مع تصاعد وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية في معظم مدن الضفة الغربية والقدس المحتلتين، خلال السنوات القليلة الماضية، برز صوت نواب «عرب 48» داخل الكنيست الإسرائيلي بقوة، للدفاع عن حقوق الفلسطينيين المسلوبة، ليقف العديد من الأعضاء المعارضين لهم بالمرصاد.

مواقف النواب العرب نحو القضايا الجوهرية للفلسطينيين، مثل القدس وعودة اللاجئين والحد من الحفريات الجارية أسفل باحات المسجد الأقصى؛ أسفرت عن اتخاذ الكنيست الإسرائيلي العديد من القوانين الصارمة بحقهم، والتي شكلت مضايقات أساسية خلال ممارسة عملهم السياسي.

آخر القوانين التي صادق عليها الكنيست هو قانون «الإقصاء»، الذي يتيح لغالبية كبيرة من أعضائه إقصاء زميل لهم بدواعي «تحريضه على العنصرية»، أو دعمه الكفاح المسلح ضد إسرائيل.

أبرز ما جاء في القانون

القانون هو تعديل لقانون أساسي، جرت مناقشته قبل أشهر قليلة من الآن، وسط جلسات نقاشية اتسمت بالحدة، بين النواب العرب، والمعارضين لهم من الإسرائيليين، لكن بتشريع وإقرار من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، صادق الكنيست بأغلبية62 عضوًا، ومعارضة 47 على القانون.

ويستهدف القانون النواب العرب دون سواهم، إذ يجيز إقصاء أي نائب توجه له تهمة التحريض على العنصرية، أو دعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل، شريطة تأييد 90 نائبًا لذلك، وبناءً عليه تبدأ عملية الإقصاء بعد توقيع 70 عضو كنيست على الطلب من أصل 120، من بينهم 10 من كتل المعارضة، ويحفظ الحق للعضو المبعد التوجه للمحكمة للطعن في قرار إبعاده.

وبعد أن يجري التوقيع على عملية الإقصاء يحق للنائب عرض الطلب على الهيئة العامة للكنيست، ولا يجيز القانون إقصاء أي نائب في فترة الانتخابات، كما يعطي لأي نائب يتعرض للإقصاء الحق في التوجه إلى المحكمة العليا لإبطاله.

نواب عرب خلال جلسة نقاشية في الكنيست الإسرائيلي

وعليه فإن تشريع القانون قد بدأ بمبادرة نتنياهو، في شهر فبراير (شباط) الماضي، عقب لقاء جمع بين نواب حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وذوي شهداء انتفاضة القدس «ثورة السكاكين»، الذين يحتجز الاحتلال جثامين بعضهم حتى اليوم، وقتها اعتبر رئيس الحكومة ووزراؤه ذلك تشجيعًا على «الإرهاب».

أسباب إقراره في الوقت الحالي

أعلن الكنيست الإسرائيلي، أن تشريع القانون يأتي لارتفاع رصيد المواقف السياسية للنواب العرب صوب الفلسطينيين، ودعمهم الشبان في انتفاضة القدس الأخيرة، وهو ما اعتبر من وجهة النظر الإسرائيلية، «تحريض على الإرهاب، ودعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل».

لكن، وبالرجوع إلى الخلف قليلًا، في الشهور الماضية، فإن لقاء النواب العرب الثلاثة: حنين الزعبي، وباسل غطاس، وجمال زحالقة، مع عائلات منفذي هجمات فلسطينيين، واجه انتقادات جزء كبير من الطبقة السياسية ووسائل الإعلام الإسرائيلي.

الأمر الذي شكل فرصة سانحة لنتنياهو، لاتخاذ قرارات صارمة نحوهم، حيث مُنِع النائب الزعبي من المشاركة في نقاشات الكنيست واللجان مدة أربعة أشهر متواصلة، فيما النائبان غطاس، وزحالقة مُنِعا شهرين متواصلين.

بعض الأسباب التي دفعت الكنيست إلى المصادقة على القانون، يستهدف بشكلٍ أساسي، حسب وجهة نظر النواب العرب، نزع الشرعية عنهم، وضرب التمثيل العربي، ورفع الحصانة عنهم، من خلال إقصائهم ومحاكمتهم بناءً على مواقف سياسية دون محاكمة، ما يعني أن المؤسسة البرلمانية في إسرائيل تنصب نفسها في مواقع النيابة والشرطة والمحكمة، وهو أمر غير متبع في الأنظمة الديمقراطية في العالم.

موقف النواب العرب

داخل الكنيست الإسرائيلي، كثيرًا ما كانت تعلو الأصوات بين النواب العرب والمعارضين من الإسرائيليين، حول قضايا كثيرة، فتارة مشادة كلامية بين عضو وآخر، وتارة أخرى دعوات المعارضة إلى اتخاذ قوانين صارمة بحق النواب العرب، وهو ما انصاع له الكنيست.

قبل إقرار القانون، بشكل أساسي منذ الشهرين الماضيين، اعترض النواب العرب على قرار الكنيست وقف بعض زملائهم عن جلسات النقاش، بسبب تأييدهم للهبات الجارية في القدس المحتلة، فما كان من «نتنياهو» إلا أن يشرع قانونًا يلزمهم بذلك.

مباشرة سارعت القائمة العربية المشتركة في الكنيست بالقول إن هدف قانون الإبعاد العنصري، ضرب الوجود السياسي للفلسطينيين في أراضي الـ48 بعد فشل مشروع التدجين، وهو فصل آخر في نظام الفصل العنصري.

في بيان القائمة، والذي وصف الحكومة الإسرائيلية بـ«المتطرفة»، ذكرت القائمة العربية أن القانون يرسم حدودًا جديدةً للعبة السياسية، ويحدد سقف العمل السياسي، ويكرس هيمنة الأغلبية اليهودية، وهو معادٍ للديمقراطية وعنصري كونه يستهدف النواب العرب تحديدًا وحصريًّا.

اتضح موقف القائمة أكثر حينما هاتف «ساسة بوست» إحدى النائبات العرب داخل الكنيست الإسرائيلي، والتي أكدت أنها وزملاءها «سيبقون شوكة في حلق كل العنصريين، ولن يرهبهم شيء. وسيبقى صوتهم جليًا ضد الاحتلال وعنصريته»، على حد تعبيرها.

النواب العرب ضمن القائمة العربية المشتركة

ولفتت النائبة عايدة توما، إلى أن النواب العرب سيعملون على مستويات ثلاثة من شأنها وضع حد للسياسات الإسرائيلية المستمرة بحق النواب، حيث يستند الأول إلى بعد قانوني وقضائي عبر الذهاب إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، وتأكيد عدم قانونية القرار.

فيما الثاني، سيكون عبر حشد الدعم السياسي المحلي من قبل المعارضين للسياسة الإسرائيلية بعدم التعاون مع القانون، أو التصويت ضد أي نائب خلال الفترة المقبلة، مضيفة: «لا يمكن التعويل على المعارضة الإسرائيلية كثيرًا، كونها في كثير من الأحيان تخدم الأهداف الإسرائيلية، لكن سنسعى جاهدين إلى تحقيق مطالب النواب العرب».

وأردفت عايدة توما: «حاولنا أقصى ما يمكن من جهود خلال النقاشات واللجان التحضيرية وجلسة الكنيست الأخيرة محاولة دحر هذا المشروع، والحول دون إقراره، والتصويت عليه، لكن الأغلبية العظمى صوتت له».

أكثر ما استهجنته النائبة، أن المعارضة بكل أحزابها تصوت لأول مرة بالكامل لصالح المشروع، قائلة: «الغريب أن الكنيست كان قد سنّ بعض القوانين ضدنا، إلا أن عدم اكتمال النصاب والتصويت حال دون إقرارها، والمعارضة أيضًا كانت تعترض بعض السياسات، لكن لا أدري لماذا الإصرار هذه المرة والإجماع على القانون».

أواخر عام 2014، صوت الكنيست الإسرائيلي على قانون مثير للجدل يدعى «قانون رفع نسبة الحسم»، والذي يقضي برفع نسبة التمثيل الانتخابي لأي حزب إلى 3.25% بدلًا من 2%، مع خفض عدد وزراء الحكومة إلى ثمانية عشر وزيرًا.

حينها اعتبر القانون غير الديمقراطي حلقةً جديدةً في سلسلة التهميش والاضطهاد التي يواجهها العرب في الداخل الإسرائيلي، وهم الذين يشكلون خُمس مجموع سكان الكيان المحتل. مع نسبة كهذه، لم يعد ممكنًا لأي حزب عربي أن يحصل على تمثيل معارض في الكنيست.

الأمر الذي دفع الأحزاب العربية إلى الاتحاد وتشكيل «القائمة العربية المشتركة» لمواجهة القانون، حيث تم الأمر بنجاح نسبي لتحصل القائمة على 10.45% من مجموع الأصوات؛ ما يعني ثلاثة عشر مقعدًا داخل الكنيست، لتصبح القائمة ثالث أكبر القوى في الكنيست بعد الليكود والمعسكر الصهيوني.

احتمالات تنفيذ القانون ضد النواب

القانون الذي أقره الكنيست، أثار جملةً من التساؤلات لدى قراء السياسة الإسرائيلية، والتي كان أبرزها أسبابه في الوقت الحالي، واحتمالات سحب إسرائيل الثقة من النواب، وتخفيض تمثيلهم النسبي داخل الكنيست.

وذكر المتابعون، أن هذا القانون الذي وُصف بـ«العنصري»، لم يكن الأول، فقد سبقه تشريعات قانونية هدفت إلى تقييد تمثيل المواطنين العرب في الكنيست، ففي عام 1985، تم تشريع البند الذي يسمح للجنة الانتخابات المركزية بشطب قوائم تعارض تعريف دولة إسرائيل، بأنها «دولة الشعب اليهودي»، وبعدها أضيف بند يسمح بشطب القوائم التي تدعم الكفاح المسلح المعادي لإسرائيل.

الكاتب السياسي «أيمن ناهية»، قال إن القانون «يسعى لتحويل مكانة النواب العرب، الذين تم انتخابهم بصورة ديمقراطية، وحصلوا على شرعية جمهورهم إلى نواب مع وقف التنفيذ، وتحويل عضويتهم في البرلمان إلى عضوية مشروطة».

العضوية المشروطة، وفقًا لأيمن ناهية، يعني أنّ النواب العرب، إذا لم يتصرفوا وفقًا لأهواء الحكومة، ولرؤيتها، فسيتم طردهم وإبعادهم عن الكنيست، وبهذا يتم الاستعاضة عن الشرعية الجماهيرية التي حصل عليها النواب في الانتخابات، بشرعية أيديولوجية مستمدة من عقيدة الحكومة اليمينية الإسرائيلية، ومركباتها المتطرفة؛ مما يشكل مسًّا خطيرًا بحقوق الإنسان وحق المواطنة، كما يقول.

في السياق نفسه، رأى المختص في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد، أن القانون يعد الفرصة التاريخية لليمين، فبعد دخول أفيجدور ليبرمان، واستلامه حقيبة وزارة الدفاع الإسرائيلية، تستطيع الحكومة أن تمرر أيًّا من القوانين التي تستطيع من خلالها «استغلال موجة العنصرية ضد العرب، وإقناع المزيد ببرنامج اليمين ممثلًا برئيس الحكومة نتنياهو»، حسب قوله.

ونوه عماد أبو عواد في حديث لـ«ساسة بوست«، إلى «وجوب الانتباه أن كل عضو كنيست يميني يستطيع أن يمرر أي قانون تحت شعار الحفاظ على الائتلاف الحكومي، الذي يتعلق بأي عضو كنيست، حيث كل حزب قادر على إسقاط الحكومة».

وأضاف: «يدرك اليمين الإسرائيلي أنه من الصعب جمع 90 عضو كنيست لطرد عضو كنيست آخر، لكن تأتي هذه القوانين تماشيًا مع العداء العام، وتغطية على فشل آخر، ونوع من التهديد الدائم للنواب العرب لعدم مخالفة القوانين التي يشرعها الكنيست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد