في الحرم القدسي، وتحديدًا في ساحة حائط البراق، حيث لا يوجد هناك إلا اليهود، ليس مستغربًا أن تسمع صراخًا ناجمًا عن مصادمات عنيفة. تقع هذه الصدامات بين أبناء الطوائف اليهودية المختلفة. وعلى عكس ما تُحاول إسرائيل إظهاره، من أن حائط البراق – الوقف الإسلامي الذي اتخذه الإسرائيليون معبدًا وأسموه حائط المبكى – مكانٌ مُوحّد لليهود، ورمزٌ لإسرائيل، من المفترض أن تُعبّر عنه كما يرجو أبناؤها، فهو، كما تقول السردية الإسرائيلية، آخر بقايا «الهيكل»، وأحد أكثر الأماكن قُدسية عند اليهود، مع هذا، يبقى الواقع، أن حائط البراق بات بُؤرة صراع بين الطوائف اليهودية، منذ احتلال القدس عام 1967، إذ يُصر اليهود الأرثوذكس منع يهود التيارات «المعتدلة» من اصطحاب النساء معهم عند حائط البراق، لأن في ذلك «كُفر وتدنيس للمكان المُقدس».

استحداث الساحة الثالثة

عام 1967 احتلت إسرائيل مدينة القدس، ومن حينها، يُسيطر الحريديم الأرثوذكس، على إدارة شؤون حائط البراق الدينية، وذلك على اعتبار أن «حائط المبكى»، كما يُسمونه، آخر بقايا «الهيكل»، الذي من المفترض كما يعتقدون، دمّره الرومان عام 70 ميلادية.

صراع اليهود الحريديم الأرثوذكس

خريطة لحائط البراق نشرتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية

 

قَسّم الأرثوذكس ساحة الحائط إلى قسمين، القسم الأكبر مساحة مخصصة للرجال والأصغر مخصصة للنساء، وذلك لحظر الاختلاط في الصلاة بين الجنسين. كما فرض الحريديم الأرثوذكس، صيغتهم للطقوس الدينية، وحرموا صلاة غيرهم من الطوائف اليهودية، بخاصة اليهود القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أنهم يُمثلون نسبة كبيرة من سكان إسرائيل.

وبقي هذا الصراع الديني بين اليهود مستمرًّا حتى 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما أقرت الحكومة الإسرائيلية، توسعة حائط البراق، واستحداث ساحة صلاة ثالثة لليهود، لصلاة غير الحريديم، دون تمييز بين الرجال أو النساء.

كلفت التوسعة، نحو 8.85 مليون دولار، على امتداد الحائط، جنوب غرب المسجد الأقصى، ويمين الموقع الذي يديره اليهود الحريديم الأرثوذكس. وسمي هذا القسم باسم «قوس روبنسون»، وسيكون بإمكان الطوائف اليهودية «المعتدلة»، الصلاة فيه على مدار 24 ساعة وطوال أيام السنة. وسيدخلون مع اليهود الحريديم الأرثوذكس من بوابة واحدة.

واعتبر هذا القرار بمثابة أول تسوية من نوعها بين الحكومة الإسرائيلية، وملايين اليهود غير الأرثوذكس في العالم. يقول محلل الشؤون الدينية اليهودية في صحيفة «هآرتس»، يائير إتينغر إن «عشرات الآلاف من هؤلاء اليهود، يزورون إسرائيل سنويًا، ويرغبون في زيارة حائط البراق أو إقامة مراسم (بار ميتسفا) لأولادهم في هذا المكان، ويبدو أن هذا الاعتراف لن يلحق ضررًا بإسرائيل في مقابل يهود الولايات المتحدة الذين يعلل كثيرون منهم اغترابهم تجاه إسرائيل بالاستخفاف الدائم تجاه هويتهم اليهودية».

ماذا عن جماعة «نساء الحائط»؟

عندما تحاول بعض اليهوديات من طوائف غير أرثوذكسية، الاقتراب من حائط البراق، يُلقي الحريديم الحجارةَ عليهن، واللافت للنظر، أن القوات الإسرائيلية، كانت تنحاز للحريديم، بحجة «الأمن والحفاظ على النظام العام».

 

واحدة من أبرز الجماعات اليهودية التي تتصدى لليهود الأرثوذكس هي جماعة «نساء الحائط» الإسرائيلية، التي تتكون من مجموعة يهوديات ينتمين إلى تيارات مختلفة، أسسن هذه الجماعة بعد اصطدامهن برفض الحريديم لصلاتهن عند حائط البراق، وفي الساحة المخصصة للنساء، بدعوى أن طريقة صلاتهن تخالف تعاليم الشريعة اليهودية، إذ تصررن على قراءة التوراة وترتدين شال الصلاة «التاليت»، وتردن المساواة في الصلاة بين الجنسين.

وبعد نحو 24 عامًا، من تأسيس هذه الحركة، أقرت محكمة إسرائيلية، أنه حق ديمقراطي للنساء، أن يؤدين الشعائر الدينية وأن يصلين وفق إيمانهن، وذلك في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ لذلك اعتبرت دوائر إسرائيلية، أن قرار استحداث ساحة ثالثة للصلاة في حائط البراق، هو «ثمرة كفاح استمر لسنوات لمجموعة من النساء من التيارات اليهودية الليبرالية والإصلاحية».

يتحدث حاخام «حائط المبكى»، شموئيل رابينوفيتش عن دورهن فيقول: «منذ أن بدأت مجموعة نساء حائط المبكى  الهامشية والمنفلتة بنشاطها الإعلامي، تحول حائط المبكى من مكان موحِّد ومكتل إلى حلبة صراعات لا تنتهي. والتجديف على الله الذي سببته هذه المجموعة ومؤيدوها هو أمر مروع، وسيستغرق إصلاحه سنوات طويلة».

الساحة الثالثة تهدد بقاء حكومة نتانياهو!

هناك معركة سياسية تسبب فيها الخلاف الديني، حول آلية وكيفية الصلاة اليهودية ومن يصلي عند حائط البراق. هذه المعركة تهدد مستقبل اليمين الحاكم بقيادة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتانياهو، إذ هدد اليهود الحريديم بعدم استقرار هذه الحكومة، التي تعتمد على أكثرية منهم، وذلك بمجرد تصديقها على تخصيص المساحة الصغيرة لأداء الصلاة المختلطة بين الرجال والنساء في حائط البراق.

ولم يكتفِ ممثلو الأحزاب الحريدية ككتلة «يهدوت هتوراة»، وحزب «البيت اليهودي»، وحزب «شاس»، وبعض وزراء حزب «الليكود» أمثال زئيف إلكين؛ برفض القرار، بل هددوا بالانسحاب من الحكومة الإسرائيلية، في حال عدم تراجعها عن القرار. ويكفي أن ينفذ التهديد أحد نواب الحزبين حتى تسقط حكومة نتنياهو الهشة.

ويرى عضو الكنسيت الإسرائيلي موشيه غفني، عن حزب «يهدوت هتوراة»، أن «الإصلاحيين هم مجموعة مهرجين يطعنون التوراة المقدسة بسكين. ولن يكون هناك اعتراف بمجموعة المهرجين هذه إلى أبد الآبدين، لا في حائط المبكى ولا في أي مكان مقدس آخر«.

ومن جانب آخر، هناك ضغوط سياسية من يهود الولايات المتحدة المحافظين، الذين يدعمون إسرائيل، ويشكلون لوبي ضاغط لمصلحتها، كونهم يريدون الساحة الثالثة. يقول وزير الأديان، دافيد أزولاي، من حزب شاس: «نتنياهو يعرف جيدًا كيف يستخدم اليهود في الولايات المتحدة وتنشيطهم من أجل دفع احتياجاته السياسية ضد إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لكن من أجل بقائه في الحكم هو بحاجة إلى الحريديم»، مُضيفًا: «وربما هذا هو السبب، أو أحد الأسباب، لإلغاء زيارته التي كانت مقررة إلى الولايات المتحدة. والقصد على خلفية ارتداعه من الوقوف أمام جمهور كبير من اليهود الإصلاحيين والمحافظين في مؤتمر اللوبي اليهودي )إيباك(».

المرأة في الديانة اليهودية عند المتشددين

«يجب على الرجل ألا يسير بين امرأتين، أو بين كلبين، أو بين خنزيرين»، هذه الموعظة الدينية اليهودية التي جاءت على لسان الحاخام عوفاديا يوسيف، اعتمدت على ما ورد في كتاب تعاليم الشريعة (شولحان عاروخ)، وهي واضحة في مساواتها بين الكلب والخنزير والمرأة اليهودية، كمخلوق نجس يحرم الاقتراب منه، ويجلب الإثم للمتدينين.

 

 

لم يكتفِ اليهود المتشددين بهذا التحريم، فلديهم سجل حافل من التحريم يخص النساء في الشريعة اليهودية، كأن تعتقد الطوائف الحريدية أن المرأة خلقت من أجل «خدمة الرجل، وهي أداة للإنجاب. والمرأة التي تلد ذكرًا تظل ( نجسة) 44 يومًا، لا يحق لها أن تلمس كلَّ ما هو طاهر، ولا يجوز لها حتى الجلوس على مقاعد الرجال. وإذا كان المولود أنثى فتظل نجسة ضعف المدة السابقة، أي؛ 88 يومًا». ويحرم على هذه المرأة الحديث عند الأموات؛ لأن حديثها يدنس الميت. والمرأة ليس لها حق الطلاق، والتي تطلق من زوجها يمنع زواجها مرة أخرى.

في شوارع القدس وكذا المناطق المحتلة منذ 1948، كأحياء «مائة شعاريم» و«غيئولا في القدس»، و«بني براك» في تل أبيب، يفصل في الشوارع العامة بين الرجال والنساء، إذ يحرم على المتدين اليهودي السير مع المرأة في نفس الشارع، لذلك خصص المتدينون اليهود ممرًّا منفصلًا للنساء عن ممر الرجال، وقد تتعرض المرأة المخالفة للبصاق والإهانة، حتى إن كانت من المتدينات، ففي إحدى المرات أقدم حاخام بارز في تيار «عيدا حارادي»، المتشدد برش عيني إحدى النساء برذاذ الفلفل الحار، لأنها لم تسر في الرصيف المخصص للنساء في الشارع العام. وكما جاء في خبر صحافي نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت»: «جالت مجموعة من أتباع حركة ناطوري كارتا الحريدية المتزمتة، شوارع بعض أحياء القدس بمكبرات الصوت، وهم يعلنون عن الانفصال، بين النساء والرجال في ممرات المشاة، في شوارع القدس، بحيث يكون أحد الأرصفة مخصصًا للرجال، والرصيف المقابل الآخر للنساء .وساروا في حي غيئولا في القدس وطلبوا من سكان الحي الالتزام بالفصل».

وقد تمكن المتشددون اليهود من تأسيس ما سُمي بـ«دفيئات أصولية دينية خاصة بهم» في مناطق سكناهم، إذ يحرمون الاختلاط مع الآخرين من اليهود، وشكلوا مجموعات تعرف بـ«فرق العفاف الحريدية»، تقوم بمطاردة النساء، وحتى أنه من الممكن أن تقتحم عليهن بيوتهن بتهمة الإخلال بالشرف، وتمنع اليهودية من رئاسة الرجال في أي منصب بل أنه لا يحق لهن عند طوائف حريدية كثيرة تلاوة وتعلم التوراة والتلمود، ولا يُعترف بشهادتهن في المحكمة الحاخامية الدينية، ولا يُسمح لهن بلبس شال الصلاة أسوة بالرجال المتدينين.

 

المصادر

تحميل المزيد