أقامت إسرائيل مركزًا في باريس، العاصمة الفرنسية، لإدارة وتنسيق أعمالها الاستخباراتية في كل أوروبا، وفي أبريل (نيسان) 1964 تفاجأ مدير المركز بدخول عميل للموساد يعمل من ألمانيا ليقدّم له عرضًا غريبًا: فلنجنّد معنا أوتو سكورزيني، الضابط النازيّ حتى النخاع. في هذا التقرير نستعرض قصة سكورزيني النازي المثيرة، وكيف جنّده الموساد واستفاد منه لإفشال تطوير الصواريخ في مصر الذي اشتهر بمشروع «القاهر والظافر».

مفاجآت مصريّة: «القاهر والظافر»

أعلنت صحف مصرية في 21 يوليو (تموز) 1961 نجاح إطلاق أربعة صواريخ، اثنين من فئة «القاهر»، واثنين من «الظافر»، وهي صواريخ «أرض- أرض»، قالت الصحف المصرية آنذاك: إنها تصل إلى عمق 300 و600 كيلومترًا، وبعد ذلك بيومين عُرضت الصواريخ في القاهرة، ليدبّ القلق في إسرائيل حديثة الولادة، وطرحت الصواريخ سؤالًا بسيطًا على أجهزة إسرائيل الأمنية: كيف غابت عنّا معلومات هذا المشروع، ولم نعرف به إلا بعد الإعلان عنه؟

تبدأ الحكاية بحرب عام 1948 التي انتهت بانتصار إسرائيلي على الأرض، وجاء بإعلان تأسيس إسرائيل. على إثر تلك الهزيمة أطلق ملك مصر فاروق برنامجًا لتحديث الجيش المصريّ، تضمن خطة لبناء قدرات إنتاجية للجيش فيها وحدة لإنتاج الصواريخ. أشرف على هذه العمليات جميعها عسكريون ألمان، جاءوا من ألمانيا الغربيّة، بعد أن فرضت فرنسا، وأمريكا، وبريطانيا، حظرًا لبيع السلاح في الشرق الأوسط. عملَ العسكريون الألمان على تدريب وتحديث الجيش، وعلى جهة أخرى عملَ فريق من العلماء الألمان على تطوير نموذج لصاروخ قصير المدى.

وجاءت حركة «الضباط الأحرار» عام 1952، وانتهت أحداثها بتنصيب جمال عبد الناصر رئيسًا لمصر، الذي كان شابًا في ثلاثيناته، وتفتّحت عيناه على العمل العسكري في حرب 48، ورأى الضعف العسكري المصريّ. تابع عبد الناصر تنفيذ وتطوير الخطط التي وضعها الملك فاروق لتحديث الجيش. وقعت خلافات حادة مع العلماء الألمان انتهت بتركهم للعمل، وتوجّهت مصر نحو تطوير مشاريع لصواريخ بعيدة المدى، ليحلّ مكانهم فريق ألماني آخر هذه المرة.

بدأ الموساد العمل لمعرفة أي شيء يمت للمشروع بصلة، وتكرر حديث ديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل آنذاك عن كابوس يراوده، أنّه «بصفته أول رئيس وزراء لإسرائيل يجلبُ الناجين من الهولوكوست ليواجهوا في بلدهم هولوكوستًا آخر». كان الإعلان المصري عن الصواريخ لحظةً فارقة، وفيها كثير من الخوف لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. صبغ الهلع الموقف بعد أن عرف أن المشرفين على المشروع من ألمان نازيين كانوا من كبار مطوري ومهندسي المشاريع العسكرية الأكثر تقدمًا في الرايخ الثالث، وعملوا تحديدًا على إنتاج قاذفة قنابل وصواريخ باليستية دكّت لندن في الحرب العالمية الثانية.

صورة للإعلان عن صواريخ الظافر والقاهر في جريدة الأهرام المصرية. المصدر: ويكيبيديا.

صورة للإعلان عن صواريخ القاهر والظافر في جريدة الأهرام المصرية. المصدر: ويكيبيديا.

بدأ المشروع الذي أنتج القاهر والظاهر عام 1959 بعد أن فاتح العلماء الألمانيون النظام المصريّ بإمكانية تطوير صواريخ «أرض – أرض» بعيدة المدى. أشرف على المشروع عالمان نازيّان كبار: يوجين سانجر، وولفغانج بِلز، وبدأوا بتجنيد العلماء والتقنيين وجلبهم لمصر، وكلّف بمتابعة البرنامج اللواء عصام الدين محمود خليل، أحد أقرب مساعدي عبد الناصر ورئيس الاستخبارات الجوية السابق، ورتّب اللواء عصام الدين عمل الوحدة منفصلًا هيكليًا عن الجيش المصري.

عامان والموساد يتخبّط

انطلقت عمليات الموساد مباشرةً بعد العرض العسكريّ، ويسرد تفاصيلها رونين بيرجمان، الصحافي الإسرائيلي الاستقصائيّ، في كتابه «انهض واقتل أولًا: تاريخ اغتيالات إسرائيل الاستهدافيّة». بدأ عملاء الموساد في أوروبا يقتحمون السفارات المصرية لتصوير أي وثائق يمكن أن تقدم شيئًا عن المشروع، واستطاعوا لاحقًا تجنيد موظف سويسري يعمل في «مصر للطيران» في المدينة السويسرية زيورخ، كان يسلّمهم حقائب بريدية فيها وثائق مصرية يقومون بتصويرها كاملةً ويعمل على فتحها وإغلاقها خبراء لا يتركون دليلًا على أن الحقائب فتحت.

وفي 16 أغسطس (آب) 1962 عرف الموساد من وثائق صوّروها بطلب أرسله الألمان لمواد لتصنيع 900 صاروخ. هذا الرقم الضخم أشعل النار مجددًا في تل أبيب التي عقد فيها فورًا بن جوريون اجتماعًا لمناقشة الأمر، وكان تقييم الموساد للوضع أن المصريين قد يستطيعون تزويد هذه الصواريخ برؤوس إشعاعية أو كيماوية، ولكن التقييم الإسرائيلي آنذاك لتقنية توجيه الصواريخ كان أنها ما زالت ضعيفة، ولن يستطيع المصريون تطويرها بدون العلماء الألمان. ما الحل إذًا؟ التخلص منهم.

أسّس هانس كوج، أحد العلماء، شركة في ألمانيا الغربية ليشتري من خلالها معدات وأدوات ومواد تحتاجها مصر في العملية، وتابع تنسيق مهامه من ألمانيا. بدأ الموساد بكوج، فضلّله عميل متخفٍ باسم صالح قاهر، ادّعى أنه من طرف اللواء عصام الدين ويعمل كبيرًا لمساعديه. يروي الكتاب عملية سينمائية بامتياز، انخدع فيها العالِم كوج، ولم يسأل عمن أمامه، ليسحبه العميل إلى مقرٍ ينتظره فيه ثلاثة عملاء آخرون قاموا بتقييده وإلجامه: الآن «أنتَ سجين. افعل ما تؤمر أو ستُقتل»، وهرّبوه إلى إسرائيل.

صورة للعالم النازيّ الألماني هانس كوغ، التقطها الموساد. مصدر الصورة: كتاب انهض واقتل أولًا.

صورة للعالم النازيّ الألماني هانس كوج، التقطها الموساد. مصدر الصورة: كتاب انهض واقتل أولًا.

أمرَ رئيس الموساد آنذاك إيسر هايل بقتل أي ألمانيّ منخرط في مشروع الصواريخ ويرفض التعاون. لم يضع الموساد لهذه العمليات أيّ خطٍ أحمر. أخرج كوج «الكثير من الثمر» بتعبير تقريرٍ للموساد، وأثنى التقرير على ذاكرته القوية، وبفضل المعلومات التي حصدها الجهاز من هذه العملية استطاع بناء صورة أوسع عن المشروع وتنظيمه، ثم قُتل كوج، ورُميت جثته في البحر، ورفض الموساد طلبه بالعودة لألمانيا ليعمل عميلًا لهم هناك؛ خوفًا من أن ينقلب عليهم ويسلّم نفسه للسلطات الألمانية متهمًا إسرائيل بالاعتداء عليه.

عمل بلا نتيجة

كان للموساد عميل داخل مصر هو شاب إسرائيليّ، والده ألماني وأمه يهودية، اسمه وولفغانج لوتز. استغلّ علاقاته بالمجتمع الألماني في القاهرة، وانحصرت أنشطته الاستخباراتية بجمع المعلومات فحسب، ولاحقًا ألقي القبض عليه.

فيديو لعميل الموساد في مصر، وولفغانغ لوتز، بعد القبض عليه في مصر.

تقرر تطوير رسائل انفجاريّة، تنفجر فقط عند فتحها وسحب ما فيها للخارج، وتم تطويرها بتعاون مع المخابرات الفرنسيّة، مقابل معلومات قدّمها لوتز لهم عن ناشطين من جبهة التحرير الوطنية الجزائرية كانوا يعيشون ويعملون من القاهرة، وساعد الإسرائيليون الفرنسيين على تهريب مواد متفجرة لاستهداف أعضاء الجبهة في مصر.

ولكن اكتشف الموساد أن المخابرات المصرية تقوم بجمع الرسائل التي تصل للعلماء الألمان وتفرزها في أحد مكاتب مصر للطيران قبل إيصالها للعلماء، فنُفّذت عملية اقتحام لمكتب مصر للطيران في مدينة فرانكفورت الألمانية، وزرع العملاء مظروفًا انفجاريّا في حقيبة البريد. وبالفعل وصل المظروف لمكتب بِلز في القاهرة، وهو أحد قادة المشروع، ولكن لم تنجح العملية، إذ فتحت سكرتيرته الظرف وأخرجت ما فيه لينفجر في وجهها وتفقد إحدى عينيها.

الرواية الإسرائيلية تقدّر عدد العلماء والتقنيين الألمان بـ35 فردًا، فضلًا عن عائلاتهم، وتقدّر رواتبهم بأنها كانت ضخمة جدًا، وبيوتهم فخمة، وبالمجمل كان عملهم مرضيًا لهم. لاحقًا تحدّث الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته عن الإنفاق الضخم، «ملايين الجنيهات» على المشروع. ولم تدفع أخبار الانفجار أي ألمانيّ للانسحاب، وتبعه تدقيق أمنيّ مصري لفحص الرسائل، بمساعدة من عملاء سوفيتيين. ووظّفت مصر ضابطًا نازيا مختصًا بالحماية والأمن للعمل على تأمين المشروع، استطاع الضابط توقّع الهدف القادم للموساد: أحد العلماء الذين يعملون من ألمانيا.

تروي الرواية الإسرائيلية أن رئيس الموساد، وفي حالة من العجالة متجاوزًا الترتيبات المعتادة، أطلق عملاؤه ليهاجموا العالِم الذي كان مستعدًا ويحمل مسدسًا مصريًا، وكانت العملية فاشلة بكل المعايير، وانتهت بهروب عميلي الموساد اللذين نفذّاها ووراءهم العالِم الألماني يطلق النار عليهم.

ضابط موساد آخر اعتقلته الشرطة النمساوية، وحُوكم في ألمانيا بعد أن ثبتَ عليه تهديده لابنة أحد العلماء، وبعد الفشل المتكرر في إخافة الألمان، أو قتلهم حتى، أطلقَ رئيس الموساد حملة إعلامية، سرّب فيها لوسائل الإعلام الإسرائيلية أخبارًا عن نازيين يعملون في مصر لصناعة صواريخ قد تدمّر إسرائيل مشعلًا موجة «رعب» شعبية.

الموساد بحاجة لدماء شابة

استدعى بن جوريون رئيس الموساد واحتدّ الخلاف بينهما ليقدّم الأخير استقالته، معتقدًا أن بن غوريون سيرفضها لحاجته له، ولكن حصل العكس، قبل بن جوريون الاستقالة وعيّن بدلًا عنه مائير عاميت، ضابط سابق في الهاجاناة والجيش الإسرائيلي، ليقود الموساد خمسة أعوام. بالرغم من كل جهود وعمليات الموساد لم يتحصّلوا بعد تسعة شهور من العمل إلا على القليل، على حد تعبير بيرجمان، فضلًا عن أن يقدروا على إبطاء المشروع أو تفكيكه.

إيسر هاريل (يسار الصورة) رئيس الموساد بين 1952-1963، وديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل (يمين الصورة). مصدر الصورة: هنا.

إيسر هاريل (يسار الصورة) رئيس الموساد بين 1952-1963، وديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل (يمين الصورة). مصدر الصورة: هنا.

عاميت جلبَ معه مجموعة من رفاقه، ومعظمهم ممن عملوا على ملف الصواريخ المصرية ولم يشهدوا الهولوكوست في أوروبا، وقرر عاميت فور استلامه منصبه تركيز موارد الموساد على المشروع الصاروخيّ، مخفضًا الإنفاق على برامج تتبع مجرمي الحرب النازيين، ووجهة نظره كانت: الأولى أن نعرف أكثر عن أعداء دولة إسرائيل اليوم، لا أعداءها في أوقات سابقة.

تقرر تكثيف اقتحام المكاتب الأوروبية المرتبطة بالمشروع في ألمانيا وسويسرا. وفي عامين فقط اقتحم الموساد مكتب فرانكفورت أكثر من 56 مرة، وصوّر في تلك الفترة أكثر من 30 ألف وثيقة مصرية. تدّعي الرواية الإسرائيلية أن هذه المكاتب كانت محميةً ومراقبة من المخابرات المصريّة. ومجددًا، لم تكن هذه الجهود ولا المعلومات المحصودة كافيةً، وظلّ ضابط الحماية النازيّ، هيرمان أدولف فالنتين، عقبةً كؤود في وجه تحركات الموساد في مصر وفي أوروبا.

في تلك الفترة، أرسل الموساد رافي إيتان، أحد أشهر ضباط الموساد الذي عملَ على ملف أدولف إيخمان، وقام شخصيًا بالقبض عليه ورافقه حتى إسرائيل، كان ذلك في مايو (أيّار) 1960، وبعدها ظهر إيخمان في القدس ليُحاكم. طَارت سمعة الموساد إثر العملية في لحظة علو استخباراتي أظهر قدرات الموساد التي روّج وظلّ يروّج لها: «يدنا نافذة» وتصل لكل مكان، واعتقال إيخمان أرسلَ إشارات إنذار للنازيين المُتخفين حول العالم: إسرائيل في طريقها إليكم.

نازيّ في صفوف الصهيونية

هذا هو السياق الذي جاء فيه إيتان ليدير عمليات الاستخبارات الإسرائيلية في أوروبا، وهو نفس السياق الذي عاشه النازيّون، وعلماؤهم في مصر، مع أخبار اغتيال كوج ومحاولات اغتيال لعلماء آخرين، وخبر إعدام إيخمان ما زال في الذاكرة. في مكتبه بباريس دخلَ عليه عميل موساد من ألمانيا بمقترح التعاون مع أوتو سكورزيني. سكورزيني في آخر أيام النازيّة كان رئيس العمليات الخاصة للقوات النازيّة، وعملَ من قبل في قوة حراسة هتلر الشخصيّة.

سكورزيني في ذلك الوقت كان يعيش في إسبانيا فرانكو، التي وفّرت لكل النازيين الهاربين ملاذًا سياسيًا، وأدار من هناك شركة صغيرة وشبكات من النازيين، والعملاء، متعاونًا مع عدّة أجهزة استخبارات في العالم. كانت خبرة سكورزيني العسكرية واسعةً جدًا، ومن أكبر نجاحاته العسكرية عملية حرّر فيها بينيتو موسوليني، الفاشيّ الذي قاد إيطاليا فترة الحرب العالمية الثانية، بعد أن ثار عليه الإيطاليون واعتقلوه، وقبل ذلك قاتل لسنتين على جبهات مختلفة أُصيب فيها بوجهه بعلامة فارقة، ومع مرور الأيام اكتسب اسمه زخمًا أكبر مع الترقيات المتتابعة، ليحصل قبل نهاية الحرب على الصليب الحديديّ، أرفع أوسمة الشرف النازيّة. وبانتهاء الحرب هربَ لإسبانيا.

يصوّر بيرجمان الجوّ العام في جهاز الموساد، وفي كلّ إسرائيل، مليئًا بالخوف ومسكونًا بشبح الهولوكوست، وبرغبة عارمة بالقوّة والبأس لحماية إسرائيل من «هولوكوست ثانٍ». هذا الانطباع في قلب كل السرديات الصهيونية والإسرائيلية عن التاريخ الإسرائيلي في تلك الفترة، ويظهر بوضوح شديد في مسلسل «الجاسوس The Spy» الذي أنتجته شبكة «نتفلكس» عن إيلي كوهين العميل الإسرائيليّ في سوريا.

هذه السردية الصهيونية تبرّر سياسة الاغتيالات، بما تنطوي عليه من قتل لمدنيين، بالمصلحة الأعم والأكبر لإسرائيل وأمنها وسلامها، إنه القتل من أجل السلام، ولكن سلام فئة واحدة، وطرف واحد هو إسرائيل. لو رُسمت هذه السردية في لوحة فنية سيظهر وجه إسرائيل فحسب، ولا وجوه أخرى. تحوّل السردية الماضي القريب، المتمثّل بالهولوكوست، لذريعة لتفسير الاستخدام المفرّط والدموي لآلة القتل والاستهداف.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«الجاسوس».. تعرف إلى بطل سلسلة «نتفليكس» الجديدة الذي خدع قادة سوريا

في هذه الأجواء كان لمقترح تجنيد سكورزيني ضجة في الموساد ورفضٌ مبدئيّ، وكما يقول كاتب الكتاب، انتصرت البرجماتية في نهاية الأمر، وتم تجنيده بعرضٍ على طريقة فيلم العرّاب: عرضٌ لا يمكنه رفضه. كان العرض وعدًا من إسرائيل بتأمين «حياة بلا خوف» للضابط النازيّ العتيد، الذي تلاحقه هو أيضًا أشباح، ولكن صهيونية، بهدف قتله بسبب ماضيه النازيّ. المميز في سكورزيني أنه موثوق من الدرجة الأولى لأي ضابط نازيّ، فرتبته العسكرية وصليب الشرف الحديديّ يعنيان الكثير للنازيين، وتحديدًا لفالنتين مسؤول الحماية المصريّ، الذي عملَ سابقًا تحت قيادة سكورزيني في ألمانيا النازية.

صورة للضابط النازي أوتو سكورزيني. ويظهر فيها الصليب الحديدي. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

صورة للضابط النازي أوتو سكورزيني. ويظهر فيها الصليب الحديدي. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

الهدف الرئيس كان فالنتين، الذي دعاه لمدريد قائده السابق ليتحدثا عن مخططات لتأسيس «الرايخ الرابع»، وأخبره أنه أراده في مدريد أيضًا ليقابل صديقًا له من المخابرات البريطانية، «فالبريطانيون مهتمون بما يحصل في مصر»، وجاء سؤال فالنتين: «هل أنت متأكدٌ من عدم انخراط الإسرائيليين في الأمر؟»، فردّ سكورزيني بغضبٍ مصطنع طالبًا من تابعه الاعتذار والتحدث بأدب، إذ كيف يمكن لنازيّ أن يتعاون مع إسرائيليين.

ومع تكهرب الجو بينهما اخترع سكورزيني هدية فاجأت فالنتين، اختلق قصة، بأنّ ضابط المخابرات البريطاني ذكّر سكورزيني ببرقية ترقية كان بعثها لترقية فالنتين، في آخر أيام الحرب، ولكنها لم تصل للقيادة العامة ولا لفالنتين. ويروي الكتاب كيف قفزَ فالنتين من مكانه ليؤدّي التحية النازيّة لآمره، وفي غمرة الامتنان على الترقية التي لا معنى لها آنذاك إطلاقًا، قرّر فالنتين التعاون، بشكل كامل، مع صديق آمره البريطانيّ، الذي لم يكن بريطانيًا بالطبع، وإنما عميل موساد متخفٍ آخر.

فضلًا عن خداع فالنتين، نفّذ سكورزيني عملية أكبر؛ دعا مجموعة من العلماء النازيين من مصر، ونازيين في أوروبا، لاجتماعات عن تأسيس الرايخ واسترجاعه. وكانت الثمرة مجدية للموساد فقد استطاعوا معرفة الكثير عن المشروع، وأعضائه، ومَن فيه مسؤولٌ عن ماذا. وجمعوا من العمليتين معلومات شخصية عن المنخرطين في مشروع الصواريخ النووية، ويكفي أن الشخص المسؤول عن حماية المشروع تم اختراقه، وهو فالنتين. ولعلّ هذه إحدى أغرب المفارقات السياسية في القرن الماضي؛ نازيّ يخترق نازيًا باسم هتلر لخدمة جهاز صهيونيّ.

من الجدير بالذكر أن سرّ سكورزيني ظلّ محفوظًا ولم يعرف به رفاقه النازيّون، إذ قدموا وأدّوا له جنازةً حيوه فيها بالتحية النازية بعد وفاته عام 1975 بالسرطان.

مقاطع من جنازة سكورزيني عام 1975.

أحلام ناصريّة في مهب الريح

بعد المعلومات التي حصدها الموساد في العملية الأخيرة أطلق عدّة عمليات متوازية، والهدف القديم واحد: قتل العلماء النازيين أو إخراجهم من العمل، وعلى مر سنتين ظلّ المشروع ضعيفًا تقنيًا، ولم يتطوّر نظام التوجيه الصاروخيّ تطورًا يذكر؛ ما يعني أن انسحاب العلماء الألمان سيرسل المشروع إلى قبره.

عرفَ الموساد أن المخابرات المصرية تخطط لتوظيف مجموعة من التقنيين رفيعي المستوى ستتم إقالتهم من أحد مصانع الطائرات في ألمانيا، وستوفر لهم مصر عملًا بديلًا برواتب ضخمة. وبضغط سياسي واستخباراتي استطاعوا منع هؤلاء التقنيين من الذهاب لمصر، بعد أن ضغطوا لتوفير فرص عمل لهم داخل ألمانيا تغنيهم عن الذهاب لمصر. نجحَ هذا الخط معهم، ولاحقًا نجح مع العلماء النازيين في مصر، الذين يصفهم الكتاب بأنهم شعروا بأنهم لم يُعطوا حقهم في العمل بعد انهيار ألمانيا النازية، ولم يجنوا الكَم الذي أرادوه من المال.

تابع الموساد إرسال طروده المتفجّرة، ورافقها هذه المرة رسائل موجّهة لطاقم عمل مشروع الصواريخ، تذكر الرسالة معلومات خاصة بكل فرد وأسرته مع تهديد، ومع إرفاق معلومات عن تاريخه العسكري أو النازيّ، وأن الموت قادم لا محالة ما لم يتراجع عن دعم مصر عبد الناصر.

عبد الناصر الذي يصفه بيرجمان بأنه «هتلر جديد» لإسرائيل وعدوها الأول في تلك اللحظة. شيئًا فشيئًا بدأ العلماء والتقنيون الألمانيون بالانسحاب من العمل في مشروعه لا بسبب التهديدات فحسب، بل توفّرت لهم فرص عمل أخرى في ألمانيا، وكانت الضربة القاضية بانسحاب بِلز، أحد مُؤسسي المشروع في يوليو (تموز) 1965، وعودته للعمل رئيسًا لقسم الطائرات في شركة ألمانية.

في مراجعة ختامية لعمليات مشروع مصر الصاروخيّ، كان تقييم الموساد عام 1982 أنّ استخدام وسائل ناعمة لم يكن ليجدي نفعًا، وأنه لولا التهديد بالعنف الذي وجّه لهم لما تراجعوا أو قبلوا بالمال. هل كان المشروع خطيرًا إلى هذا الحد؟ للتاريخ قول أدق في هذا الشأن. في حرب عام 67 لم تستخدم مصر صواريخها التي روّجت لها، والأعجب أن إسرائيل لم تضرب مخازن هذه الصواريخ، وكان التقدير الاستخباراتي الإسرائيليّ آنذاك أن الصواريخ لا تشكل خطرًا على إسرائيل، فتُركت. هذا التقدير النهائي بنته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بناءً على صور دقيقة للمشروع.

تقييمٌ آخر لمدى نجاح المشروع يقدّمه الفريق الشاذلي في مذكراته يبدأه قائلًا: «لقد كانت عيوبهما كثيرة وفوائدهما قليلة»، ويذكر أنّه قرر استخدامهما للاستهلاك لا أكثر بدلًا عن إبقائهما بلا فائدة في المخازن. القوة التدميرية للصواريخ كانت ممتازة، ولكن القوة التدميرية ليست كل شيء، فهذان الصاروخان الأشبه بـ«المنجنيق أو المقلاع» على حد تعبير الشاذلي، نقلهما صعب جدًا وحاملاتهم تتطلب وجود أرض مستوية لتتحرك بسرعة لا تتجاوز 10 كيلومترات في الساعة. والعيب الأكبر أنها بلا توجيه، أي يتم تعيين وجهتها يدويًا وقد تصيب أو لا تصيب الهدف المقصود. أما مدى الصاروخين، اللذين يفترض أن يكونا طويلا المدى؛ القاهر يصل لثمانية كيلومترات (بدلًا عن 600كم) والظافر أقل من ثمانية كيلو مترات (بدلًا عن 370كم). وفي النهاية سمّاهما الشاذلي بـ«التين والزيتون» بدلًا عن «القاهر والظافر».

شغل مشروع الصواريخ الموساد لعدّة أعوام بكافة موارده، وكانت هذه أول عملية يسخّر لها الموساد كل إمكاناته، ولا حاجة للقول إن نجاحه كان سيغيّر الكثير.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد