية تُدعى «ميسجريت» (الإطار)، وقد نشطت هذه المجموعات في ثلاث مقاطعات جزائرية: العاصمة، وقسنطينة، ووهران.

في قسنطينة كانت المجموعة مكوّنة من حوالي 100 شاب يهودي جرى تدريبهم في كل من إسرائيل وفرنسا؛ وذلك بفضل امتلاكهم للجنسية الفرنسية كأغلب يهود الجزائر حينها، وكانوا أعضاء في جنود الاحتياط لدى الجيش الفرنسي. يؤكّد الباحث الإسرائيلي مايكل لاسكير في ورقته البحثية أن إسرائيل كانت قد درّبت وحدات من يهود الجزائر في وهران، والذين مارسوا أعمالًا إرهابية ضد المسلمين، وتعاونوا مع «المنظمة السريّة المسلحة» الفرنسية. 

شعار المنظمة «OAS» في أحد أحياء العاصمة الجزائر

«المنظمة السرية المسلحة» أو ما يُعرف اختصارًا بـ«OAS» هي تنظيم عسكري من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر الذين عارضوا استقلالها ورفض توجه الرئيس ديجول في التفاوض مع جبهة التحرير، ومن أجل إجهاض مشروع الاتفاق بين ديجول وجبهة التحرير، عملت المنظمة على القيام بأعمال إرهابية وتفجيرات عنيفة في العديد من المرافق الإستراتيجية، بعد وقف إطلاق النار بين الجزائريين والفرنسيين في مارس (أذار) 1962.

ولم تغب البصمات الإسرائيلية عن هذه المنظمة الإجرامية، إذ أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون تصريحات داعمة للمنظمة السرية، ونشر الصحافي الفرنسي ذي الصلة القوية بالحكومة الفرنسية سيرجي برومبرجرج في جريدة «لو فيجارو» أن هنالك علاقة بين «المنظمة السرية المسلحة»، وبعض يهود الجزائر، وأن الإسرائيليين يدعمون هذه المنظمة التخريبية التي كانت تهدف إلى منع استقلال الجزائر، وإجهاض الاتفاق بين ديغول وجبهة التحرير الوطني. 

على الصعيد الدبلوماسي، دعمت إسرائيل طوال فترة الثورة الجزائرية الجانب الفرنسي وتبنّت تماما الطرح الفرنسي القائل بأن كل ما يحدث في تونس، والجزائر، والمغرب، هو «شأن داخلي فرنسي».

وقد برر الإسرائيليون هذه السياسة الموالية لفرنسا على حساب الجزائر بأن الجزائريين تحالفوا مع البلدان العربية العدوّة إسرائيل، وبالتحديد مصر؛ بالإضافة إلى ذلك فقد استشهدت إسرائيل بأن البلدان العربية لا تردّ الجميل عندما يتعلق بالدعم الدبلوماسي الإسرائيلي لاستقلالها، واستشهدت بمثال ليبيا التي دعمت إسرائيل استقلالها في الأمم المتحدة سنة 1951؛ وأعلنت ليبيا عداوتها لإسرائيل بعد استقلالها. 

لقاءات سريّة ومحاولات لاستمالة الجزائريين

رغم الموقف الإسرائيلي الرسمي الدعم للطرف الفرنسي في الحرب الجزائرية، شهدت إسرائيل نشاطات وحركات شعبية غير رسمية لدعم الثورة الجزائرية، من بينها إنشاء «اللجنة الإسرائيلية من أجل جزائر حرة» من طرف نشطاء وشخصيات إسرائيلية، وحسب الباحث مايكل لاسكير، كانت إسرائيل تطمح إلى كسب ود الجزائر من خلال دعم ثورتها رمزيًا، آملين أن تبادلهم الجزائر المستقلة الدعم ذاته إن هم دعموا استقلالها.

الأمر الذي سيساهم في فك الحصار الاقتصادي المسلط على إسرائيل من الدول العربية، باعتبار أن الجزائر ستصبح أهم دولة عربية بعد الاستقلال في نظرهم.

مظاهرت مطالبة باستقلال الجزائر سنة 1960

اعتبر الإسرائيليون بعض تصريحات المسؤولين الجزائريين إشارات لإمكانية إقامة علاقات وديّة مع البلد الذي يوشك على الاستقلال، ففي 10 سبتمبر (أيلول) 1957 صرّح فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة أن اليهود «سيعاملون بمساواة مع المسلمين في الجزائر المستقلة وسيكون لهم الحق في اللجوء الى إسرائيل إذا أرادوا ذلك».

جدير بالذكر أنه قد جرت اجتماعات ولقاءات بين إسرائيليين، وشخصيات سياسية من الدول المغاربية، – لم تكن على صعيد رسمي ولا على أعلى مستوى – من بينها اجتماع «المؤتمر المتوسطي» في فلورنسا في أكتوبر (تشرين الأول) 1958 من تنظيم «الكونجرس العالمي لليهود» وجورجيو ليبيرا رئيس كونجرس السلام والحضارة المسيحية.

وقد جمع المؤتمر العرب واليهود من أجل مناقشة سبل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، ومن بين المشاركين من جبهة التحرير الوطني أحمد بومنجل، والمعارض المغربي المهدي بن بركة.

أيضًا شهدت تلك المرحلة لقاءات بين صحافيين إسرائيليين وأعضاء في الحكومة المؤقتة، من بينهم شالوم كوهين وأوري أفنيري من مجلة «hazeh» الأسبوعية، وإسرائيل نيومان من يومية «davar». إذ التقى كوهين في نويويورك المسؤولين الجزائريين، عبد القادر شندرلي ممثل الجزائر في الأمم المتحدة وأحمد بومنجل، ومحمد يزيد، وكريم بلقاسم.

جدير بالذكر أن هؤلاء انتقدوا تصويت إسرائيل ضد الجزائر في الأمم المتحدة، وأن الكراهية ضد إسرائيل قد تنتقل إلى كراهية لليهود الجزائريين، حسب الباحث لاسكير.

جهود فاشلة لتطبيع مبكّر 

ظهر في سياق المحاولات الإسرائيلية شخصية مثيرة حاولت اختراق الثورة الجزائرية. عبد القادر عبد الرازق، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، القائد التاريخي للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر. وُلد عبد القادر عبد الرازق في دمشق، ثم اعتنق الفكر الماركسي في شبابه؛ والتحق متطوّعًا بالعصابات المسلحة الإسرائيلية سنة 1948، وبعد أن رُفضت مشاركته إياهم في القتال، التحق بتعاونيات «الكيبوتس» الإسرائيلية، وهناك تزوّج بفتاة إسرائيلية ماركسية.

هجوم للمنظمة السرية المسلحة في العاصمة الجزائر

في سنة 1954 غادر عبد الرازق إسرائيل والتحق بـ«جبهة التحرير الوطني» للانضمام إلى الثورة، واستطاع إقناع قيادة الثورة بقبول انضمامه بفضل تاريخ عائلته الرمزي المرتبط بالأمير عبد القادر، ليصبح ممثلًا لجبهة التحرير الوطني في ألمانيا الغربية وسويسرا.

وهناك كتب كتابًا عن الصراع العربي والإسرائيلي، دعا فيه جبهة التحرير الوطني إلى الانحياز إلى إسرائيل ضد العرب كما اعتبر أن الثورة الجزائرية شبيهة بـ«حرب الاستقلال الإسرائيلية» التي انطلقت سنة 1948، حسب تعبيره. 

كان لعبد الرازق علاقات مع صحافيين ونشطاء ودبلوماسيين اسرائليين، وقد شارك بعد الاستقلال في مؤامرة لقلب نظام الرئيس أحمد بن بلة سنة 1964، ثم حاول دعم المعارضة الجزائرية ضد النظام، وفي سنة 1989 انتقل للعيش في إسرائيل سنة 1989 وغيّر اسمه إلى اسم يهودي؛ وهناك توفي وحيدًا بعد 10 سنوات. 

المحاولات الإسرائيلية للاتصال بالجزائريين لم تقتصر مع جبهة التحرير الوطني، بل شملت غريمتها اللدودة «الحركة الوطنية الجزائرية» بقيادة الزعيم التاريخ مصالي الحاج. إذ التقى نيومان في باريس بكل من مصالي الحاج ومحمد سعدون. وذلك لمحاولة استغلال سخط مصالي الحاج على الرئيس المصري جمال عبد الناصر لدعمه جبهة التحرير. 

مظاهرات مطالبة باستقلال الجزائر، 1960

في ربيع 1962، وبعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين الجزائريين والفرنسيين، كان من الواضح أن القضية الجزائرية تتجه للحلّ نحو الاستقلال، وهو ما دفع بالإسرائيليين إلى محاولة فتح قنوات اتصال مع الدولة التي ستستقل قريبًا في محاولة لاستمالتها نحو الخط الإسرائيلي، وقد قاد هذه الجهود من طرف الإسرائيليين قناصلة وسفراء في دول فرنسا وسويسرا وغينيا.

أما من الجانب الجزائري فقد شارك في هذه الاتصالات كل من لويزة مريم مكاوش، مساعدة وزير الاتصال في الحكومة المؤقتة محمد يزيد، وإبراهيم كابوية، سفير الحكومة الجزائرية المؤقتة في غينيا، وعبد القادر عبد الرازق؛ وقد ركّزت إسرائيل قبل الشروع في هذه الاتصالات على الحصول على موافقة من الحكومة الفرنسية، وهو ما حصل بالفعل. 

لكن هذه الاتصالات التي بقيت على مستوى تمثيلي منخفض، انهارت بسبب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، الذي هاجم جبهة التحرير الوطني، واعتبر أن التعايش بين يهود الجزائر ومسلميها «مستحيل»؛ لأن مسلمي الجزائري «لا يمكن الوثوق بهم». بالإضافة إلى تصريحاته الداعمة للأعمال التخريبية التي قامت بها «المنظمة المسلحة السرية». 

الدعم الإسرائيلي الكبير للجانب الفرنسي وانحيازه التام لفرنسا في مختلف المرات التي صوّتت فيها جمعية الأمم المتحدة حول المسألة الجزائرية، جعل الجزائريين يطلقون أكثر فأكثر تصريحات عدائية اتجاه إسرائيل.

ففي ديسمبر (كانون الأوّل) 1961، وبينما كانت «جبهة التحرير الوطني» على مقربة من تحقيق الاستقلال، وفي أحد اللقاءات بين شندرلي مع شخصيات إسرائيلية، أكد أن الجزائر لم تعد تعبأ بكسب صوت إسرائيل داخل الأمم المتحدة، قائلًا: «خلال سنوات كفاحنا الطويل لم نقم بأي انتقاد ضد إسرائيل، لا توجد أية تصريحات من الجبهة، ولا خطاب واحد لمسؤول في الجبهة ضد إسرائيل، لماذا اتجه بن جوريون لينصح ديجول بتقسيم الجزائر، وهو الاقتراح المرفوض من جميع الجزائريين؟».

سياسة

منذ 3 شهور
«لن نبارك ولن نشارك».. ما سر الدعم الجزائري الثابت للقضية الفلسطينية؟

مضيفًا: «من المستحيل تجاوز هذه الصدمة. حتى لو تقرّبت منا الحكومة الإسرائيلية الآن وأخبرتنا بأنها تود تعديل سياستها اتجاهنا وأنها ستصوّت لصالحنا مستقبلًا سوف نرفض. سنقول لها بأنها طول سبع سنين، عندما سالت دماء عشرات الآف من أبناء الجزائر طعنتمونا في الظهر، دعمتم المستعمر في كل تصويت، وكل طريقة ممكنة، الآن ونحن على مقربة من النصر، لا نحتاج مساعدتكم».

هذه الآمال الإسرائيلية للتقرب من الجزائر المستقلة لمحاولة استمالتها تحطّمت على صخرة الواقع، ففور عودته إلى الجزائر من منفاه في فرنسا، صرّح أول رئيس للجزائر المستقلة أن الجزائر مستعدة لمساندة فلسطين بـ100 ألف مقاتل، وأن على الفلسطينيين إنشاء «جبهة تحرير وطني» مثل الجزائريين، وأن استقلال الجزائر لا يكتمل إلا باستقلال فلسطين؛ وهذا واضح من دعم إسرائيل لمنظمة الجيش السري، حسب تصريح الرئيس الراحل أحمد بن بلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد