ما تبحث عنه إسرائيل في مصر هذه الأيام ليس فقط المستوطن أفيف سلوبودكين (26 عامًا)، الذي اختفى يوم الأحد بعد دخوله إلى سيناء في 4 سبتمبر (أيلول) الجاري، ولكن أيضًا مستقبل تحالفها مع رجل مصر القوي عبد الفتاح السيسي، الذي يواجه «تحديًا مفتوحًا، فاجأ المراقبين»، على حد قول إيمانويل باريسي في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

لكن على الرغم من أن «الغضب الناجم عن المصاعب الاقتصادية والفساد المزعوم على مستوى رفيع يهدد بكسر الحظر المفروض منذ فترة طويلة على مسيرات الشوارع»، يحتفي الإسرائيليون بطمأنة المحللين أن «أي احتجاجات أخرى ستواجه بصرامة؛ لأن السيسي عازم على الاحتفاظ بأوراق اعتماده الأمنية».

«أوضح السيسي أنه يعتزم البقاء في السلطة لبعض الوقت، وأن الاحتجاجات لن تغير من حساباته»، كما يرجح إتش. إيه. هيلر، زميل «المعهد الملكي للخدمات المتحدة»، مضيفًا في تصريح لوكالة «فرانس برس» أن الرئيس «يبدو مقتنعًا بأن أي احتجاجات تتجاوز نقطة معينة ستكون مدمرة ليس فقط لرئاسته، بل للدولة بشكل عام».

وبينما أحدثت مقاطع الفيديو التي نشرها المقاوِل المنفي محمد علي زخمًا هائلًا، وشاركتها ملايين المرات عبر الإنترنت، يسلط الإسرائيليون الضوء على «الهجمات المضادة القوية التي شنها مؤيدو السيسي، مستخدمين وسومًا تمجِّد الرئيس، وتتهم المعارضة بإشاعة الفوضى»، إذ «ينظر هؤلاء المؤيدون للسيسي – الذي قضى ست سنوات ممسكًا بزمام الأمور من بينها خمس سنوات في الرئاسة – باعتباره حصنًا ضد انعدام الأمن والتفكك السياسي الذي أطلقه الربيع العربي في أماكن أخرى، لا سيما في ليبيا وسوريا».

إرهاصات يناير تلوح في الأفق.. هل يلقى السيسي مصير مبارك؟

حتى حين تحدث زيفي بارئيل عبر مقال نشرته صحيفة «هآرتس» عن «قبضة الزعيم المصري الحديدية»، استبعد أن «تشهد مصر مظاهرات كتلك التي وقعت في يناير (كانون الثاني) 2011، في أي وقت قريب»، رغم تأكيده على أن «الظروف أصبحت تشبه أكثر فأكثر ما كانت عليه في نهاية عهد مبارك». 

صورة أرشيفية لثورة 25 يناير

صحيحٌ أن عهد السيسي لم يعتد مثل هذه المظاهرات حتى الآن؛ وهو ما جعلها تثير التكهنات حول استقرار نظامه وقدرته على البقاء في السلطة، لكن بارئيل يرى أن هناك فارقًا مهمًا بين السيسي والرئيس السابق حسني مبارك يتلخص في أن:

  •  علاقة مبارك بالجيش كانت متأرجحة بين صعودٍ وهبوطٍ، وكانت علاقته متوترة مع وزير الدفاع، محمد طنطاوي. وقد وصلت هذه التوترات إلى ذروتها عندما وقف الجيش مع المتظاهرين أثناء الانتفاضة ضد مبارك عام 2011. 
  •  في المقابل حافظ سيسي على علاقة وثيقة مع الجيش ومع وزير الدفاع، الفريق أول محمد زكي، الذي قاد القوة التي اعتقلت مرسي في القصر الرئاسي، وشهد بأن مرسي هو الذي أمر الجيش بفتح النار على المتظاهرين.

هل يؤدي صراع الأجنحة إلى الإطاحة بالسيسي أم تشديد قبضته؟

التقارير التي أثيرت في الآونة الأخيرة حول الخلافات بين السيسي وزكي، وصلت إسرائيل. لكن بينما يأمل محمد علي ورفاقه أن يؤدي صراح الأجنحة داخل الجيش إلى الإطاحة بالسيسي و«تعليقه على حبل المشنقة»، يذهب المحلل الإسرائيلي إلى أن السيناريو الأرجح هو: أن يؤدي هذا الخلاف إلى «إقالة زكي من منصب وزير للدفاع، كجزء من تعديل أكبر للحكومة يخطط له السيسي». وبدلًا عن إسهام مقاطع الفيديو التي نشرها محمد علي حول الفساد العميق في الجيش في إرخاء قبضة السيسي على السلطة، فإنها ستمنحه مبررًا لـ«تعديل القيادة العسكرية»، وبالتالي تشديد قبضته على أقوى مؤسسة في البلاد. 

ويهتم الإسرائيليون بالتقارير التي ترصد تحركات رئيس المخابرات عباس كامل – المعروف في إسرائيل بأنه الشخص الذي يتولى اتصالات الرئيس مع حركتي «حماس» و«الجهاد» – وكيف يصطاد في المياه العكرة على الصعيدين: العسكري، والسياسي. ويقال إنه يحاول إقناع السيسي بالإطاحة برئيس الوزراء مصطفى مدبولي بسبب الإخفاقات الإدارية الأخيرة، والتي تسببت في فشل خطط السيسي للإصلاح والتطوير.

«فورين أفيرز»: كيف صمدت العلاقات بين مصر وإسرائيل رغم كل شيء؟

بعد إحراج السيسي.. هل سيحاول إثبات «مَن هو الرئيس»؟

قالت مصادر مصرية لصحيفة «هآرتس»: «إن المظاهرات الأخيرة وضعت السيسي في موقف محرج للغاية؛ لأنها شنت حربًا على الفساد في الجيش، وأظهرت السيسي بأنه لا يعرف ما يدور في الجيش. لذلك فعلى الرغم من أنه يعتبر حامي الجيش، وخلع على وزارة الدفاع حصانة ضد الانتقاد البرلماني، إلا أنه سيضطر إلى إجراء تغييرات بعيدة المدى بين كبار ضباط الجيش لإظهار سيطرته وتخفيف الغضب العام».

الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي

ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي يُظهر فيها السيسي للجيش «مَن هو الرئيس». ففي يونيو «حزيران» 2018، أقال السيسي وزير الدفاع السابق وقائد الجيش، الجنرال صدقي صبحي، الذي كان أيضًا طرفًا في الإطاحة بمرسي.

وجاءت إقالة صبحي بدافع «خشية السيسي من استحواذه على قدر كبير من القوة في الجيش، واحتمالية أن يعمل ضده، خاصة بعد اكتشافه أن السيد صبحي عارض خطة الرئيس لتعديل الدستور حتى يتمكن من البقاء في منصبه بعد انتهاء ولايتين متتاليتين». ووفقًا للدستور لا يمكن للرئيس إقالة رئيس الأركان دون موافقة المجلس العسكري. لكن السيسي «حصل بسهولة على موافقة المجلس، ولم يواجه معارضة للإطاحة بصبحي».

في الوقت الحالي قد تتمخض الإجراءات التي يرجحها الإسرائيليون «استمرار الجيش في دعم الرئيس، وذلك لحماية مصالحه الخاصة». فقد أصبح الجيش هو المقاول الرئيس للمشاريع الحكومية، التي تُمنَح من خلال عملية الإسناد المباشر دون تقديم عطاءات. علاوة على ذلك فإن أرباحها معفاة من الضرائب.

يعزز هذا الاطمئنان أن السيسي ليست لديه أي مخاوف على الجبهة السياسية؛ لأن معظم أعضاء البرلمان إما ينتمون إلى الحزب الحاكم، أو انضموا إلى ائتلافه الحاكم – عادة – بسبب المال أو الضغط. وكقاعدةٍ عامة: هذا البرلمان لا يثير جلبة، ويمرر جميع التشريعات التي يقترحها الرئيس، لدرجةٍ أثارت اهتمام الإسرائيليين أنفسهم.

هل تصل الفقاعة إلى درجة الغليان؟

أما قضية «أم السيسي اليهودية» التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، فيراها بارئيل مجرد «نزاع لفظي ذي طبيعة ترفيهية» بين الرئيس وأعوانه من جهة وخصومه من جهة أخرى، لكنها في المقابل لا يمكن أن «تُخفي وجود فقاعة يمكن أن تصل إلى نقطة الغليان». 

صحيحٌ أن مصر حصلت على مؤشرات مرتفعة من البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية بفضل إصلاحات السيسي الاقتصادية وتراجع التضخم والخفض الحاد في الدعم الحكومي، كما أن تنبؤات النمو إيجابية، وحتى البطالة انخفضت، لكنها جاءت بتكلفة باهظة على الناس العاديين، وهو الأثر الذي لاحظته الصحف الإسرائيلية حتى لو أنكرته نظيرتها المصرية.

ووفقًا للبنك المركزي المصري يعيش حوالي 33٪ من المصريين تحت خط الفقر، ويعيش أكثر من 6% في فقر مدقع. علاوة على ذلك انزلق جزء كبير من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الأدنى. ورغم ارتفاع الإيرادات الضريبية نتيجة للإصلاحات وفرض ضريبة القيمة المضافة، فإن أكثر من 80% من هذه العائدات مخصصة لمدفوعات الديون والفوائد. ناهيك عن تراجع الاستثمارات الأجنبية هذا العام مقارنة بالعام الماضي، وبعيدًا عن صناعة السياحة لا توجد إنجازات كبيرة يمكن أن تفخر بها مصر.

سر زيارة المخابرات المصرية «السرية» إلى إسرائيل

بينما كانت القاهرة ومحافظات أخرى تموج بتظاهراتٍ متفرقة تطالب برحيل السيسي، كشف مراسل «القناة 13» الإسرائيلية باراك رافيد في تغريدةٍ يوم الجمعة بأن وفدًا من المخابرات المصرية قام بـ«زيارة سرية» إلى إسرائيل. 

وقال رافيد في تغريدة ملحقة: «يشعر المصريون بالقلق من أن يؤدي عدم الاستقرار السياسي في إسرائيل، وإمكانية إجراء انتخابات ثالثة، إلى تصعيد آخر في غزة». وآخر ما يريده السيسي على الأرجح الآن هو اشتعال الأوضاع على حدود غزة، وبالنظر إلى ما كان عليه الحال قبل الانتخابات الأخيرة منذ بضعة أسابيع فقط، فإن الوضع لا يزال مرشحًا للانزلاق إلى «عملية أو حرب واسعة النطاق».

نقطة تفتيش إسرائيلية على الحدود المصرية الإسرائيلية

صحيحٌ أن الأجهزة المصرية لديها ما يكفي من المشاغل للاهتمام بها، ليس فقط في قلب القاهرة، ولكن أيضًا في مختلف المحافظات، بيدَ أن ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود الفلسطينية لا يمكن عزله عن السياق الأمني المصري في الداخل.

فالهجمات الصاروخية التي استهدفت جنوب إسرائيل قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية الأسبوع الماضي، استدعت ردًا من الطائرات المقاتلة التابعة للجيش الإسرائيلي. وقبلها بيوم، دوت صفارات الإنذار واشتعل اللون الأحمر في مدينتي أشدود وعسقلان وفي المناطق الصناعية القريبة من المدينتين. 

سقطت القذائف المنطلقة من غزة بينما كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في منتصف خطابه أثناء مؤتمر سياسي في أشدود؛ ما أدى إلى قطع الخطاب، وإخراج نتنياهو من المنصة، وإجلاء المشاركين. ويبدو أن الموقف كان محرجًا بما يكفي لإثارة غضب نتنياهو، الذي أفادت تقارير إسرائيلية بأنه يعتزم شن عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة، لولا أن أوقفها المدعي العام أفيشاي ماندلبليت؛ لأنها تتطلب موافقة مجلس الوزراء. 

وبينما كان الجميع يترقب سقوط قذائف جديدة من غزة، إذ بـ«قذيفتين طائشتين» تسقطان على بلدة بني نيتسريم جنوبي إسرائيل بالقرب من الحدود مع مصر، لكن هذه المرة من سيناء، وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أنهما قد يكونان نيرانًا انطلقت خطأ من دبابة مصرية مشاركة في عمليات الجيش المصري في شمال سيناء.  

هذا القصف المصري «الطائش»، الذي جاء بعد يومٍ واحد من الزيارة السرية التي قام بها وفد المخابرات المصرية إلى إسرائيل، لم يوقع إصابات بشرية، لكنه ألحق أضرارًا بكنيس يهودي كان يضم العديد من المصلين، حسبما أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وحطمت الشظايا الزجاج الخلفي لسيارة كانت متوقفة بالقرب من الموقع؛ ما استدعى توجه خبراء المتفجرات وقوات الشرطة إلى موقع الحادث.

الجيش.. كلمة السر في مستقبل مصر

على الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين – السياسيين والعسكريين والأمنيين – رفضوا التعليق رسميًا على الحراك المصري، في محاولة لعدم إحراج حليفهم السيسي، فإن هذا لا يعني عدم وجود «اتصال وثيق بين القاهرة وتل أبيب على مدار الساعة».

صورة أرشيفية لجنود مصريين يمشطون الحدود في رفح المصرية

وثمة اتفاق بين الدوائر الإسرائيلية على أن «السيسي يواجه قنبلة موقوتة نتيجة تردي الحالة الاقتصادية والاجتماعية، وأنها مجرد مسألة وقت فقط قبل أن تنفجر»، وأن هذه التظاهرات النادرة في عهد السيسي تعني «كسر حاجز الخوف بين المصريين»، حتى وإن حرصت التغطية الصحافية الإسرائيلية طيلة الوقت على تأكيد أن السيسي يستطيع تدبُّر أموره. 

لكن ما لا تستطيع أن تخفيه التحليلات المطمئنة التي تستشهد بها الصحف الإسرائيلية هو أن «الحياة إذا عادت إلى ميدان التحرير، فستكون هذه أخبارًا سيئة للغاية بالنسبة لإسرائيل»، وإن كانت ترجح أن يواصل الجيش المصري السيطرة على زمام الأمور بغض النظر عن التطورات. وحتى إذا اضطر السيسي إلى ترك السلطة في هذه المرحلة – وهو سيناريو يستبعده الإسرائيليون الآن، ناهيك عن عودة الإخوان إلى السلطة، أو أي شخصية معادية لإسرائيل – فسيكون للجيش المصري القول الفصل في تحديد شكل مستقبل البلاد.

«هآرتس»: إسرائيل «مستاءة» من الدور المصري في ملف غزة.. لماذا؟

المصادر

تحميل المزيد