«أطالب جميع الأمهات في كشمير أن يطلبن من أبنائهن الذين انضموا للإرهاب الاستسلام والعودة إلى صفوف المواطنين. وإلا فالقتل سيكون مصير أي شخص يحمل السلاح».

هذا ما أعلنه أكبر قائد عسكري هندي في كشمير، اللفتنانت جنرال كيه جيه إس ديلون، في 19 فبراير (شباط) الماضي، أمام الصحافيين في سريناجار، العاصمة الصيفية لولاية جامو وكشمير. قبلها بخمسة أيام، وتحديدًا في 14 فبراير، قتل ما لا يقل عن 40 من قوات الأمن الهندية في تفجير استهدف الجزء الذي تسيطر عليه الهند من إقليم كشمير. وبعدها بأسبوع، شنت الهند ضربة جوية على ما وصفتها بأنها قاعدة لتدريب المتشددين.

أسلحة وتكتيكات ببصمة إسرائيلية

لم يكن هذا هو التصعيد الأول، كما يشير الصحفي الهندي جاغديش سينغ، فقد أعلن عدد من كبار السياسيين في الهند سابقًا أن نيودلهي شنت «ضربات جراحية ضد الجماعات المسلحة المتمركزة في باكستان». ففي الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2018، على سبيل المثال، قال رئيس «حزب المؤتمر» راهول غاندي، في عهد حكومة حزبه، برئاسة رئيس الوزراء مانموهان سينغ: «إن الجيش الهندي شن ثلاث غارات جراحية في كشمير التي تحتلها باكستان».

وفي 4 مارس (آذار) 2019، قال القائد الأعلى لـ«حزب بهاراتيا جاناتا» ورئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي: إن الهند «قد نفد صبرها مع الإرهاب، سوف نغلبهم في عقر دارهم، ولن يفلتوا حتى ولو اختبأوا في أحشاء الأرض أو على الجانب الآخر من الحدود».

لكن اللافت هذه المرة هو تواتر الأنباء حول استخدام الهند قنابل ذكية إسرائيلية الصنع من نوع (SPICE 2000)، طورتها شركة «Rafael Advanced Defense Systems» المملوكة للحكومة الإسرائيلية، حسبما أفاد موقع «ذا ويك».

وزير الدفاع الإسرائيلي خلال معرض هندي للأسلحة

كانت وزارة الدفاع الهندية قد أعلنت في أواخر عام 2015 إدخال قنابل (SPICE-2000) إلى سلاح الجو الهندي، الذي يُشَغِّل أيضًا صواريخ كروز (Crystal Maze) الإسرائيلية.

ليس فقط الأسلحة، بل أن التكتيكات التي اتبعتها الهند في الهجوم أيضًا حملت بصمة «مئات الضربات التي شنتها إسرائيل على أهداف داخل سوريا، غالبًا من المجال الجوي اللبناني أو الدولي»، وفق ما رصد أرمين روسين في مجلة «تابلت» الأمريكية.

في حضرة السلاح.. لا شيء مضمون ولا خطر مُستَبعَد

في المواجهة المستمرة منذ عقود بين الهند وباكستان، هناك خياران مستبعدان: (1) الردع التقليدي. (2) التقاعس التام. لذلك تعتبر الأسلحة الاستطلاعية والدقيقة ذات أهمية خاصة. فمنذ تحسنت علاقات الهند مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، خاصة في مجال التعاون العسكري وتطوير الأسلحة، وقع الطرفان عقود دفاع بمليارات الدولارات، كما ذكرت «تايمز أوف إسرائيل».

بموجب هذه الصفقات اشترت الهند معدات مراقبة من إسرائيل، شملت: نظام فالكون للإنذار والتحكم المحمول جوًا، وطائرة هيرون بدون طيار، وكليهما استخدمته الهند في الضربة الأخيرة، كما يقول نيكولاس بلاريل، الأستاذ بجامعة ليدن والخبير في العلاقات الدفاعية الإسرائيلية-الهندية.

ما يجعل إسرائيل حليفًا مغريًا هو أنها لم تفرض أي شروط سياسية أو اقتصادية على مبيعات الأسلحة إلى دلهي، ولم تطالب الهند أبدًا بإعلان العلاقات الدفاعية أو الاستخباراتية بأي شكل من الأشكال، بل لم يعتد الإسرائيليون على طرح الأسئلة، وفق ما يقول تانفي مادان، مدير مشروع الهند في «معهد بروكينجز».

لكن حين يتعلق الأمر بالسلاح فلا شيء مضمون ولا خطر مستبعَد، وحتى المجلة الأمريكية تشير إلى أن استخدام الأسلحة الإسرائيلية يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى مواجهة نووية.

«بلومبرج»: ماذا يحدث بين الهند وباكستان وإلى أين يتجه النزاع؟ 5 أسئلة تشرح لك

 

نجاح عسكري أم حملة تسويقية؟

لم يبالغ الصحافي روبرت فيسك حين قال: إن إسرائيل «تلعب دورًا كبيرًا» في الصراع المتصاعد بين الهند وباكستان، مشيرًا إلى «تحالف غير معلن وخطير سياسيًا مناهض للإسلاميين».

ورغم أن مسافةً تبعد حوالي 2500 ميل بين وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب ووزارة الدفاع الهندية في نيودلهي، إلا أن المقال المنشور في صحيفة «الإندبندنت» يرصد تشابهًا في تفاصيل الإعلان الرسمي عن الهجمات الهندية في باكستان، يكاد يتطابق مع الهجمات الإسرائيلية في غزة أو سوريا أو لبنان.

لكن «المغامرة الهندية في باكستان قد تكون مرتبطة بالخيال الخصب أكثر من النجاح العسكري»، على حد قول فيسك، وربما «الإرهابيين الذين يتراوح عددهم بين 300 و400 شخص»، ويُفترض أن القنابل الإسرائيلية الموجهة قضت عليهم، لم يكونوا سوى «صخور وأشجار».

يقال أنه «حين يتحدث المال؛ فليخرس المنطق»؛ وإذا كانت الهند أكبر عميل للأسلحة الإسرائيلية في عام 2017، فقد دفعت 530 مليون جنيه إسترليني مقابل دفاع جوي إسرائيلي وأنظمة رادار وذخيرة، بما في ذلك صواريخ جو-أرض اختبر معظمها في الهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والأهداف في سوريا. فلا عجب في أن يبالغ الإعلام الإسرائيلي والموالي لإسرائيل في الاحتفاء بعبقرية الأسلحة الإسرائيلية، جزءًا من حملة تسويقية تجارية وسياسية.

«تحريض في ثوب بحثي».. بنك أهداف يضم مواقع وأشخاص

لم يتوقف الدور الإسرائيلي عند حد بيع الأسلحة وتصدير التكتيكات، بل وصل إلى مستوى التحريض المباشر على توجيه ضربات إضافية أكثر دقة، وتحديد بنك أهداف تشمل مواقع وشخصيات بارزة.

اسرائيل الهند

رئيس الوزراء الهندي ورئيس وزراء إسرائيل

في 8 مايو (أيار) الحالي، نشر «مركز بيجن-سادات للدراسات الاستراتيجية» ورقة موجزة أعدها الصحفي الهندي المقيم في نيودلهي، جاغديش سينغ، خلصت إلى ما يلي:

1. حتى تكون ضربات الحكومة الهندية فعالة، يجب أن تستهدف في المقام الأول موقعين. الأول: مجمع «جماعة لشكر طيبة»، الذي تبلغ مساحته 200 آكر (ما يزيد عن 800 ألف متر مربع)، في موريدكي بالقرب من لاهور، والثاني: مدرسة «جماعة جيش محمد» بالقرب من مدينة بهاوالبور.

2. يجب أن تركز «ضربات نيودلهي الجراحية» على عناصر مثل: داود إبراهيم، رئيس «منظمة الجريمة» في مومباي، وحافظ محمد سعيد، رئيس «جماعة لشكر طيبة»، ومسعود أزهر، زعيم «جماعة جيش محمد» في باكستان.

3. لتحقيق هذا الهدف؛ ينصح سينغ بأن تقوم «القيادة السياسية الهندية» بأمرين قبل كل شيء؛ أولًا: تحديث أجهزتها الاستخباراتية والأمنية، ومنحها الاستقلال المهني والتشغيلي. إذ إن هذه الخطوات لو كانت قد اتُّخِذَت بالفعل، لما كان العديد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك «جيش محمد» و«لشكر طيبة» و«حزب المجاهدين»، قد اشتد عودها في الهند، ولم تكن هجمات بولواما ولا الضربات السابقة قد حدثت. أما ثانيًا بحسب سينغ، فهو اللجوء إلى صديقها الأكثر موثوقية، إسرائيل؛ لمساعدتها على تفكيك الجماعات المسلحة التي تستهدف الهند من باكستان بفعالية. ويمكن أن تلعب المخابرات والأسلحة الإسرائيلية دورا حاسما في تحقيق هذا الهدف».

4. بعد تقديم طوق النجاة الإسرائيلي، شرع سينغ في تقطيع حبال الآمال التي يمكن أن تعول عليها الهند، والتي من بينها:

أولًا: الدولة العميقة في باكستان.

«لا ينبغي أن تعلق نيودلهي أملًا كبير على إسلام أباد، التي تخضع حاليًا لحكومة مدنية يقودها رئيس الوزراء عمران خان. فمنذ أيام المشير أيوب خان، كان الجيش الباكستاني هو الذي يصوغ سياساته. ذلك الجيش نفسه الذي كان منشئ العناصر الجهادية التي تستهدف الهند وحاميها. وقد مولت وكالة الاستخبارات الباكستانية الانفصاليين؛ لإذكاء الاضطرابات في الهند، خاصة في كشمير.

يجب أن تدرك نيودلهي أن الدولة العميقة الباكستانية لن تمنع أبدًا الجماعات المسلحة المناهضة للهند من العمل انطلاقًا من أراضيها. ولن يجرؤ خان على مواجهة الدولة العميقة. من المؤكد أنه يدرك ما حدث لأسلافه المدنيين عندما بدوا جادين بشأن السلام مع الهند».

ثانيًا: المجتمع الدولي.

«لا يمكن أن تتوقع نيودلهي الكثير من المجتمع الدولي في حربها على الإرهاب»، فبحسب الورقة التي نشرها «مركز بيجن-سادات»:

  •  تواصل الصين، وهي قوة عالمية مهمة اليوم، عرقلة إدراج قائد جماعة «جيش محمد»، مسعود أزهر «إرهابي عالمي» في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على الرغم من أن مجلس الأمن الدولي يشير إلى أن أزهر تلقى أموالًا من أسامة بن لادن.
  • تحدث وزير الخارجية الهندي فيجاي جوكالي مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حول الحاجة إلى تقديم المسؤولين عن هجوم بولاما إلى العدالة، وضرورة اتخاذ باكستان إجراءً فعالًا ضد الجماعات المسلحة العاملة على أراضيها.
  • في 12 مارس، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون: إن وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي أكد له خلال مكالمة هاتفية في 11 مارس أن إسلام أباد «ستتعامل بحزم مع جميع الإرهابيين» الذين ينطلقون من بلاده.

لكن برغم هذه الجعجعة الإعلامية، يستبعد سينغ «أن تتخذ واشنطن موقفًا صارمًا تجاه إسلام أباد؛ إذ يبدو أنها تولي جل تركيزها للحصول على مساعدة إسلام أباد في إبرام صفقة مع طالبان الأفغانية، وبالتالي فهي مشغولة عن محاربة الإرهاب الذي يستهدف الهند».

ويضيف في ورقته البحثية: «سيكون من السذاجة على أي حال افتراض أن ضغط واشنطن على إسلام آباد في هذا الصدد سوف ينجح. من الموثق جيدًا أن وزيري الخارجية الأمريكيين جيمس بيكر الثالث وهيلاري كلينتون حذرًا باكستان من الأنشطة الإرهابية في كشمير.

فقد حذر بيكر إسلام آباد في 1991-1992 من أنها يمكن اعتبارها «راعيًا للإرهاب». وبعد هجمات مومباي، حذرت كلينتون باكستان من أنها: «سوف تستنزف إذا لم تطارد الجماعات الجهادية». وقالت علنًا: «لا يمكنك الاحتفاظ بالثعابين في فنائك الخلفي وتتوقع ألا يؤذوا جيرانك»، لكن لم يكن لهذه الكلمات أي تأثير. حتى إعلان الرئيس الباكستاني برويز مشرف عام 2003 عن إغلاق الجماعات المسلحة ثبت أنه مهزلة».

ثالثًا: منظمة التعاون الإسلامي

أما بالنسبة لأعضاء «منظمة التعاون الإسلامي»، فيقول عنهم سينغ: «يبدو أنهم مرتبطون جدًا بـ«القضية الإسلامية» الضيقة حتى لم يعد على خارطة اهتماماتهم متسع للالتفات إلى قيم الهند الديمقراطية الليبرالية».

وتتمتع باكستان بعلاقة عسكرية عميقة مع تركيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة. لكن في الآونة الأخيرة، تبنت «منظمة المؤتمر الإسلامي» قرارًا يدعو إلى «الوقف الفوري للانتهاكات الجسيمة والمستمرة لحقوق الكشميريين الأبرياء على أيدي قوات الاحتلال الهندية»، وطلبت من الدول الأعضاء تقديم المساعدة الإنسانية لشعب كشمير». وهو ما تعتبره الورقة الإسرائيلية ضمنيًا دليلًا على عدم صلاحية المنظمة للعب دور الوسيط.

إذًا فلتشتعل الحرب

ويمكن القول بإن خلاصة الرؤية الإسرائيلية للوضع يكمن في أنه إذا كان لا أحد قادر على مساعدة الهند في هذا الصراع – لا المجتمع الدولي ولا العالم الإسلامي، وطبعا ليس الدولة العميقة في باكستان – فلا يبقى أمام نيودلهي سوى «الحليف الإسرائيلي الموثوق»، و«الأسلحة الإسرائيلية الذكية»، والتكتيكات الإسرائيلية» المختبرة في ساحات الحرب، و«النصائح الإسرائيلية» التي تقال أحيانًا على لسان صحافيين هنود.

وحتى إذا انفلت لجام «الضربات الجراحية» وانزلق الصراع إلى مستنقع الحرب، فإن ذلك سيكون من دواعي سرور إسرائيل؛ المتأهبة دومًا لـ«تحديث القوات المسلحة الهندية» وتزويدها بأسلحة يمكن أن يكون لها دور حاسم في «الحرب المقبلة»، كما يقول سيت ج. فرانتزمان وآنا أهرونهيم في صحيفة «جيروزاليم بوست».

هل يخيف النووي الباكستاني تل أبيب؟ لهذه الأسباب تدعم إسرائيل الهند

 

المصادر

تحميل المزيد