ترجمة الخليج الجديد

في يوم 21 أغسطس/آب، بثت القناة الإسرائيلية الثانية تسجيلا لـ«إيهود باراك»، وزير الدفاع السابق ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، قائلا إنه في ثلاث مناسبات منفصلة، خططت (إسرائيل) لمهاجمة المنشآت النووية الايرانية لكنها تراجعت عن شن هذه الهجمات. ووفقا لـ«باراك»؛ فإنه في عام 2010، رفض رئيس الأركان الإسرائيلي في ذلك الوقت، «غابي أشكنازي»، الموافقة على خطة الهجوم. كما تراجع أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلي، «موشيه يعلون» و«يوفال شتاينتس»، عن خطة أخرى أيضا، وفي عام 2012 تم إلغاء هجوم لأنه تزامن مع المناورات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المقررة وزيارة من وزير الدفاع الأمريكي آنذاك «ليون بانيتا».

حقيقة أنه تم الإفراج عن المقابلة بأي حال من الأحوال أمرٌ غريب. وادعى «باراك» أنه يعتقد أن الشريط لن يتم بثه، ومن المفترض أنه حاول وقف البث دون جدوى. ويبدو أن باراك لم يكن لديه ما يكفي من النفوذ للضغط على الرقابة لمنع ذلك، وأفترض أن ذلك كان ممكنا.

«يعلون»، مثل «أشكنازي»، كان في وقت من الأوقات رئيس أركان قوات الدفاع الإسرائيلية، ولكنه كان أيضا نائب رئيس مجلس الدولة وخليفة «باراك» كوزير للدفاع. وكان «شتاينتز» وزيرا للمالية، وعبر بصراحة عن مخاوفه بشأن إيران. ولذلك؛ فإن ما كان «باراك» يقوله هو أن رئيس الأركان ونائب رئيس مجلس الدولة ورئيس الأركان السابق منعا الهجمات المخطط لها. أما بالنسبة لتزامن التدريبات الأمريكية الإسرائيلية مع هجوم مخطط له، فإن هذا كان أمرا محيرا للغاية؛ لأنه يتم التخطيط لمثل هذه التدريبات في وقت مبكر. ربما كان هناك بعض الضعف في الدفاعات الإيرانية التي تفتح وتغلق بشكل دوري، والتي حفزت توقيت الهجوم. أو ربما يكون «باراك» في حالة ارتباك بشأن هذه المسألة.

وهناك عدد من النقاط الجديرة بالذكر: «إيهود باراك» ليس الرجل الذي يتحدث بشكل عشوائي في مسائل مصنفة على أنها سرية للغاية، وبالتأكيد ليس في الوقت الذي يجري فيه تسجيلها. وعلاوة على ذلك؛ فإن فكرة أن «باراك» لم يتمكن من إقناع الرقابة العسكرية بمنع بث التسجيل هي بعيدة الاحتمال. فلسبب ما؛ لقد أراد «باراك» أن يقول هذا، وأراد بثه.

وربما كان جزء من السبب لشرح لماذا إسرائيل، القلقة من الغاية بشأن إيران، لم تتخذ إجراءات ضد المنشآت النووية الإيرانية. وبالنظر إلى النقاش الدائر في الكونجرس الأمريكي، فإن هذا هو السؤال الذي يُسأل بلا شك. التفسير الذي يعطيه «باراك» هو أن كبار المسؤولين العسكريين والدفاع منعوا الخطط وأن الإسرائيليين لم يريدو إغضاب الأمريكيين بشن أي هجوم من خلال مناورات مشتركة. المشكلة مع هذا التفسير هو أنه من المعروف جيدا أن مسؤولي الجيش والمخابرات الإسرائيلية جادلوا ضد هجوم إسرائيلي، والذي كان مفاجأة للولايات المتحدة سواء أكانت هناك مناورات مشتركة جارية أم لا.

وعلى ما يبدو، عن قصد أو عن غير قصد، أن «باراك» لفت الانتباه الإسرائيلي إلى حقيقتين. الأول هو أن إزالة المنشآت النووية الإيرانية سيكون من الصعب، والثاني هو أن محاولة القيام بذلك من شأنه أن يؤثر على العلاقات مع حليف لإسرائيل لا غنى عنه؛ أعني بذلك الولايات المتحدة. وقد ترددت شائعات عن معارضة القادة العسكريين للضربات، كما ظهرت في تصريحات علنية من قيادات متقاعدة في الجيش والمخابرات. ويؤكد «باراك» أن تلك الاعتراضات كانت السبب الحاسم وراء تراجع إسرائيل عن الهجوم. كما كان الجيش غير متأكد من أنها يمكن أن تنجح.

تداعيات الفشل الذريع

وينبغي أن تتم أي عملية عسكرية، مثل أي شيء آخر في الحياة، بطريقتين. أولا: ما هي النتائج المترتبة على الفشل؟ ثانيا: ما مدى احتمالية الفشل؟ فعلى سبيل المثال، فشل عملية إنقاذ رهائن الولايات المتحدة في عام 1980. وبصرف النظر عن وضوح التكاليف، فقد أعطى الفشل سببا للحكومة الإيرانية لخفض احترامها لقوة الولايات المتحدة، وبالتالي خلق احتمالية أن تكون إيران أكثر جرأة في اتخاذ المزيد من المخاطر. والأهم من ذلك، أنها عززت سمعة الحكومة الإيرانية في عيون شعبها، فقد آمن الجميع بأن الولايات المتحدة تهدد السيادة الإيرانية، وزادت الثقة في قدرة الحكومة على الدفاع عن إيران. وأخيرا، تآكلت الثقة في قادة الولايات المتحدة السياسيين والعسكريين بين الجمهور الأمريكي. وفي الحد من التهديد وتصوره، فقد أعطى فشل العملية النظام الإيراني مجالا أكبر للمناورة.

وبالنسبة للإسرائيليين، فإن ثمن الفشل في هجوم على المواقع النووية سيكون خطيرا. أحد الأصول السياسية الاستراتيجية الاسرائيلية الكبرى هو الاعتقاد العام في اختصاصها العسكري. وبسبب ما حدث في حرب عام 1967، نجت الصورة العامة للجيش الإسرائيلي من عدد من الجمود والنكسات. أي فشل في إيران سيضر بتلك الصورة حتى لو بقيت القوة العسكرية دون أذى. والأهم، أنه وكما تمخضت العملية الأمريكية الفاشلة في عام 1980، فقد تم تعزيز الموقف الإيراني. ونظرا لطبيعة الأهداف، فإن أي هجوم محتمل يتطلب عناصر القوات الخاصة جنبا إلى جنب مع غارات جوية، وأي إصابات أو إسقاط طيارين أو أسر قوات خاصة من شأنه أن يخلق انطباعا عن وجود ضعف إسرائيلي مقارنة مع القوة الإيرانية. ومن شأن هذا التصور أن يكون ميزة لا تقدر ولا تحصى لإيران في جهودها لتعود إلى امتلاك النفوذ في المنطقة. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن تكلفة الفشل ستكون مخيبة للآمال.

وهذا يجب أن يقاس من حيث إمكانية النجاح. في الحرب، كما هو الحال في كل شيء، يمكن للنجاحات الأكثر وضوحا أن تتطور إلى فشل. كان هناك العديد من النقاط المحتملة لفشل الهجوم على إيران. إلى أي مدى كانت ثقة الإسرائيليين في استخبارات بلادهم بشأن المواقع والتحصينات والدفاعات ومدى دقتها؟ ومدى الثقة في تدمير الأهداف الصحيحة؟ وربما الأهم من ذلك، كيف يمكن للغارات أن تدمر الأهداف؟ وأخيرا، الأهم من ذلك، أنهم يعرفون ما هي قدرات إيران التي نجحت في استعادتها؟ وكيف يمكن استعادة الإيرانيين بسرعة لبرنامجهم؟ وفي كثير من الأحيان؛ فإن هجوما ناجحا من الناحية العملية لا يتعامل مع حقيقة المشكلة الاستراتيجية. إذا كان الهدف من الهجوم جعل إيران غير قادرة على صنع سلاح نووي، فهل يتسبب هذا في تدمير جميع الأهداف المعروفة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي؟

أحد الأشياء التي تؤخذ في الاعتبار هو أن الإيرانيين كانوا مهووسين بجهود المخابرات الإسرائيلية والأمريكية، في الوقت الذي كان الإسرائيليون والأمريكيون لديهم هاجس البرامج الإيرانية. وتم بناء المنشآت الإيرانية لحمايتها من الهجوم. كما كان الإيرانيون أيضا بارعون في الخداع. مع العلم أنهم كانوا تحت المراقبة؛ فقد بذلت جهودا للتشويش وتضليل المراقبين. ولم يكن الإسرائيليون قادرين على التأكد من أنهم لا ينخدعون بكل مصدر موثوق وكل صورة أقمار صناعية وكل مكالمة هاتفية تم اعتراضها. حتى لو كانت مصدرا واحدا فقط أو اثنين من المعلومات المضللة في الواقع، أي مصادر كانت تلك؟

ومن شأن الهجوم الإسرائيلي الفاشل على إيران أن يتسبب بتعديلات كبيرة بين اللاعبين الإقليميين الآخرين في الطريقة التي يرون بها إسرائيل وإيران. بالنسبة لإسرائيل، فإن تصور فعاليتها العسكرية بمثابة الرصيد الاستراتيجي. هناك خطر عال من أن تتضرر تلك الأصول الإستراتيجية نتيجة عملية فاشلة، إلى جانب وجود فرصة قوية لأن تعزز الإجراءات الإسرائيلية عن غير قصد قوة إيران في المنطقة. لقد كانت هناك شكوك كبيرة من إلقاء إسرائيل ثقلها على الاستخبارات. ففي الحرب يعني فشل الاستخبارات خسارتها. وتكمن القضية في حجم الفشل، وليس هناك طريقة لمعرفة ماذا بعد الضربة. وعلاوة على ذلك؛ فإن نجاح العمليات قد لا يسفر عن أي نجاح استراتيجي. ولذلك فإن نسبة المخاطرة المحتملة ضد المكاسب جادلت ضد أي هجوم.

التفكير في قدرات إيران

هناك جانب آخر لهذه المعادلة: ما الذي كانت إيران تستطيعه بالضبط؟ وكما عرضت من قبل، فإن اليورانيوم المخصب عنصر ضروري لكنه غير كاف لصنع سلاح نووي. إنه يكفي لخلق جهاز يمكن أن ينفجر تحت الأرض في ظروف خاضعة للرقابة. لكن تطوير سلاح، في مقابل جهاز، يتطلب تقنية واسعة متناهية الصغر ودقيقة في البناء لضمان وصول السلاح إلى هدفه. أولئك الذين يركزون على التقدم في تخصيب اليورانيوم فشلوا في النظر إلى غيرها من التكنولوجيات اللازمة لبناء الأسلحة النووية. ويناقش البعض – وأنا منهم – بأن التأخيرات المستمرة في استكمال أي سلاح متأصلة في عدم وجود تقنيات حيوية ومخاوف إيرانية من نتيجة الفشل.

ثم إن هناك أيضا مسألة التوقيت. ومن شأن السلاح النووي أن يكون الأكثر ضعفا في اللحظة التي تم الانتهاء منها. عند هذه النقطة، فإنه لن يكون تحت الأرض، كما أن الإسرائيليين لديهم فرصة لضربه عندما يصبح الإيرانيون في مرحلة تزاوج السلاح بجهاز التسليم. إسرائيل؛ وإلى حد أكبر في الولايات المتحدة، لديها قدرات الاستطلاع. ويعرف الإيرانيون أن المرحلة النهائية من تطوير السلاح هي الأنسب للكشف عن المخاطر والهجوم. وربما شعر الإسرائيليون بذلك، ورغم أن العملية تبدو محفوفة بالمخاطر في المستقبل، فإن هناك احتمالية محدودة للفشل مقارنة بأي هجوم سابق لأوانه.

دوافع «باراك»

وسواء عن قصد أم لا (وأظنه عمدا)، فإن «باراك» كان يلفت الانتباه ليس إلى خطط مسبقة للهجوم على إيران، ولكن لقرار التخلي عن تلك الخطط. وأشار إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلي منع خطة واحدة، ورئيس الأركان السابق منع خطة أخرى، والاهتمام بمشاعر الولايات المتحدة منع الثالثة. ولوضعها في أطر مختلفة، فقد درس الإسرائيليون الهجمات على إيران وتخلوا عنها في عدة مناسبات، عندما رفض كبار القادة أو أعضاء مجلس الوزراء أصحاب الخبرة العسكرية الكبيرة الموافقة على الخطة. ولم يكن معلنا أنه لا رئيس الوزراء ولا مجلس الوزراء قاموا بإلغائها. إن حكمهم، وحكم العديد من الآخرين، كان هو أن الهجوم لا ينبغي أن ينفذ، على الأقل ليس في ذلك الوقت.

ويمكن قراءة تصريح «باراك» كحجة لفرض عقوبات. وإذا كان الجنرالات لديهم ثقة كافية في هذا الهجوم، أو إذا كانت هناك إمكانية لإلغاء الهجوم نهائيا بسبب التدريبات مع الأمريكيين، فإن الخيار الوحيد هو زيادة العقوبات. لكن «باراك» يعلم أيضا أن الألم لن يجلب دائما الاستسلام. وقد تكون العقوبات مرضية من الناحية السياسية للبلدان وغير قادرة على تحقيق غاياتهم من خلال العمل العسكري أو الوسائل السرية. وكما يعلم «باراك»، من دون شك، أن فرض المزيد من القيود على الاقتصاد الإيراني يجعل الجميع يشعرون بأن شيئا مفيدا يجري. لكن العقوبات، مثل العمل العسكري، يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها. ولا تزال الإجراءات أكثر إيلاما من العقوبات الاقتصادية التي فشلت في فرض الاستسلام في المملكة المتحدة أو ألمانيا، وفعل ذلك في اليابان فقط بعد استخدام الأسلحة النووية. قصف شمال فيتنام لم يسبب الاستسلام. وفرض عقوبات على جنوب أفريقيا أتى ثماره، ولكن كان هناك أمة منقسمة بشدة بأغلبية مؤيدة للإجراءات الاقتصادية. ولم تدفع العقوبات روسيا إلى تغيير سياستها. إن أي عملية فرض للآلام غالبا ما توحد الدولة وتحفز الحكومة للقيام بأعبائها. وعلاوة على ذلك؛ فإنه ما لم تؤدي العقوبات بسرعة إلى الانهيار، فإنها لن تمنح إيران أي دافع لعدم استكمال سلاح نووي.

لا أعتقد أن «باراك» كان يمهد لفرض عقوبات. ما كان يقوله هو أنه في كل مرة يعتقد الإسرائيليون القيام بعمل عسكري ضد إيران، وأنهم قروا عدم القيام بذلك. ولم يكن يقول حقا أن الجنرالات والوزراء أو الأمريكيين يتصدون لذلك. وفي الواقع؛ كان يقول أنه في نهاية المطاف امتنع رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو»؛ لأنه في النهاية، كان «نتنياهو» في موقف لفرض الأمر إذا أراد ذلك. وكأن «باراك» يقول إن إسرائيل لم تكن تملك أي خيار عسكري. ولم يكن يهاجم «نتنياهو» هذا القرار، ويكأنه كان ببساطة معروفا للجميع.

ومن غير المرجح أن «باراك» يعتقد أن العقوبات قد تجبر إيران على التخلي عن برنامجها النووي. تخميني هو أن الأمر لكلاهما كان غير ذي صلة. إما أن الإيرانيين لا يملكون القدرة أو الرغبة في صنع قنبلة نووية، أو سيصلون لنقطة عندها لكن يكونوا قادرين على إخفاء البرنامج، وهذه هي النقطة التي سيكونون عندها أكثر عرضة للهجوم. وهو في تلك اللحظة، عندما يُرى الإيرانيون يقومون بتسليح نظام التسليم، فإن غواصة إسرائيلية أو أمريكية سوف تطلق صاروخا وتنتهي القضية.

إذا كان «باراك» لا يريد توجيه ضربة لإيران، وإذا كان «نتنياهو» لا يريد توجيه ضربة، وإذا كان «باراك» مفتقدا للثقة في الاتفاقات أو العقوبات، فإنه يجب على «باراك» أن يمتلك شيئا في اعتباره يتعامل به مع السلاح النووي الإيراني، إذا كان هذا قد ظهر من قبل في أي وقت مضى. «باراك» هو الجندي القديم الذي يعرف كيف يمتنع عن اطلاق النار حتى يتأكد انه سيحقق هدفه بنسبة 100%، حتى إذا كان التأخير يجعل الجميع في حالة عصبية. إنه ليس مؤمنا بالحلول الدبلوماسية، ويلمح إلى إلحاق الألم بطريقة غير مباشرة أو عمليات موجهة للفشل. وعلى أية حال؛ فقد كشف إن اسرائيل لم يكن لديها خيار عسكري فعال لعرقلة البرنامج النووي الايراني. وأجد أنه من المستحيل أن نصدق أنه يمكن أن يركن إلى العقوبات أو الدبلوماسية. وبدلا من ذلك؛ قد يؤجل الضربة حتى تقوم إيران بتسليح نظام التسليم، ما يجعل منها عرضة بقوة للهجوم، إنه حل مرهق للأعصاب، ولكن يضمن فرصة جيدة للنجاح.

المصدر | جورج فريدمان/ ستراتفور
عرض التعليقات
تحميل المزيد