قبيل عدة سنوات، قررت إسرائيل إنشاء برج إرسال هاتفي على تلّة قرب مدينة رام الله في الضفة الغربية، ثم أحضرت حارسًا لهذا البرج، وسرعان ما أحضر هذا الحارس عائلته للسكن معه، ثم توالى قدوم العائلات اليهودية حتى أصبح المكان بجهود المستوطنين «مستوطنة ميغرون»، التي على الحكومة الإسرائيلية مدّها بالماء والكهرباء والصرف الصحي، ثم ترخيصها رسميًّا.

وبالفعل رخصت المستوطنة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، لتنضم إلى أكثر من 138 مستوطنة يهودية مقامة على أراضي الضفة الغربية، فمسيرة الضم الزاحف مستمرة الآن، وتتزامن مع حديث إسرائيلي عن ضم «رسمي» لكافة المستوطنات التي تستقطع غالبية أراضي الضفة الغربية، تلك الأراضي التي نصت الاتفاقيات الدولية على إقامة الدولة الفلسطينية عليها.

«إنقاذ الأراضي في جميع أنحاء يهودا والسامرة»

«أتعهد بأن أكون مخلصًا لأرض إسرائيل، وعدم التنازل عن أي شبر من ميراث الآباء، وأن ألتزم بالعمل على تحقيق خطة استيطان لتوطين مليوني يهودي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وفقًا لخطة رئيس الوزراء يتسحاق شامير، وكذلك تشجيع وإنقاذ الأراضي في جميع أنحاء يهودا والسامرة»، نص في عريضة تعهد فيها مؤخرًا عشرات من الوزراء وأعضاء الكنيست الإسرائيلي التابعين لأحزاب يمينية بالعمل على توطين مليوني مستوطن في الضفة الغربية.

يريد هؤلاء تحقيق خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق شامير، التي تدعو إلى توطين مليوني مستوطن بالضفة عبر إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة بدلًا من البناء داخل المستوطنات القديمة، إذ يعيش الآن أكثر من 400 ألف إسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية، ويعمل اليمين الإسرائيلي الذي يعتمد السياسة التوسعية، على استخدم سياسة «فرِّق لتسد»، إذ يحاول في بادئ الأمر ضم المنطقة (ج) التي تقع تحت سيطرة إسرائيلية كاملة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى عدد ضئيل نسبيًّا من السكان الفلسطينيين، ثم سيسعى إلى السيطرة على المنطقتين (أ) التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة و(ب) التي تخضع لمسؤولية السلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل لها سلطة أمنية كاملة عليها؛ ثم منح هذه المناطق حكمًا ذاتيًّا.

بناء منازل في مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة الغربية

ولم يقتصر الأمر على تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى لحظاته الأخيرة قبيل فوزه في الانتخابات التشريعيّة التي تمت هذا الشهر اعتزامه ضم مستوطنات الضفة الغربية لإسرائيل، فبمجرد أن حذفت وزارة الخارجية الأمريكية مصطلح «محتلة» عند الإشارة إلى الضفة الغربية والجولان السوري في تقريرها السنوي الأخير، تشجع وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بنيت بالقول: «الآن بعد أن أصبحت الولايات المتحدة لا تعتبر يهودا والسامرة (الضفة الغربية) أرضًا محتلة، لم يعد هناك سبب للانتظار، لقد حان الوقت لتطبيق السيادة في المنطقة (ج)»، وتابع القول بنيت إن: «إعلان الولايات المتحدة، يلزم دولة إسرائيل على اتخاذ قرارات حقيقية وجريئة تساعد أمن إسرائيل والمساواة الكاملة في الحقوق لجميع مواطنيها (يقصد المستوطنين في الضفة الغربية)».

على جانب آخر يقول المهندس المعماري وناشط السلام الإسرائيلي، إيال وايزمان: «بنيت هذه المستوطنات لتفرض سيطرة بصرية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، لاختيارها أعالي التلال مكانًا للبناء، لعدة اعتبارات: أمنية واستراتيجية، أو حتى دينية – أيديولوجية، وذلك بالبناء على قمم قريبة من مواقع تاريخية توراتية. يضاف إلى ذلك الاعتباران السياسي، للحدّ من حجم الأراضي التي قد تنتقل إلى الجانب الفلسطيني في أي عملية تسوية سياسية، والاقتصادي، فالأراضي التي تبنى عليها المستوطنات في الضفة الغربية تكون أقلّ تكلفة». ويضيف في كتاب «أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي»، أن إسرائيل «قامت بإرساء العديد من السياسات، لتشجيع المستوطنين على السكن في الضفة الغربية. أولاً، بتحسين مستويات المعيشة فيها، وثانيًا ببناء سلسلة طرق تربطها بالقدس وتل أبيب، ولا تمرّ بالسكّان الفلسطينيين. وهي أمور اجتذبت بالأساس، المستوطنين المتديّنين بعائلاتهم الكبيرة ومواردهم المحدودة، والمهاجرين الجُدد من الاتحاد السوفيتي».

«جاكوبين»: الجدار الذي يريد ترامب مثله.. لماذا قررت إسرائيل بناءه في التسعينيات؟

 

كيف تعمل إسرائيل على ضم الضفة الغربية لسيادتها؟

يؤكد الخبراء الفلسطينيون أن إسرائيل لا تفكر في الخروج من الأراضي التي احتلتها عام 1967، فهي لا تريد دولة فلسطينية في الضفة وغزة، أو أن يكون هناك ترابط جغرافي بين تلك الأراضي الفلسطينية، لذلك تقدم بشكل متزايد على تعمير المستوطنات اليهودية على الأرض الفلسطينية، في ما يعرف بـ «الضم المتسلل» الذي يحدث تدريجيًّا بما فيه الكفاية، وهي توسع الاستيطان بغية فرض وقائع ميدانية وديموغرافية، تُمهّد لضمّ الضفة الغربية عبر إقامة مستوطنات على جبال مُطلة على السهل الساحلي وعلى امتداد غور الأردن.

فلسطينية تمر بجانب جدار الفصل العنصري قرب بيت لحم

كما أنها وعلى مدار خمسة عقود رسخت سيادتها على الضفة الغربية، عبر سن قوانين تعد بمثابة الضوء الأخضر لمزيد من خطوات الضم الرسمية لأراض فلسطينية، ومن هذه القوانين قانون «تبييض الأراضي والمستوطنات» الذي يشرعن احتلال أي أرض فلسطينية، وقانون «القومية» الذي يرى أن كل فلسطين هي أرض ما تسمى «دولة إسرائيل»، وكذلك المشروع الاستيطاني المعروف بـ(E1)، الذي يهدف إلى ربط القدس المحتلة بمستوطنة «معاليه أدوميم» المقامة على أراضي قرى شرق القدس، ليشطر الضفة الغربية شمالًا وجنوبًا، ولتحقيق المشروع الأهم وهو ضم المزيد من الأراضي ضمن خطة «القدس الكبرى».

أما فيما يتعلق بالاستيطان الفعلي، تقع 40% من أراضي الضفة الغربية تحت سيطرة المستوطنات اليهودية، كما أن جدار الفصل العنصري قد توسع على حساب 12% من أراضي الضفة الغربية الواقعة بين الجدار والخط الأخضر، إذ تعتمد إسرائيل على مصادرة الأراضي بشكل مباشر. فعلي سبيل المثال شُید ما مجمله 200 كم من الشوارع الالتفافية في كامل الضفة الغربية، إلى جانب البنية التحتية لدعم المشروع الاستيطاني، وتمثل هذه المنظومة ما مجمله 3.2% من مساحة الضفة الغربية، إذ أمعنت إسرائيل في تقطيع أوصال الضفة، وإنشاء جدار الفصل العنصري، ونشر حوالي 839 حاجزًا للفصل، وعزل التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض.

ويذكر تقرير صادر عن «مركز أبحاث الأراضي» التابع لجمعية الدراسات العربية أن حجم التوسع الاستيطاني تضاعف أربع مرات، منذ التوقيع على «اتفاق أوسلو» بين «منظمة التحرير الفلسطينية» وإسرائيل في 13 سبتمبر (أيلول) 1993.

فبعد مرور 25 عامًا على التوقيع على هذا الاتفاق «تضاعف عدد المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية والقدس المحتلتين، وقطاع غزة المحاصر، من 144 مستوطنة قبل توقيع «اتفاق أوسلو» إلى 515 مستوطنة وبؤرة استيطانية حتى أيلول 2018»، ويضيف التقرير أن: «مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها لصالح المشروع الاستيطاني، والتي كانت تبلغ مساحتها قبل اتفاق أوسلو حوالي 136 ألف دونما، أصبحت حوالي 500 ألف دونما، أي بزيادة قدرها حوالي 368% مقارنة بما كانت عليه».

«إذ حدث لا رجعة فيه».. الموقف الأمريكي يشجع إسرائيل على قرار الضم

بمجرد إعلان واشنطن الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل منذ عام 1967 في 25 مارس (آذار) 2019، ونيل اعتراف آخر بمثل تلك السيادة على الضفة الغربية يُلاك على ألسنة رجال اليمين الإسرائيلي.

فهؤلاء وزعيمهم نتنياهو قد تقوّوا بخدمات ترامب السخية، التي تدعم الهوس التوراتي بأرض «إسرائيل الكبرى» التي تمتد من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ولذلك يمضى هؤلاء قدمًا نحو استغلال دعم ترامب لضم بعض أو جزء كبير أو حتى جميع الضفة الغربية، قبل وصول إدارة جديدة في البيت الأبيض.

ترامب ونتنياهو خلال التوقيع على الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل

وما يلبث أن تتحدث مصادر إسرائيلية عن آمال كبيرة في موقف إيجابي أمريكي يحقق هذا الضم، كأن تتحدث قناة تلفزيونية إسرائيلية في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن خطة سلام لترامب في الشرق الأوسط تقترح إقامة دولة فلسطينية على ما يصل إلى 90% من الضفة الغربية المحتلة، وأن تتضمن الخطة ضم إسرائيل لتكتلات استيطانية يهودية في الضفة الغربية، في حين سيجري إخلاء أو وقف بناء المستوطنات المنعزلة، وهي خطة تعكس الرؤية الإسرائيلية المتمثلة في قول نتنياهو لترامب إنّ «إسرائيل لن تزيل أي مستوطنة، ولن تنقل شخصًا واحدًا من المستوطنين في إطار أيّ خطّة سلام في المستقبل».

وفي الواقع، فإن وجود المستوطنات الإسرائيلية على أراض فلسطينية، يفترض أنها تشكل جزءًا من الدولة الفلسطينية التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية؛ يعد انتهاكًا للقانون الدولي، لذلك لن يقتصر تطبيق قرار ضم أراضي هذه المستوطنات في الضفة الغربية على سقوط حل الدولتين فقط.

بل إن الضم – حسب المصادر الإسرائيلية المعارضة له- «سيؤدي إلى مزيد من الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويقوض بشدة إن لم يقضي بالكامل، على التنسيق الأمني ​​الناجح بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وسيحفز الجهود مثل حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، والعقوبات التي تهدف إلى عزل ونزع الشرعية عن إسرائيل»، وسيخلق أيضًا انقسامات حادة في الولايات المتحدة تتعلق بصعوبة الحفاظ على الدعم الثابت لإسرائيل وأمنها.

ويمكن القول بأنه ورغم إدراك الإسرائيليين والأمريكيين أن إيقاع السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية سيؤدي بالتأكيد إلى كابوس من نوع أو آخر، مثل تصاعد الاحتجاجات الفلسطينية والإدانة الدولية، فإن تطبيق هذا الضم سيكون أمرًا لا رجعة فيه؛ «سواء أنجز سريعًا أو بدرجة علمية، فهو بمثابة ضم يتعارض مع اتفاق عمره ربع قرن، ينص على عدم تغيير الوضع الراهن بين إسرائيل والفلسطينيين إلا من خلال المفاوضات»، حسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

لذلك وفي ظل غياب المسؤولية الأمريكية وضعف الاتحاد الأوروبي، يرى المراقبون أن الطريق مفتوح على مصراعيه أمام الحكومة اليمينية للانتقال من الضم الزاحف إلى الضم الفعلي، إذ من السهل أن ينتهك الوضع الراهن الهش، خاصة أن السلطة الفلسطينية التي ترفض هذا الضم تتبنى سياسة الانصياع لما تفرضه إسرائيل على أرض الواقع، ففي مقابل تعرض عباس لضغوط من الشارع والتنظيمات الفلسطينية يتاح لإسرائيل أن تتوقع تداعيات سياسية، وأمنية، واقتصادية ،وقانونية خطيرة؛ لأنها تضمن العالم سيظل غير مبال.

«هآرتس»: بهذه الحيلة تستولي إسرائيل على الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات

 

المصادر

تحميل المزيد