بعد مجهود استمر لمدة ثلاثة أشهر من البحث والتقصي؛ نشرت هيئة مراقبة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» تقريرها عن الأبراج الأربعة التي دمرتها القوات الإسرائيلية في غزة خلال عملية العدوان على القطاع في مايو (أيار) الماضي.

عملية استهداف الأبراج الفلسطينية جاءت بالتزامن مع اندلاع الاشتباكات بين إسرائيل وعناصر المقاومة الفلسطينية، على إثر أحداث حي الشيخ جراح، عندما حاولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي طرد عدد من العائلات الفلسطينية من بيوتهم في العاصمة الفلسطينية القدس؛ وهو الفعل الذي قوبل بشجب وتنديد عالمي، ونال تعاطف الملايين حول العالم؛ من بينهم حتى من يمتلكون تاريخًا من دعم إسرائيل.

أما عن حادثة الأبراج، فمنذ اليوم الأول كان هناك شكوك حول ادعاءات الجانب الإسرائيلي وتبريره لتدمير هذه الأبراج بأن داخلها مكاتب ومقرات تابعة للجناح العسكري لحركة حماس، وقد أدلت «هيومن رايتس ووتش» بدلوها في تقريرها ووصفت الحادثة بأنها «هجمات يبدو أنها غير قانونية أحدثت ضررًا بالغًا ومزمنًا».

تقرير الهيئة الحقوقية اعتمد على تحليل الأخبار والتصريحات من الجانب الإسرائيلي وعلى شهود عيان وملاك وحدات وعقارات في الأبراج الأربعة، وقدم التقرير مقارنة لادعاءات الجانب الإسرائيلي عن دوافعه للهجوم؛ مع الحقائق التي توصل إليها، والتي جميعها  قد تؤدي إلى استنتاج واحد؛ ألا وهو أن إسرائيل ضربت بقوانين ومبادئ حقوق الإنسان وقت الحروب والنزاعات عرض الحائط، ولا يمكن تصنيف ما فعلته إسرائيل في حادثة تفجير الأبراج إلا بأنه  «جريمة حرب».

«العالم سوف يعلم القليل عما يحدث في غزة بسبب ما حدث اليوم» * جاري برويت، رئيس تحرير وكالة «أسوشيتد برس» تعليقًا على تفجير إسرائيل للبرج الذي كان به مقر الوكالة

تفجير الأبراج.. جريمة حرب

في الفترة بين 10-15 مايو الماضي، استهدفت الصواريخ والطائرات الإسرائيلية أبراج «هنادي» و«الشروق» و«الجوهرة» و«الجلاء»، وهي العمليات التي عدتها «هيومن رايتس ووتش»: خرقًا لقوانين الحرب والنزاعات؛ التي تنص على إباحة استهداف الأهداف والقواعد العسكرية لكل أطراف النزاع، مع اتباع كافة الإجراءات الاحترازية لعدم إصابة المدنيين أو إحداث أي ضرر لمنشآت أو ممتلكات لمدنيين.

وفي حالة عدم القدرة على التفرقة بين المدنيين والعسكريين، يجب على الطرف المبادر بالهجوم تحذير كل من هو مدني يمكن أن يوجد في محيط الهجوم؛ وهو ما تفعله إسرائيل غالبًا منذ أن بدأت الهجوم الممنهج على المباني والوحدات السكنية في حرب غزة عام 2014 بحسب التقرير، وذلك من خلال الاتصال بحارسي أو ملاك العقار أو المباني، أو إطلاق صواريخ غير مدمرة أو يمكنها إحداث أضرار تدميرية قليلة في المباني المستهدفة، وهي الإستراتيجية التي تسميها السلطات الإسرائيلية «الطرق على الأسطح».

ولكن قبل اتباع سياسية «الطرق على الأسطح»، كان يجب على الحكومة الإسرائيلية إثبات وجود أهداف عسكرية أو حتى استخباراتية في أي من الأبراج أو حتى في محيطها؛ وهذا ما فشلت الحكومة الإسرائيلية في إثباته.

«هيومن رايتس ووتش» لم تكتفِ ببيانات السلطات الإسرائيلية أو السلطة الفلسطينية، أو حتى الأخبار في وكالات الأنباء؛ بل تحدثت مع 18 فلسطينيًّا عرفتهم الهيئة بأنهم «شهود وضحايا» للهجوم الإسرائيلي، وقال بعض الشهود إن في بعض الأبراج كان يوجد مكاتب تابعة لحركة المقاومة الفلسطينية «حماس»؛ ولكن لم يقدم أي من الشهود تعريفًا واضحًا عن طبيعة عمل تلك المكاتب.

ولكن الهيئة حاولت إيجاد تفسير أو تعريف لطبيعة عمل مكاتب حركة حماس، وذكرت في التقرير أن حركة حماس هي حركة سياسية لها ظهير عسكري، والذي يعرف باسم «جناح عز الدين القسام»، وطبقًا للقوانين الدولية؛ فإن إسرائيل يحق لها فقط استهداف المواقع والنقاط والمباني التي يديرها الجناح العسكري، وأي مساس بمكتب يديره الجناح السياسي؛ يعد استهدافًا لمنشأة أو شخص مدني، وهذا خروج عن قوانين حقوق الإنسان ويمكن وصفه بـ«جريمة حرب».

هذا ما دفع «هيومن رايتس ووتش» للميل في تقريرها إلى اتهام السلطات الإسرائيلية بخرق القوانين الدولية؛ بسبب اكتفاء المسئولين الإسرائيليين بالادعاء فقط دون تقديم أي نوع من الأدلة الملموسة التي تثبت تلك الادعاءات.

المدنيون فقط هم الضحايا

ناهيك عن الخسائر البشرية التي قُدرت بنحو 232 قتيلًا في الشعب الفلسطيني، بينهم 56 طفلًا، وأصيب أكثر من 1900 شخص؛ كانت تكلفة العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة عالية في تدمير البنية التحتية في القطاع؛ إذ تشير تقديرات الحكومة الفلسطينية إلى أن 2400 وحدة سكنية أصبحت غير صالحة للسكن، بينما تضررت أكثر من 50 ألف وحدة، ودُمرت أكثر من ألفي منشأة صناعية، وتجارية، وخدمية أو تضررت جزئيًّا، وهذا كله كان سببًا في نزوح أكثر من 75 ألف فلسطيني عن منازلهم، واضطرت نسبة كبيرة منهم للنزوح إلى مدارس ومخيمات تابعة لهيئات الأمم المتحدة على أطراف القطاع.

في حديث هيئة «هيومن رايتس ووتش» مع ضحايا الهجوم على الأبراج، قال أحدهم، ويدعى محمد قدادة، إنه كانت لديه شركة تسويق رقمي يعمل بها 30 موظفًا، جميعهم يعيلون عائلات ويدعمون بعملهم أقارب لهم، وقال إنه من الصعب فتح الشركة مرة أخرى لأن تدمير البرج الذي كان فيه مقر الشركة كبدها خسائر يقدرها بنحو 40 ألف دولار أمريكي، ومن الصعب توفير هذا المبلغ مرة أخرى لفتح مقر جديد.

الخسائر لم تلحق فقط بالأبراج المُدمرة؛ بل بالأبنية والعمارات المحيطة بها، وعندما حدث الهجوم على برج «هنادي»؛ سقطت أجزاء كبيرة منه على فندق قريب منه يسمى فندق «حندوقة»، قال صاحبه في فيديو نشر له على مواقع التواصل الاجتماعي، إن الخسائر التي تكبدها الفندق قدرت بنصف مليون دولار أمريكي.

منصات إعلامية.. دافع آخر لتدمير الأبراج

برج «الجوهرة» كان يضم مكاتب 11 وكالة إعلامية في المبنى: «تلفزيون العربي» ومقره لندن، وموقع وصحيفة «فلسطين»، وقناة «الاتجاه العراقية»، وقناة «الكوفية»؛ وقناة «المملكة الأردنية»، وفي برج الشروق كانت تقع مقرات قناة «الأقصى» الفضائية، وراديو «الأقصى»، وشركة «فلسطين» للإنتاج الإعلامي، وتلفزيون «القدس اليوم»، بالإضافة إلى صحيفة «الحياة الجديدة»، وجميعها وسائل إعلام فلسطينية تبث وتنشر من قلب قطاع غزة المحاصر.

وكان يقع في برج الجلاء الذي استهدفته إسرائيل يوم 15 مايو اثنان من أهم المنصات الإعلامية في القطاع؛ وهما مقر «الجزيرة» الإنجليزية، ومقر وكالة «أسوشيتد برس»، الحادثة التي وصفها جاري برويت رئيس تحرير «أسوشيتد برس» قائلًا: «العالم سوف يعلم القليل عما يحدث في غزة بسبب ما حدث اليوم»

انتهى التقرير بمطالبة المجتمع الدولي بوضع إسرائيل قيد التحقيق والمساءلة عن الخسائر التي قدرها التقرير بالملايين، وأكد أيضًا أهمية اللجنة التي شكلها المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، للتحقيق فيما حدث في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة

فهل نرى قريبًا الأمم المتحدة تعاقب إسرائيل؟ أو على الأقل تطالبها بالتعويض عن الخسائر المادية والبشرية التي نتجت من تدمير الأبراج؟

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 شهور
الملحمة الفلسطينية.. حوار مع جوزيف مسعد بعد معركة «سيف القدس»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد