تحوَّلت منطقتا غزة والضفة الغربية إلى مناطق مغلقة على سكَّانها، ومحرَّمة على العاملين بالمنظَّمات الحقوقية لتغطية انتهاكات «إسرائيل»، أو السلطات الفلسطينية على هذه الأراضي.

وقد ساهمت القيود الواسعة التي وضعتها إسرائيل على تنقُّل العاملين بالمنظمات الدولية بين هذه المناطق، أو  السماح لهم بالدخول لغزَّة، في تحويل حدود هذه المنطقة إلى أسوار سجن، خصوصًا مع الانعدام الكامل لأي رقابة على انتهاكاتها في حق الفلسطينيين، أو سلطات الأمن الوطني للسلطة الفلسطينية التي تمارس حملات انتهاكات واسعة حيال كُل معارضيها.

غزة والضفة الغربية.. مناطق مُغلقة أمام المنظمات الحقوقية

تخضع مسألة التنقل بين غزة والضفة الغربية، أو السفر إلى إسرائيل من كلا البلدتين إلى السيطرة الكاملة من جانب إسرائيل، التي تتحكم في المجالين الجوّي والبحري لغزَّة، وتمنع أي رحلات جوية أو بحرية منها وإليها. ويندرج موظفو المنظمات الحقوقية الدولية ضمن القائمة المحظور سفرها من وإلى كلتا البلدتين أو الانتقال إلى إسرائيل، سواءً لحضور اجتماعات دورية، أو لتغطية وقائع الانتهاكات من جانب السلطات الفلسطينية، أو سلطات الاحتلال.

منظَّمة العفو الدولية، المنظمة الحقوقية البارزة، سعت خلال السنوات الأربع الماضية لدخول موظفيها إلى غزة أو الضفة الغربية، لكن قوبلت كافة هذه المساعي بالفشل، بينما كانت آخر مرة دخل موظفوها إلى غزة في يونيو/ حزيران 2012، بعد منح تصريح لموظفيها من جانب إسرائيل.

يتشابه وضع منظمة «هيومان رايتس ووتش»  مع «منظمة العفو الدولية»، إذ رفضت دولة الاحتلال  كافة الطلبات التي تقدمت بها المنظمة للسماح لموظفيها بالدخول لغزة، بينما كان الاستثناء الوحيد للعاملين بالمنظمة للدخول إلى غزة، في سبتمبر/ أيلول 2016، بعد ورود غرض الزيارة في التصريح، وهو «الدفاع عن مدنيين إسرائيليين محتجزين لدى منظمات مسلّحة في غزة».

السلطات المصرية كانت أيضًا أحد الفاعلين في إغلاق الباب أمام المنظمات الحقوقية الدولية لدخول موظفيها إلى غزة، على خلفية رفضها الدائم السماح لموظفي حقوق الإنسان الأجانب بدخول غزة أثناء المرات القليلة التي فتحت فيها معبر رفح.

وتنص المادة 43 من «لوائح لاهاي»، التي تلتزم بها إسرائيل، على السماح بعمل المجتمع المدني، بما يشمل النشاطات والمنظمات الحقوقية، واحترام حقوق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، بما فيها حق الفرد في دخول بلده الأصلي والخروج منه، واختيار مكان إقامته فيه.

يشمل الحظر كذلك موظفي حقوق الإنسان العاملين بالمنظمات الحقوقية الفلسطينية  والإسرائيلية، الذين يجدون صعوباتٍ كبيرة في التنقل من وإلى غزة، أو التنقُّل للضفة الغربية لتغطية وقائع انتهاكات سواء من جانب سلطات الاحتلال، أو السلطات الفلسطينية.

سَعَت كلٌّ  من  منظمتي «بتسيلم وغيشا» لتقديم دعوةٍ قضائية أمام المحاكم الإسرائيلية، للسماح  لباحثين ميدانيين من غزة تابعين لـ «بتسليم» بحضور اجتماعات وتدريبات مع عاملين تابعين لها  في القدس، لكن قوبلت هذه الدعوى بالفشل، وبررت إسرائيل ذلك: بـ «المخاوف الأمنية».

وثقت منظمة «غيشا- مسلك» الحقوقية الإسرائيلية، آثار قيود السفر على 32 منظمة أهلية في غزة والضفة الغربية، منها مجموعات حقوقية. وجدت «غيشا- مسلك» – من خلال مقابلات ومجموعات تركيز– «أن عدم القدرة على السفر منعت المنظّمات من الحصول على تدريبات، وعرقلت علاقات العمل والتعاون داخل المنظمة الواحدة وبين المنظمات، وساهمت في هدر الموارد ومضاعفة صرفها، وصعّبت الحصول على تمويل، وقضت على فرص التدريب، وصعّبت بروز قادة المجتمع المدني الشبان وتطورهم».

انتهاكات «حماس» و«فتح»: ممنوع الاقتراب أو التصوير

مارست حركة حماس العديد من الانتهاكات بحق مواطنين فلسطينيين، ناهضوا سياساتها في قطاع غزة، خصوصًا مع توسع الحركة في محاكمات المدنيين أمام محاكم عسكرية في غزة، وعمليات احتجاز المعتقلين دون تهمة أو محاكمة، والتضييق على حرية التعبير، بما في ذلك اعتقال منتقديها ومعارضيها السياسيين.

الانتهاكات لم تكن قاصرة على حركة حماس الفلسطينية، بل شملت كذلك حركة فتح، التي مارست سلطاتها الأمنية في الضفة الغربية، بما فيها «الأمن الوقائي» و«المخابرات العامة»، وقرارات اعتقال إداري بأوامر صادرة عن الحكام الإداريين لاحتجاز المعتقلين دون تهمة، أو محاكمة لفترات تصل إلى عدة أشهر.

ذكرت «الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان» (ديوان المظالم)، وهي المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في فلسطين، أنها قد تلّقت 398 ادعاء من معتقلين بالتعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة ما بين يناير/ كانون الثاني، ونوفمبر/ تشرين الثاني، منها 163 من الضفة الغربية، و235 من غزة.

وكانت أغلبية الشكاوى في كلتا المنطقتين ضد الشرطة. ولم تحقق لا حكومة التوافق الوطني الفلسطيني، ولا إدارة الأمر الواقع التابعة لـ «حماس» في غزة بصورة مستقلة في مزاعم التعذيب، أو تُخضع الجناة للمحاسبة.

وتضع حركتا «حماس»و«فتح» العديد من القيود على عمل المنظمات الحقوقية الفلسطينية، المعنية بتوثيق قضايا التعذيب والانتهاكات، إذ تمارس كلاهما ضغوطًا واسعة على موظفيها في تغطية هذه الوقائع، أو عبر استصدار قوانين تمنعهم من ممارسة عملهم بشكلٍ طبيعيّ، فضلًا عن القيود على تمويل هذه المنظمات.

وتعد واقعة اعتقال الصحافي محمد أحمد عثمان، الذي يعمل بعددٍ من المنظمات الحقوقية الفلسطينية،  من جانب جهاز «الأمن الداخلي» في غزة، دليلًا على حجم المعاناة التي يعيشها العاملون في المنظمات الحقوقية الفلسطينية. وكان «عثمان» قد تعرَّض للاعتقال، فضلًا عن تعرضه للتعذيب خلال فترة الاعتقال  في محاولة لإجباره على الكشف عن مصادره في وثيقة حكومية كان قد نشرها.

وتتعرض أغلب الاجتماعات التي تنظمها المنظمات الحقوقية الفلسطينية للمراقبة من جانب أجهزة الأمن الفلسطينية، التي توفد بعض مندوبيها لحضور هذه الاجتماعات، وتضع قيودًا على خطابات المتحدثين فيها، كما أنها تمنع بعض هذه المنظمات من تنظيم ورش عمل تتعلق بانتهاكات السلطات الفلسطينية.

قطع مصادر التمويل.. ورقة إسرائيل لحصار المنظمات الحقوقية

سعت إسرائيل لاستخدام ورقة التمويل لحصار عمل المنظمات الحقوقية الفلسطينية، وذلك عبر استخدام ممثليها الدبلوماسيين بالخارج للتأثير في الحكومات الأوروبية لوقف إمداد المنظمات الفلسطينية بالتمويل، الذي يتيح لها العمل داخل الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن نشر اتهامات بشأن هذه المنظمات بكبرى الصحف العالمية، تتهمها فيها بإساءة استخدام هذا التمويل في دعم عمليات إرهابية داخل أراضي دولة الاحتلال.

يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية في المناطق الفلسطينية (3600) منظمة، تتوزع بواقع (2800) في الضفة الغربية، و(800) في قطاع غزة، بينما يصل تمويل هذه المنظمات إلى 800 مليون دولار سنويًّا. وكان مجلس المنظمات الحقوقية الفلسطينية (الذي يضم 12 مؤسسة حقوقية)، ذكر في بيانٍ منشور في أغسطس (آب) العام الماضي، أن الطواقم الحقوقية العاملة في الداخل والخارج، تتعرض لـ «حملة تشويه واسعة وتهديدات جدية».

وأضافت المنظمات عبر هذا  البيان: «تأتي هذه التهديدات ضمن حملة مخططة وممنهجة بدأت في التصاعد منذ منتصف العام الماضي 2015، من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي والمنظمات المرتبطة بها، وطالت المنظمات ذاتها سواء بالتشويه، أو محاصرة التمويل».

وتسعى هذه المنظمات للدفاع عن نفسها، والتبرّؤ من هذه الاتهامات التي تلاحقها عبر إصدار بيانات متتالية تشرح فيه مهامها في تغطية الانتهاكات بحق الفلسطينيين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد