واحدة من أهم الدول التي تُعنى دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتجسس عليها هي “لبنان”، وبالدرجة الأولى على تنظيم “حزب الله” فيها، كون هذا الحزب يشكل تهديدًا كبيرًا على الأمن الإسرائيلي، لذا كانت محاولات التجسس الإسرائيلية على لبنان متكررة ولم تنقطع.

في نهاية ديسمبر الماضي أدى ‏اختراق استخباري إسرائيلي إلى استهداف قيادات لحزب الله في الجولان، حيث أكدت الإذاعة الإسرائيلية أن هذا جاء نتاج قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على اختراق الحزب وجمع معلومات عن تحرّكاته من مصادر موثوقة داخله، تلك المصادر الموثوقة يقصد بها اللبناني “محمد شوربة”، الذي يوصف بأنه الرجل الثاني في وحدة العمليات الخارجية التابعة لـ “حزب الله”، والمعروفة بوحدة 910، وهذا ما أكده الحزب أيضًا، حتى إن نائب زعيم الحزب، نعيم قاسم، أكد أن الحزب يواجه معركة التجسس داخل صفوفه، والذي يُعَدّ اعترافًا بحصول اختراق إسرائيلي لصفوفه.

ما هي أهم عمليات التجسس الإسرائيلية على حزب الله؟

سلسلة من “فضائح التجسس” كشفتها وحدة “الاستخبارات الوقائية” في حزب الله التي أنشأها الحزب سنة 2000 بمساعدة أفراد من الحرس الثوري الإيراني المتواجدين في لبنان، فتلك الوحدة مهمتها الكشف عن متسللين إلى صفوفها، وكشف العملاء في لبنان عامة وداخل الحزب بصورة خاصة.
كشفت هذه الوحدة في عام 2011 عن مجموعة من أعضاء الحزب كانوا متورطين بالتجسس لصالح وكالة الاستخبارات الأمريكية، وأجبرت هذه الحادثة الحزب على الاعتراف للمرة الأولى بأن صفوفه مخترقة ناهيًا بذلك أسطورة أن الحزب غير قابل للاختراق.

وجاء كشف الشبكة التي قام عليها العميل شوربة كضربة قوية جدًا للحزب، حيث تحدثت تقارير أن “حزب الله” كشف عن شبكة تجسس تعمل لصالح إسرائيل مؤلفة من مسؤول كبير في الحزب وأربعة من معاونيه، هؤلاء كانوا في وحدة العمليات الخارجية للحزب المسماة الوحدة 910. وبرز اسم محمد شوربة كمتهم أساسي في القضية، وهو الذي كان مسؤولاً في السابق عن طاقم الحماية الشخصية المكلف بحماية نصر الله، كما عمل نائبًا لقائد الوحدة 910.

ما هي الأسباب والعوامل التي سهلت اختراق حزب الله؟

يقر الأمين العام لحزب الله “حسن نصر الله” أن : “هناك سيطرة إسرائيلية كاملة على كل شيء اسمه اتصالات في البلد، الخلوي والشبكات المدنية واللاسلكية والإنترنت. البلد مكشوف والإسرائيلي يسمع، وبناءً على ما يسمع يحدد ويحصل على الكثير من المعلومات”.

لذلك ساهمت عدة عوامل في توفير بيئة لانتشار شبكات التجسس داخل الحزب، يوضح مصدر مطلع أن منها المناخ السياسي في الداخل اللبناني المنقسم بصورة حادة، وعدم التعاطي الحازم مع ملف العملاء اللبنانيين الذين انخرطوا، ولسنوات طويلة، في صفوف ما سُمي “جيش لبنان الجنوبي” الذي أنشأه الاحتلال الإسرائيلي، وذلك تحت شعار “مراعاة الواقع الطائفي اللبناني”، إضافة إلى الإغراءات المالية الكبيرة التي تقدمها قوات الاحتلال الإسرائيلي لتجنيد عملاء لبنانيين.

وتؤكد مجلة أمريكية أن مشاركة حزب الله في النزاع الدائر في سوريا، جعل الحزب عرضة للاختراق والتجسس وانضمام عناصر غير منضبطة إليه. وتنقل المجلة عن القيادي في الحزب “نعيم قاسم” قوله إنّ مشاركة الحزب في الحرب الدائرة في سوريا كان لها انعكاسات سلبية؛ فقد أصبحت المنظمة أكبر بكثير من ذي قبل؛ مما جعلها أكثر عرضة للفساد والاختراقات الأمنية والميل إلى الشدة والقسوة.

 لماذا تتجسس دولة الاحتلال الإسرائيلي على “حزب الله”؟

تريد دولة الاحتلال منع وصول أسلحة متقدمة لحزب الله، وتسعى إلى تصفية بعض عناصره التي تشعر أنها تمثل خطرًا عليها، وما من سبيل لتحقيق كل هذه الأهداف إلا عن طريق وجود عيون داخل قيادة الحزب تستطيع توفير المعلومة المناسبة عن الأفكار والخطط، وتلك العيون هي “العملاء”.

يؤكد الخبير الاستراتيجي المصري اللواء “حسام سويلم” أن زرع جواسيس إسرائيليين داخل حزب الله كان أحد أهم الملفات التي أولاها الموساد الإسرائيلي اهتمامًا كبيرًا، لا سيما بعد انتهاء حرب عام 2006، وأضاف في تصريحات لـ”الوطن” أن الموساد ركز عقب انتهاء حربه مع حزب الله على زرع جواسيس داخل بنية الحزب، بهدف جمع المعلومات، ومواجهة مساعي الحزب للحصول على أسلحة حديثة، وهو ما يسمى بأسلوب “الحرب الاستباقية”.

وتنحصر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية التي تُعنى بتجنيد العملاء داخل لبنان، في جهاز “الموساد”، ووحدة “العملاء والأسرى”، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، وهي الوحدة المعروفة بـ”وحدة 504” التي تٌعنى بجمع المعلومات الاستخبارية وتجنيد العملاء في المناطق العربية الحدودية المتاخمة لفلسطين المحتلة، مثل جنوب لبنان، والجولان السوري، والأردن، وسيناء المصرية، إلى جانب بعض المناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة.

هل انتهت أسطورة أن حزب الله غير مخترق؟

أسقطت مقولة “حزب الله محصن ضد الاختراق”، وكما يقول النائب السابق عضو كتلة المستقبل مصطفى علوش إن افتراضات عدم اختراق حزب الله “مكابرات ومبالغات إعلامية” أثبتت بعض الوقائع بطلانها وزيفها، متوقعًا أن دخول الحزب في أتون الصراع السوري وانشغاله في الحرب هناك سيفتحان الباب أمام أجهزة استخبارات لتنفيذ اختراقات جديدة.

ويؤكد القيادي في جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان الدكتور الصافي علي محمد أن حزب الله اعتاد كشف وجود عملاء لإسرائيل داخله، ولكنه كان يتكتم على إعلان ذلك، تماشيًا مع سياسة التعتيم والسرية البالغة التي ظل ينتهجها. وقال: “تحدثت مصادر عديدة في السابق عن انكشاف أمر وجود جواسيس داخل الحزب، لكن القيادة ظلت تتكتم على ذلك، وترفض الاعتراف بوجود عمالة، لكن يبدو أن الأمور قد وصلت أخيرًا إلى مستوى لا يمكن إخفاؤه، لذلك بدأت الأخبار ترشح، لا سيما في زمن العولمة والانفجار التقني الذي يستحيل معه حجب المعلومات والحقائق”.
من جانبه يسخر الخبير الاستراتيجي المصري اللواء متقاعد حسام سويلم من إصرار حزب الله على ادعاء قوة تحصيناته وعدم السماح بحدوث اختراقات أمنية أو زرع جواسيس، لافتًا إلى أن الحزب نفسه أعلن في مرات عديدة اكتشاف وجود جواسيس إسرائيليين داخله.

 

المصادر

تحميل المزيد