خلال الانتخابات البرلمانية في بنجلاديش، التي أجريت في يناير (كانون الثاني) عام 2014، هاجم رجال مسلحون قرية مالوبارا، التي يدين سكانها بالهندوسية، وقاموا بإحراق متاجر ومنازل الهندوسيين، وتم الاشتباه في أنهم ينتمون لجماعة «إسلامية سلفية جهادية».

في أبريل (نيسان) لعامنا الحالي، نشرت جماعة «أنصار الإسلام»، فرع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة الهندية، بيانًا تعلن فيه مسؤوليتها عن مقتل الطالب العلماني نظيم الدين صمد، وهو ما اعتبرته الجماعة انتقامًا من «تجديف صمد وانتقاده للإسلام وسخريته من الإسلام»، وجاءت الحادثة بعد قتل خمسة مدونين علمانيين في البلاد، أعلنوا قبلًا عن آرائهم «المعارضة للإسلام» بوضوح، علمًا بأن حكومة بنجلاديش تُكذب وجود فرع لتنظيم القاعدة في بلادها.

في شهر يونيو (حزيران) الجاري، أطلق مسلحون الرصاص على رأس «محمودة أكثر»، زوجة قيادي بارز في جهاز الشرطة ببنجلاديش، مسؤول عن ملف التحقيقات في القضايا المتعلقة بجماعة محظورة، تدعى جماعة «المجاهدين الإسلامية»، أمام طفلها البالغ من العمر ست سنوات، بمدينة شيتاجونج في جنوب البلاد.

بنجلاديش تتهم إسرائيل بقتل الملحدين وأبناء الأقليات

في منتصف مايو (أيار) لعام 2015، أعلنت وسيلة إعلام محلية أن إسلام تشودري، الأمين العام لحزب بنجلاديش القومي، وهو حزب المعارضة الرئيس في البلاد، قد التقى أثناء سفره إلى الهند، في شهر مارس (آذار) من نفس العام، بمستشار للحكومة الإسرائيلية.

 صورة القبض على إسلام تشودري

بعد نشر الخبر مباشرة، قامت الشرطة بتوقيف تشودري، وأعلنت الشرطة البنجلاديشية أنها أوقفت الأمين العام للحزب المعارض، بسبب الاشتباه في تآمره ضد حكومة بلاده، وحياكته لمؤامرات ضدها، أثناء لقائه بممثل عن الإدارة الإسرائيلية، وأكدت الشرطة أنها تعد ملفًا لقضية جنائية ضد تشوردي.

حتى بدايات شهر يونيو (حزيران) الحالي، شهدت البلاد سلسلة اغتيالات عنيفة، في الثلاث سنوات الأخيرة، بلغ حصيلة القتلى فيها 40 قتيلًا، من الملحدين والمعارضين، وأبناء الطوائف الدينية التي تمثل الأقليات في بنجلاديش، وكان آخرها اغتيال مسيحي طعنًا، بعد صلاة الأحد في قرية بونبارا، شمال شرقي البلاد، وهي الحادثة التي تبناها «تنظيم الدولة الإسلامية»، وأشارت أصابع الاتهام، في كل تلك الاغتيالات، إلى «الإسلاميين المتشددين» الظاهرين على سطحها.

لكن في السابع من يونيو (حزيران) الحالي، بدأت أصابع الاتهام تتجه غربًا، ناحية كيان لا يمتلك مصالح ملحوظة في بنجلاديش، تدفعه لدعم عمليات مسلحة من هذا النوع.

في التاريخ المذكور، صرح وزير الداخلية ببنجلاديش، أسد الزمان خان، أنه ربما كانت لإسرائيل صلة بعمليات الاغتيال العديدة، التي شهدتها بلاده، ضد أبناء الأقليات الدينية والملحدين والأكاديميين، والمدونين العلمانيين وموظفي الإغاثة الأجانب، خلال الثلاث سنوات السابقة.

وأكد أسد الزمان، أنه بدأ في تلمس أدلة حقيقية، على وجود «مؤامرة دولية»، بحسب تعبيره، تحاك ضد بلاده، وذكر في هذا الصدد، الأخبار المتعلقة بإسلام تشودري، مؤكدًا أن عضو المعارضة بالبرلمان، تشودري، قد التقى عميلًا بالموساد الإسرائيلي.

ما الذي يذهب بإسرائيل إلى بنجلاديش؟

بنجلاديش هي واحدة من 21 دولة في العالم لا تعترف بإسرائيل، ولم تُنشئ أية علاقات دبلوماسية معها، وتحظر بنجلاديش على مواطنيها السفر إلى تل أبيب، لكن هذا الأمر ليس بجديد، فهو حادث منذ الأيام الأولى التي تشكلت فيها بنجلاديش كدولة مستقلة.

 صورة من مظاهرة في سابقة في بنجلاديش ضد الاعتداء الإسرائيلي على غزة

وتفصل بنجلاديش، التي لم تشهد تقدمًا اقتصاديًا ملحوظًا، إلا في السنوات الأخيرة، عن إسرائيل مسافة طويلة من الأميال، ولا توجد لإسرائيل مصالح ملحوظة، في تلك الأراضي الإسلامية الفقيرة، فلماذا إذًا ترتبط إسرائيل بتهمة دعم اغتيالات في بنجلاديش؟

في السنوات الأخيرة، بدأت إسرائيل في الإعراب عن أملها الكبير في إقامة علاقات قوية مع بنجلاديش، بعد سيادة النظام العلماني المدني في البلاد، بدلًا من النظام العسكري، وقد صرحت الإدارة الإسرائيلية، في عام 2011، أنها ليس لديها أي صراع مع بنجلاديش، وأنها لا تريد إلا الحوار مع النظام البنجلاديشي، كما أعربت عن ترحيبها الكامل بأن يُسمح للشعب البنغالي في بنجلاديش، بزيارة «البقاع المقدسة»، داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.

ليس هذا فحسب، فقد أعربت الإدارة الإسرائيلية في وقت سابق، عن إعجابها الكبير بما اعتبرته إنجازات بنجلاديش، في التنمية الاقتصادية والديمقراطية، وفي مجال حقوق المرأة، خصوصًا وأن أهم اسمين في الساحة السياسة، منذ التخلص من النظام العسكري ببنجلاديش، يعودان لامرأتين، هما رئيسة الوزراء الشيخة حسنة، وزعيمة المعارضة خالدة ضياء.

علمًا بأن إسرائيل كانت من أول الدول المعترفة ببنجلاديش كدولة مستقلة، في عام 1971، وهو الاعتراف الذي رفضته دولة بنجلاديش الناشئة آنذاك.

يترافق كل ما سبق، مع ظهور بعض المدونين والكتاب الشباب في بنجلاديش، في الآونة الاخيرة، يدعون إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ويشكون من وجود عبارة «صالح لجميع بلدان العالم باستثناء إسرائيل»، الموجودة على جواز سفر أي مواطن في بنجلاديش.

على الجانب الآخر، فقد برز اهتمام إسرائيل بتوسيع نفوذها في المناطق الفقيرة بآسيا، في السنوات الأخيرة، اهتمام وصل إلى حد أنها كانت من أكثر الدول التي قدمت مساعدات إنسانية لنيبال، بعد الزلزال العنيف الذي ضرب أراضيها، في عام 2015.

لا زالت الحكومة المدنية العلمانية في بنجلاديش، على نفس الموقف التاريخي المؤسَس على عدم الاعتراف بإسرائيل، وتجريم التطبيع معها، ويعود ذلك في جانب كبير منه، إلى العدد الكبير من مواطني بنجلاديش، ومعظمهم من الفقراء الريفيين، الذين يعملون كعمال غير مهرة، في المملكة العربية السعودية، وتعد تحويلاتهم القادمة من المملكة، واحدة من أهم دعائم الاقتصاد في البلاد، علمًا بأن المملكة هي المصدر الرئيسي الذي يمد بنجلاديش بالطاقة.

لذلك فإن أي غضب سعودي من بنجلاديش، قد يؤدي إلى عواقب ضخمة، من الممكن أن تصل إلى ترحيل عمالها من أراضي المملكة، مما سيسبب مشاكل كثيرة لبنجلاديش، وسيتسبب بارتفاع في معدلات البطالة لا طاقة لها به، عواقب لن يحتملها اقتصاد بنجلاديش بأي شكل.

لذلك فإن أي محاولة للتطبيع مع إسرائيل، هي غير واردة في بنجلاديش، من النظام العلماني الذي يحكم البلاد، لأن ذلك سيعني بالنسبة للملكة العربية السعودية، خروج البلاد عن المحددات السياسية، محددات لا تريد المملكة أن تخرج الدولة الآسيوية عنها.

إذًا هل إسرائيل هي مدبرة تلك الاغتيالات؟

حتى الانتهاء من كتابة هذا التقرير، لم تقدم بنجلاديش دليلًا ملموسًا، على أن إسرائيل هي المتورطة الحقيقية في اغتيال العلمانيين والملحدين، لزعزعة الاستقرار في البلاد؛ لم تقدم سوى الاتهام المعتمد على أن بنجلاديش لا تسمح بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، مما يضر بمصالحها في توسيع نفوذها بآسيا.

 صورة لرئيسة وزراء بنجلاديش حسينة واجد.

وجدير بالذكر هنا، أنه منذ صعود حسينة واجد لسدة الحكم، بانتخابات ديمقراطية، قامت حكومتها باعتقال الإسلاميين، وتنفيذ أحكام إعدام بحقهم، وسط تراجع كبير في المنظومة الحقوقية ببنجلاديش، رصدته منظمات حقوقية عالمية، مثل «هيومان رايتس ووتش»، ومنذ أن دخلت الأحكام بالإعدام، في حق الإسلاميين، حيز التنفيذ، تعيش البلاد في فوضى كبيرة، وإضرابات ومظاهرات وأعمال عنف متكررة، حيث أن الإسلاميين هم الداعمين الرئيسيين لزعيمة المعارضة، خالدة ضياء، وقد بات الامر برمته أشبه بصراع «إسلامي – علماني» في البلاد.

وفيما يخص اتهام إسلام تشودري، بإجرائه لمقابلة مع مسؤول إسرائيلي في الهند، فجدير بالذكر أن إسلام الموقوف من قبل الشرطة، ينفي تمامًا هذا اللقاء، مؤكدًا أنه كان في رحلة عمل، علمًا أيضًا بأن توقيف إسلام واتهامه، يأتي في سياق سلسلة طويلة من الإجراءات، المتخذة من قبل حكومة حسينة، ضد حزب بنجلاديش القومي، حيث تُحمل المعارضة، بقيادة خالدة ضياء، الحكومة مسؤولية الفشل، في مواجهة العنف ضد الأقليات في البلاد.

وإلى حين تقديم حكومة بنجلاديش أدلتها، فيما يخص تورط إسرائيل في الاغتيالات على أراضيها، سيظل كلًا الاحتمالين قائمين، فيما إذا كانت إسرائيل تدبر الاغتيالات ضد الملحدين وأبناء الأقليات، الداعمين للنظام العلماني في البلاد، لأنها تخطط لإجراء تفاهم ما مع خالدة، ومؤيديها الإسلاميين، يسمح بمد هامش من التطبيع بين البلدين، مستغلة أن السعودية قد تسمح بذلك، إذا كان من سيقومون به إسلاميون مقربون منها.

أو أن يكون اتهام حكومة بنجلاديش هو «محض افتراء»؛ الغرض منه هو إبعاد النظر عن فشلها، في تأمين الأقليات الداعمة لها، وتورطها في اتخاذ إجراءات «قمعية»، ضد خصومها من الإسلاميين، وهو ما أشعل البلاد، وربما يؤدي إلى تراجع التقدم الملحوظ الذي أحرزته بنجلاديش، على مقاييس النمو الاقتصادي ومحاربة البطالة، منذ أن أزيح الحكم العسكري، وبرزت التجربة الديمقراطية، تجربة أنجبت امرأتين في صدارتها، في بلد فقير وصغير مثل بنجلاديش.

عرض التعليقات
تحميل المزيد