في الآونة الأخيرة، وبالتزامن مع بعض التقارير التي تشير إلى احتمالات ترنح نظام الرئيس السوري بشار الأسد التي باتت “قاب قوسين أو أدنى”، تراقب الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن كثب ما يجري على الحدود السورية واللبنانية، البعيدة عن الاستقرار منذ بضع سنوات.

أكثر ما يشغل بال الإسرائيليين في الوقت الحالي هو تغلغل الجماعات الجهادية التي تقاتل ضد نظام الأسد، ومواصلتها نحو هدفها في سقوطه، حتى أصبحت الخشية الإسرائيلية من انتقال دائرة الصراع إلى جوارها.

هذه القراءة دفعت بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى ضرورة توجيه إسرائيل ضربة استباقية ضد الحركات الجهادية العاملة في سوريا، كونها تشكل خطرا على ما يسمى بـ”الأمن القومي الإسرائيلي”.

تساؤلات عدة تطرحها “ساسة بوست” في التقرير التالي، حول مدى جدية إسرائيل في توجيه ضربة للجماعات الجهادية في سوريا؟ ولماذا تخشى هذه الجماعات؟ وما علاقة الضربة باحتمال سقوط نظام الأسد قريبا؟

أولا: هل إسرائيل جدية في توجيه ضربة للجماعات الجهادية في سوريا؟

 عناصر من الجماعات المسلحة في سوريا

ليست هي المرة الأولى التي تصرح بها الأوساط الإسرائيلية عن ضرورة توجيه ضربة للجماعات الجهادية في سوريا للحد من انتشارها وتغلغلها في دول الجوار، لاسيما على الحدود المشتركة لما يسمى بـ”إسرائيل”.

لذلك منذ بدء الأزمة السورية منتصف مارس عام 2011 والاستخبارات الإسرائيلية تجمع المعلومات عن تطور الأوضاع هناك، خاصة وأن كل الدلائل في الفترة الأخيرة تشير إلى عدم قدرة قوات النظام على الصمود، وإمكانية سقوطه في أية لحظة.

حتى أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” دشنت وحدة خاصة تعنى بجمع وتحليل المعلومات عن “الحركات الجهادية” المقاتلة داخل سوريا، ما يعني جدتها في توجيه ضربة لاحقة لها.

ويأتي تشكيل الوحدة في أعقاب تعاظم المخاطر التي باتت تشكلها “الجماعات الجهادية” على “الأمن القومي” الإسرائيلي في أعقاب تفجر ثورات الربيع العربي، حيث أن الصراعات الدائرة بين هذه الجماعات لا تقلص من أخطارها على إسرائيل.

وقتال إسرائيل لها يأتي من منظور القاسم المشترك لهذه الجماعات، حول موقفها اتجاه إسرائيل واعتبارها العدو الأكبر، وبالتالي فإن انتقال “حركات الجهاد العالمي” للتمركز بالقرب من الحدود الشمالية والشرقية من إسرائيل يعاظم من درجة التهديد الذي تشكله هذه الجماعات.

وضمن تقدير إستراتيجي إسرائيلي، فإن مواجهة التنظيمات الجهادية وحركة المقاطعة الدولية، تمثلان التهديد الإستراتيجي على إسرائيل خلال عام 2015م، وسط تحذيرات من أن تداعيات الأوضاع في سوريا يمكن أن تكون كارثية بالنسبة لإسرائيل، بسبب ضعف الجيش السوري.

إضافة إلى فقدان النظام السيطرة على معظم المناطق، مما حول معظم سوريا إلى مناطق تستقر فيها الجماعات الجهادية المتطرفة التي يمكن أن تستهدف إسرائيل في كل وقت.

وساد لدى إسرائيل خلال الفترة الأخيرة انطباعٌ على فشل حزب الله وإيران في الحفاظ على نظام الأسد أمام تقدُّم الثوار سيما في الجنوب والشمال حيث تحولت قواتهما إلى بنك أهداف سهلة لكتائب الثوار التي أجبرتها على التحول من وضع الهجوم إلى وضع الدفاع.

ثانيا: ما السر في الدعوة إلى توجيه ضربة استباقية للجماعات الجهادية؟

ترى إسرائيل أن خطورة الجماعات الجهادية تكمن في أن مواجهتها تكون “غير متناسبة”، بحيث يكون من المستحيل على جيش متطور تحقيق حسم عسكري فيها بشكل واضح وجلي.

فضلا عن أن آليات العمل التي تتبعها التنظيمات الجهادية تمثل بحد ذاتها تحديًا للجيش الإسرائيلي، على اعتبار أنها تستخدم وسائل قتالية تستهدف الجبهة الداخلية الإسرائيلية، مثل الصواريخ والأنفاق وغيرها.

وتوقعت أوساط إسرائيلية أن يكون العام الجاري نهاية الاستقرار الذي نعمت فيه إسرائيل خلال السنين الماضية، خاصة مع التحولات التي شهدها العالم العربي مؤخرًا، والتي قلصت حجم التهديدات الإستراتيجية الناجمة عن الدول، بسبب تفكك بعض الجيوش العربية المهمة، مثل الجيش السوري والجيش العراقي.

كل ذلك دفع الاحتلال إلى استعداده لضرب مواقع الثوار وخاصة “الجماعات الجهادية” العاملة في سوريا بعدما تأكد من استحالة بقاء نظام الأسد برغم الدعم الإيراني وحزب الله.

حتى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعمل جاهدا في الوقت الحالي على إعداد بنك أهداف خاصّ بالجماعات الجهادية لضربها مستعينًا بالمعلومات الاستخبارية التي قدمتها له أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة.

وستكون إسرائيل مضطرة للتعامل مع الجماعات الجهادية في سوريا آجلًا أم عاجلًا على افتراض أن هناك اعتقادًا سائدًا أن هذه التنظيمات ستوجه سلاحها ضد إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد.

وبالتالي، لا يمكن لها أن تسلم بتواجد الجهاديين على حدودها، ففي حال لم تقم بضربهم فإن هذه الجماعات لن تتردد في إطلاق صواريخ الكاتيوشا عليها، لذلك هم لا يستهدفون إسرائيل حاليا لأنهم معنيون بإسقاط الأسد، وبعد أن ينتهوا من هذه المهمة فإن أول ما سيقدمون عليه هو توجيه نيرانهم ضد إسرائيل.

وما يشجع هذه الخطوة هم صناع القرار ومحافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل، على اعتبار أنها “إسرائيل” ستكون الهدف الأول للحركات الجهادية التي تقاتل الأسد تماما بعد إسقاط حكمه، مع التأكيد على ضرورة التحرك من أجل عدم السماح بسقوط النظام.

وتعد سيطرة الإسلاميين السنة على سوريا أخطر بكثير من بقاء نظام بدعم إيران وحزب الله، حيث أن إسرائيل حرصت على سلامة نظام الأسد، من خلال تعمدها عدم إعلان مسؤوليتها عن الهجمات التي نفذتها داخل سوريا ضد قوافل السلاح التي كانت متجهة إلى حزب الله، وذلك حتى لا يتم إحراج النظام.

ثالثا: كيف تنظر إسرائيل إلى اتساع رقعة الجماعات الجهادية في سوريا؟

جنود إسرائيليون خلال عملية رصد لهم في هضبة الجولان السوري المحتلة

“تنظيم “القاعدة”، و”جبهة النصرة”، و”داعش”، و”حزب الله”، و”الحرس الثوري الإيراني”، هي أبرز الجماعات الجهادية المسلحة في سوريا، والتي تعني لإسرائيل تهديدا مباشرا على ما يسمى بـ”أمنها القومي” في المنطقة العربية.

وتتابع الأوساط الإسرائيلية عن قرب تطورات الوضع السوري وتعقيداته فيما يتعلق بالصراع المسلح ونمو الجماعات المسلحة المدعومة من الغرب وحلفائه الخليجيين.

وأكثر ما يثير قلق إسرائيل من تهديدات المتمردين من التيارات المُتطرفة هي قوات حزب الله التي تُقدر بنحو 4 آلاف إلى 5 آلاف مُقاتل بالإضافة إلى ألفي متطوع عراقي يقاتلون في سوريا إلى جانب القوات الحكومية السورية.

فضلا عن مئات المستشارين والمُشرفين والقادة من “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني والذي يقوم بتوفير القيادة والسيطرة التكتيكية في المعارك ضد المتمردين.

وتعد ظاهرة وجود الجهاد الدولي على الحدود القريبة من “إسرائيل” هو أمر مُزعج، باعتباره محور الشر الدائم المُكّون من حزب الله وسوريا والنظام الإيراني.

وتصنف إسرائيل الجماعات المسلحة في سوريا إلى ثلاثة أصناف، الأولى وهي معارضة وطنية سورية، وهي القسم الأكبر، وإسرائيل غير مهتمة بهم لأنهم في النهاية يهدفون إلى بناء الوطن والإطاحة بالرئيس بشار الأسد.

فيما الثانية هي جماعات إسلامية على صلة بـ”الإخوان المسلمين” وتدعمهم تركيا، بينما الثالثة الجماعات الجهادية التي تهدد لبنان وإسرائيل، لذلك فإن احتمالات الصدام مع أي من الجهتين الثانية أو الثالثة تتزايد في الوقت الحالي.

لذلك، فإن هذه الجماعات هي التي تعلن دومًا أنها على استعداد لضرب إسرائيل والقضاء عليها، وأن المعركة الكبرى معها ستشتعل بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، الأمر الذي دفع بإسرائيل إلى الإعراب عن قلقها الشديد من تطورات الأوضاع العسكرية في سوريا.

و”حزب الله” على سبيل المثال فإنه يملك اليوم حوالي 100 ألف صاروخ وقذيفة، الأمر الذي يشكل تحديًا غير مسبوق من المنظور الإسرائيلي، حيث تشمل إستراتيجية “حزب الله” للجولة المقبلة من المواجهات مع إسرائيل شن هجمات مفاجئة يَطلق خلالها مئات أو آلاف الصواريخ يومياً عبر الحدود.

رابعا: ماذا ستفعل إسرائيل حال سقوط نظام الأسد؟

 الرئيس السوري/ بشار الأسد

تعد إسرائيل العدة لليوم التالي بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حتى بدأ الاعتقاد يسود داخل صناع القرار في إسرائيل أن بعض قوى المعارضة السورية المقاتلة ستنتقل إلى استهداف إسرائيل بمجرد إسقاط نظام الأسد.

وتحاول الاستخبارات الإسرائيلية الحصول على أكبر قدر من المعلومات حول التنظيمات السورية العاملة ضد النظام، حتى باتت مهمة إعداد بنك الأهداف معقدة بشكل كبير، في ظل صعوبة جلب معلومات استخبارية عن بعضها.

وتخشى إسرائيل من أن كلاً من إيران وحزب الله يمكن أن يستغلا سقوط نظام الأسد وحالة عدم الاستقرار التي تعقب هذا الحدث ويقومان بتحويل مناطق في سوريا إلى نقاط للانطلاق للعمل ضد إسرائيل بشكل غير مباشر.

وترى محافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل أن هناك عدة تطورات أفضت إلى ميل الكفة بشكل كبير للمعارضة في مواجهة قوات النظام، على رأسها انضواء فصائل المعارضة المسلحة تحت لواء “جيش الفتح”.

لكن هناك ما يؤشر على أن إسرائيل لا تستعد لليوم الذي يلي نظام الأسد بإعداد بنك أهداف فقط، بل تحرص على الترويج لفكرة تقسيم سوريا، على اعتبار أن مثل هذه الصيغة تفيد إسرائيل والغرب، كما جرى فعلا في مناطق عربية مجاورة.

وفي السياق نفسه، فإن سقوط الدولة السورية وإعادة تقسيمها بين علويين وسنة وأكراد ودروز ومسيحيين، وجعلها ساحة أخرى من ساحات الصراع والاقتسام لدول الإقليم وللدول الكبرى يجعل إسرائيل تحقق أكثر من هدف إستراتيجي سعت إليه طويلا.

ويكمن الهدف الأول في القضاء على ما كان يوصف إسرائيليًا بالتهديد السوري وكسر حلقة مركزية من حلقات المقاومة والممانعة، بما يسهل إضعاف وتطويق تنظيم حزب الله، ويعزل إيران ويحد من نفوذها.

ويندرج في هذا الإطار أيضًا تعزيز السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة، وتعزيز قدرات الردع الإسرائيلية كنتاج مباشر عن الخلل في ميزان معسكر قوى المقاومة.

أما الهدف الثاني بعيد المدى وهو الأكثر خطورة إستراتيجيًا، فيكمن في تعزيز الانقسامات السورية الداخلية في حال سقوط نظام بشار الأسد، بما يؤدي إلى استحالة التعايش الكلي للمجتمع السوري الموحد، وتشجيع النزعات الانفصالية.

لذلك، فإن إسرائيل عادة ما تكون حاضرة الخطط والبرامج، وقد ظهر هذا الأمر جليًا في الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان، فما إن أعلن عن قيام دولة جنوب السودان حتى ظهرت للعلن العلاقات السرية التي ربطت حركات تمرد الجنوب السوداني مع دولة إسرائيل.

 


المصادر

تحميل المزيد