في الأسابيع القليلة الماضية، كانت وما زالت الأوساط داخل إسرائيل تراقب عن كثب عما ستفصح عنه اجتماعات الدول الغربية مع إيران، بشأن برنامجها النووي، واحتمالات التوقيع على اتفاق مبدئي كان من المفترض أن يتم في الحادي والثلاثين من مارس المنصرم.

وما إن بدأت عملية “عاصفة الحزم” والتي تقودها السعودية بمشاركة عشر دول عربية وإسلامية ضد معاقل الحوثيين في اليمن منذ أسبوع، حتى أخذت الصحف الإسرائيلية تحلل وتناقش التداعيات عن كثب، والوصول إلى سيناريوهات على الصعيد الإسرائيلي.

كيف قرأ قادة وخبراء إسرائيل ما يجري في اليمن، وما الذي يخشونه من استمرار العملية ضد الحوثيين، وما مصالح إسرائيل في اليمن؟

1- كيف قرأت صحف إسرائيل عملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن؟

خلال ضربات التحالف العربي في عملية “عاصفة الحزم” في اليمن

لحظة بلحظة تتابع الصحف الإسرائيلية المختلفة مثل “هآرتس، ومعاريف، ويديعوت أحرنوت” عن كثب التطورات التي تحدث في اليمن، وسط حالة من القلق والترقب، خاصة على الجالية اليهودية التي تعيش في اليمن.

منهم من رأى أن الحلف المتشكل لضرب الحوثيين ليس وليد الساعة، بل جرى الإعداد له منذ أشهر، وبالتالي فإن الصحف تركز على أن ما يجري هو حرب الجميع ضد الجميع، في ظل آمال بنجاح العملية، لكسر شوكة إيران، على اعتبارها “العدو” لإسرائيل.

وبعض الصحف سلطت الضوء على أن اليمن قد تحول من رمز للنجاح الأمريكي إلى رمز للفشل، بما ينسحب أيضًا على الشرق الأوسط برمته، محذرة من أن إيران تتحول إلى القوة العظمى الإقليمية، حينها ستحصل على شرق أوسط جديد يكون من الموصي فيه التحدث باللغة الفارسية.

لذلك، فإن النظر الإسرائيلي إلى ما يجري أنه ساحة صراع بين معسكر معادٍ لتل أبيب، ومعسكر حليف لإسرائيل والدول التي تسميها “المعتدلة” في الخليج والتي بينها مصالح مشتركة، وإحداها الموقف من الساحة اليمنية.

حتى إن الإسرائيليين تفاجأوا من القرار السعودي العربي بتنفيذ العملية العسكرية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن، على اعتبار أن ذلك يرفع من وتيرة التوتر القائم أصلًا في المنطقة مع إيران التي تعتبر نفسها وصية على الحوثيين الذين نفذوا انقلابهم الأخير في اليمن.

خاصة وأن السلوك السعودي بقي في السنوات الأخيرة رتيبًا هادئًا دون الانتقال بقفزات نوعية كبيرة، وبالتالي فإن الهجوم على مواقع الحوثيين سبقه انقضاض الحوثيين على السلطة، بحيث تحولوا رافعة سياسية لصالح إيران التي باتت تفرض عليهم تأثيرها، وجعلت منهم رعاياها: تمولهم وتسلحهم وتدربهم.

ويرى مراقبون إسرائيليون أن السعودية باتت متخوفة من تبعات تقدم الحوثيين في اليمن، لأن ذلك قد يفتح شهية شيعة المملكة وجارتها البحرين، وهو ما جعلها تبادر الحوثيين – ومن ورائهم إيران- بعمليتها هذه دون ضجيج كبير سبقها.

أهم ما تركز عليه إسرائيل في الوقت الحالي، هو أن قراءتها اليومية للعملية العسكرية الحاصلة في اليمن يرافقها رصد لتوزيع خارطة القوات السياسية والمليشيات العسكرية التي تعمل في البلاد.

حيث تظهر كم هي معقدة بشكل لا يقل عن سوريا، ففي جنوب اليمن يعمل بجانب جزء من قوات النظام، ومجموعات كبيرة من نشطاء القاعدة المدعومين من قبل جزء من القبائل السنية، وفي نفس المنطقة تعمل قوات تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

حتى إن الضربة السعودية للحوثيين تعبير جديد عن الفشل الأمريكي في الشرق الأوسط بعد أن بات اليمن يعيش ما يمكن اعتباره فوضى شاملة، رغم أن سيطرة الحوثيين على البلاد باتت تضاف لسلسلة الإنجازات الإيرانية في المنطقة، كما ترى الأوساط الإسرائيلية.

وبالتالي، ترى أن المنطقة العربية تدخل مرحلة استنزاف غير مسبوقة منذ عقود، وقد تصل ذروتها في دخولها حرب جديدة قد يطلق عليها “حرب الخليج الثالثة” على غرار حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران.

وتطور “عاصفة الحزم” إلى مواجهة عسكرية برية بين العرب وإيران يساعد من وجهة النظر الإسرائيلية على إنهاك دول المنطقة بلا استثناء من جهة، ويساعدها على ترحيل الملف الفلسطيني سنوات أخرى قادمة من جهة أخرى، ويريحها من دفع الأثمان المطلوبة منها من جهة ثالثة.

2- ما الذي تخشاه إسرائيل مما يجري في اليمن حاليًا؟

خلال جلسة من المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا

يهود اليمن، ونجاح المفاوضات النووية بين إيران والغرب، إلى جانب السيطرة على مضيق باب المندب في مدينة عدن، هي أبرز ما تخشاه إسرائيل من عواقب العملية المستمرة حتى اللحظة في اليمن.

حالة الإحباط لدى الخارجية الإسرائيلية والوكالة اليهودية مستمرة منذ أن بدأت قوات التحالف العربي بشن الضربات ضد مواقع الحوثيين، بسبب رفض “يهود اليمن” مغادرة البلاد، والتوجه إلى إسرائيل أو أية أماكن أخرى.

ويشار إلى أن عدد اليهود المقيمين داخل مدينة صنعاء تحديدًا “100”، الأمر الذي يزيد من القلق الإسرائيلي على سلامة رعاياها، كما تؤكد الصحف الإسرائيلية.

وهناك مخاوف إسرائيلية متزايدة من تعاظم أنشطة تنظيم القاعدة الذي جعل من اليمن نقطة الارتكاز الأقوى له، ولنشاطاته في شبه الجزيرة العربية، ولا سيما بعد أن أخرجت الولايات المتحدة جميع جنودها من القاعدة الجوية في عدن في الأيام الأخيرة، وأغلقت سفارتها في صنعاء مؤخرًا.

لكن، الخشية الأكبر التي تراود أذهان صناع القرار في إسرائيل عقب العملية السعودية ضد اليمن يتعلق بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو مضيق باب المندب، كونه يكتسب أهمية دولية لأنه طريق حيوي تشقه ناقلات النفط في طريقها من منابع الجزيرة وإيران إلى باقي دول العالم عبر قناة السويس.

حيث يقدر عدد السفن وناقلات النفط العابرة منه بالاتجاهين بـ21 ألف سفينة، تساوي 30% من حمولات النفط في العالم، حتى إنها تخشى من ترسيخ إيران لنفوذها الإقليمي عبر الوصول لميناء الحديدة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر من خلال وكيلها الحوثي في صنعاء.

حينها قد تكون قد سيطرت على باب المندب، الأمر الذي يجعلها تبدي رخاوة في مفاوضات الملف النووي، نظرًا لأهمية هذا الكنز التي وضعت يدها وأقدامها عليه.

وإذا ما تم السيطرة فعليًّا على باب المندب، فهذا يعني أنه يشكل خطرًا على المصلحة الإسرائيلية المباشرة وعلى دول الاعتدال العربية وعلى رأسها السعودية، خاصة وأن قوة إيران المتزايدة في المنطقة ستسمح لها بتحسين وضعها وقدرتها على المناورة في وجه الأمريكيين والأوروبيين.

أما فيما يتعلق بملف المفاوضات لبرنامج إيران النووي والذي لم يحسم بعد، فإن الصحف الإسرائيلية ركزت على أن السيطرة الإيرانية على اليمن تمثل صورة مصغرة لما يمكن أن تسفر عنه الأوضاع، بعد التوقيع على الاتفاق النهائي بشأن البرنامج النووي.

3- هل استثمرت إسرائيل أحداث اليمن لصالحها؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما في لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ركز المراقبون أن الإيرانيين يوظفون أي اتفاق مع الغرب حول البرنامج النووي للسيطرة على المنطقة، حتى إنهم لوحوا بأن حرص الأمريكيين والأوروبيين على التوصل لاتفاق بشأن برنامج طهران النووي، يسهم فقط في منح إيران الشرعية لمواصلة تحركها للهيمنة على المنطقة بأسرها.

ويأمل الإسرائيليون أن تسهم التطورات الجديدة في المنطقة خاصة اليمن في زيادة الضغوط داخل الولايات المتحدة على أوباما، لثنيه عن التوصل لاتفاق “سيئ” مع إيران، لأن التوقيع يعني السماح لنظام آيات الله بالتمدد والتوسع في الإقليم.

ويجمع إسرائيليون على أن نتنياهو يحاول توظيف “عاصفة الحزم” من أجل نزع الشرعية عن حق الرئيس الأمريكي باراك أوباما في التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي.

الأمر الذي سيدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتعاون مع قادة الجمهوريين في الكونغرس والمنظمات اليهودية العاملة في الولايات المتحدة لعرض “عاصفة الحزم” على أنها نتاج المقاربات الخاطئة لأوباما على الصعيد الإيراني.

حتى إن العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية صعدت من لهجتها عقب وصول القوات البحرية المصرية مضيق “باب المندب”، في إشارة منها إلى تهديد أمن” تل أبيب”، والخشية من سيطرة القوات المصرية على مضيق باب المندب.

4- ما مصالح إسرائيل في اليمن؟

ميناء “إيلات” الإسرائيلي

لا بد من الإشارة إلى أن اليمن وإسرائيل في حالة عداء، وليس لديهم علاقات دبلوماسية رسمية، فهي لا تعترف بإسرائيل، لذلك تحتل موقعًا استراتيجيًّا عند مدخل البحر الأحمر وسيطرتها على باب المندب، ومنفذ إسرائيل إلى المحيط الهندي والشرق الأقصى.

وهذا الموقع زاد من أهميتها في نظر الاستراتيجيين الإسرائيليين، حيث شكل اليهود اليمنيين مرة واحدة أقلية يهودية كبيرة في اليمن مع ثقافة متميزة عن غيرها من الجاليات اليهودية في العالم. أكثرها هاجر إلى إسرائيل في منتصف القرن 20.

فإسرائيل لديها نفوذ في مضيق باب المندب بالتنسيق مع جيبوتي وإثيوبيا، حتى إن اليمن خسر بعض نفوذه بسبب التدخل الأمريكي, وأغلق المضيق على إسرائيل في حرب 1973، إلا أنها قد لا تكون قادرة على غلقه أمامها مرة أخرى من الجهة العسكرية.

لذلك، يمثل مضيق باب المندب مسارًا بحريًّا رئيسيًّا بالنسبة إلى الأسطول التجاري الإسرائيلي، إذ يعد بوابة الدخول إلى البحر الأحمر، الذي يمثل معبرًا حيويًّا للسفن في طريقها من الشرق الأقصى إلى «ميناء إيلات» أو قناة السويس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد