تهتم إسرائيل بكل ما يدور دور حولها، تراقب الأعمال الأدبية والفنية والإعلامية في العالم، تتوقف عند ما ترى أنه يمس القومية اليهودية أو الصهيونية أو دولة «إسرائيل»، وتأخذ في مجابهة كل ما يعارض توجهاتها، بل توظف لهذا الغرض الأموال والعتاد والطواقم المختصة.

في إطار ذلك، جن جنون إسرائيل قبل أيام؛ لمجرد بث أبيات للشاعر الفلسطيني الراحل «محمود درويش»، وهو ليس الهجوم الأول على درويش، أو على تلك البرامج والقصائد والأفلام، التي يتم إخراجها بشكل مستمر.

حلقة لا تنتهي من ملاحقة الأدب والإعلام

قبيل التعمق في الأسباب السياسية الإسرائيلية لمجابهة الثقافة والإعلام العربي والفلسطيني، يمكننا الاستشهاد ببعض النماذج التي تؤكد على ذلك، من ذلك ما شهدته الأيام القليلة الماضية، من ضجة كبيرة، لما اعتبر «خطأ فادحًا»، ارتكبته إذاعة الجيش الإسرائيلي؛ إثر بثها مقتطفات من قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود دوريش؛ ففي مرة ليست الأولى للهجوم على درويش، اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي، «أفيجدور ليبرمان»، قصائد درويش مشابهة لكتاب «كفاحي» للزعيم الألماني «أدولف هتلر»، وقال إن درويش «يدعو من خلال قصائده إلى طرد الشعب اليهودي من إسرائيل، ويقوم بالتحريض على إسرائيل والشعب اليهودي، ويثير مشاعر العداء تجاههم».

لم تتوقف إسرائيل عند قصائد الشاعر الذي توفي في العام 2010؛ إذ لم تنته بعد قضية الشاعرة الفلسطينية «دارين طاطور»؛ فقد وصل الأمر لمقاضاتها، واعتقالها ثلاثة شهور في أكتوبر (تشرين الأول)، العام الماضي 2015، وإبقائها حتى الآن في الحبس المنزلي؛ وذلك بتهمة «التحريض على العنف»، لمجرد أبيات من الشعر نشرتها على صفحتها الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، تعرض أيضًا برنامج «غباش» الكوميدي، الذي يعرض على شاشة رؤيا لهجوم من قبل الإسرائيليين. وكتبت إحدى الصحف الإسرائيلية عن البرنامج «بعض الفنانين الفلسطينيين، أصبحوا قادرين على تنفيذ برامج ساخرة وتوعوية، وفي نفس الوقت تحرض ضد إسرائيل/ مثل برنامج غباش، الذي يعتمد على طريقة طرح خبيثة من مقدمي البرنامج؛ باستدراج الناس عن طريق أسئلة مموهة؛ لتوجيه إجابات الناس نحو التحريض على دولة إسرائيل».

أيضًا، في ديسمبر (كانون الأول) العام 2013، انتقدت القناة الإسرائيلية الثانية، برنامج تلفزيونيًا تبثه قناة الأقصى الفضائية، وقالت القناة إن برنامج «رواد الغد» يشجع الأطفال الفلسطينيين على المقاومة، ويغرز فيهم كره المفاوضات مع الإسرائيليين.

لم يتعلق الأمر بالفلسطينيين والعرب؛ بل  جندت إسرائيل حشودها لمجابهة الأمر على الصعيد الدولي؛ ففي يوليو (تموز) الماضي تلقت شبكة التلفزة الألمانية (ZDF)، انتقادات شديدة من إسرائيل، بدعوى بثها فيلم وثائقيًا، والذي حمل عنوان «ثقافة الكراهية». ورأت إسرائيل في الفيلم تبنيًا لـ«خط معاد لإسرائيل»، وبالفعل أجبرت الشبكة على وقف وإزالة الإعلان، ونشرت بيان اعتذار جاء فيه «تم اختزال صيغة الإعلان؛ ما جعله عرضه لسوء الفهم؛ لذلك نعتذر من كل من لحق به ضرر؛ نتيجة اختزال صيغة الإعلان».

انتهاج الأحادية الثقافية من قبل إسرائيل

تهتم إسرائيل بكل ما يعارضها من الأدب والفن، ولا تكف عن توجيه النقد على لسان مسؤوليها لما ينشر ويبث ويغنى ويدرس، يأتي ذلك في وقت يمتلئ إعلامها، وإنتاجها بكل ما يحرض على العرب والفلسطينيين.

يؤكد المحاضر والباحث في العلوم الاجتماعية، بجامعة حيفا، «خالد أبو عصبة»، أن السياسات الإسرائيلية، تحاول أن تؤيد وتدعم ـ فقط ـ الأعمال التي تشيد بها، في المجالات الأدبية والفنية، وذلك من باب «الأحادية الثقافية» التي تنتهجها في سياستها، مُؤكدًا على أنّه «كثيرًا ما تدعي السياسات الرسمية في إسرائيل على أنها، مع التعددية والتنوع الثقافي، إلا أن الواقع يشهد عكس ذلك؛ فهي تحرض على ما هو عربي، وذلك يشير للخلط الذي تقوم به ما بين الموقف السياسي والذوق الأدبي والفني».

ويستشهد أبو عصبة خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، بالهجوم المجدد على أدب محمود درويش من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي، لدرجة تشبيهه بهتلر. وبحسب أبو عصبة، فإن هذا الاستهتار باللغة العربية؛ من خلال تبني ورفض الأدب العربي، ما هو إلا دليل على النظرة الفوقية، والعقدة السياسية تجاه كل ما هو عربي، بغض النظر إذا كان هذا في مجال الأدب والفن، أو السياسة برمتها.

وأعرب أبو عصبةعن أسفه من أن «العرب قد اعتادوا على مثل هذا التحريض الإعلامي؛ ولذا باتوا لا يهتمون كثيرًا بما يكتب أو يقال»، داعيًا إلى عدم الكف عن التصدي وتعرية هذا النهج.

وختم بالقول «لا أقول بمقارعتهم ومحاججتهم فقط، بل تعرية مثل هذا التحريض؛ لأن السكوت يؤدي إلى المزيد من التهجم والتحريض، ليس فقط محليًا، إنما أيضًا دوليًا».

الثقافة الفلسطينية.. الحصن الأخير لإفشال الرواية الإسرائيلية

لا يجد الكاتب والصحافي الفلسطيني المقيم في لندن، «محمد المشارقة»، غرابة فيما أسماه «هستيريا المؤسسة الصهيونية»، تجاه تعبيرات الثقافة الفلسطينية، شعرًا وغناء وأدبًا، ومحاولة محو كل ما يتصل بالذاكرة التاريخية لأصحاب الأرض الأصليين؛ لأنها نقيضه الوجودي، والكاشف الطبيعي لحجم الجريمة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، حسب تعبيره.

يقول المشارقة: إنه «اعتمادًا على موازين القوى المادية، يسهل على إسرائيل مواجهة الفلسطينيين في الميادين السياسية والعسكرية»، موضحًا أنّه «بالرغم من التآكل الذي أصاب أدوات حركة التحرر الفلسطينية، ظلت الثقافة وحدها الحصن الأخير، والحامي للفكرة الفلسطينية العميقة، منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث فشلت إسرائيل في فرض روايتها التاريخية التي تسوِّغ وجودها على أرضنا».

ويشير المشارقة لـ«ساسة بوست»، إلى التزوير «الأركيولوجي» عبر التاريخ، والذي وصل ذروته في نهاية القرن 19؛ حين جرى تنزيل جغرافيا التوراة على الأرض الفلسطينية، حيث لم تجد الحفريات المستمرة منذ أكثر من 100عام ما يدعم ويعزز المزاعم الإسرائيلية، على حد تعبير المشارقة.

«لذلك كانت كل محاولات اختلاق تاريخ ثقافي، وتجسيده في الفنون والموسيقى والعمارة والزي والطعام، أشبه بخلطة هجينة تنتمي إلى سياقات خارج الزمان والمكان»، يقول المشارقة، مُضيفًا «فشلت إسرائيل في تكوين هوية ثقافية موحدة، بالرغم من كل العمليات القسرية في التربية والجيش، ولا زال مشروع بناء الهوية قلقًا، ولا زالت إسرائيل دولة تعيش على أسنة الرماح».

أهداف إسرائيلية وراء الهجوم على كل تراث أدبي «ثوري»

حركة دؤوبة في المجتمع الإسرائيلي، طواقم من الباحثين، والمختصين، يقومون بالعمل على تمحيص، وتحليل كل ما يخرج من الأدب والإعلام والفن في المجتمعات العربية والعالمية. حكومة هذا المجتمع تريدها ـ فقط ـ وفقًا وتباعًا ومطابقة لرواية السياسية الإسرائيلية، كما يرى المخرج والمحاضر في قضايا المسرح، «محمد عبد الرؤوف محاميد».

ويشير محاميد إلى أنّ الأهم، والذي يتبع السلسلة السابقة، هو «إبراز معارضتها لهذه الرواية؛ لذلك هم يفردون نقاشات في الكنيست، والإعلام، والاجتماعات الخاصة والعامة، ويقيمون بدراسات يتم نشرها كتابيًا أو الكترونيًا؛ بهدف إبراز ما تحويه برامج التعليم الفلسطينية، أو وسائل الإعلام الفلسطينية، وينتقدون دور هذه الوسائل لما يسمونه التحريض ضد إسرائيل».

ويتابع محاميد لـ«ساسة بوست»، أنّ«يهتموا بشرح تفاصيل مواد تعليمية؛ بوصفها تحريضية، على حد قولهم؛ لمقارعة السلطة الفلسطينية أمام شعبهم، وأمام الرأي العام العالمي؛ وكي يصلوا إلى وصف السلطة الفلسطينية على أنها عدائية، وليست صالحة للتفاوض وإرهابية».

ويتطرق محاميد إلى أهداف إسرائيل المتمثلة في الهجوم على كل تراث أدبي ثوري، من شأنه تطويق الرواية الفلسطينية لمحوها، والإبقاء على مصداقية الرواية الصهيونية، إضافة إلى صبغ السلطة الفلسطينية بالتطرف والإرهاب، لمحاربتها أمام المحافل الدولية، وإحراج الدول المتعاطفة مع القضية الفلسطينية.

ولا يستبعد محاميد ما أسماه «إيجاد تبرير لزرع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، بحجة التطرف الفلسطيني»، كما أنّه يقرأ في هذا التوجه الإسرائيلي العام؛ محاولة لفرض إرادتها، بتغيير مناهج التعليم الفلسطينية، التي تربي الطلبة على حب الوطن، كما فعلت بمناهج التدريس للمدارس في الداخل الفلسطيني؛ لأنها لا تعتبره وطنًا للفلسطينيين، حسبما قال.

وينتقد محاميد افتقار الساحة الفلسطينية العربية للأبحاث، التي تعتني بالرواية الإسرائيلية، ولذلك لا يُتمكن من دحرها، وتبقى هذه الرواية هي الغالبة، كما قال، خاتمًا حاديثه قائلًا «هناك من يجتهد، ويحاول تكذيب هذه الرواية، إلا أن معلوماته غير بحثية، وتستند في الأغلب على العاطفة الفلسطينية، لذلك غالبا ما تؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأنها تُبنى على الشتائم، ورفع الشعارات، التي لم تعد تجدي في عصر فيه المعلومات أصبحت متاحة بكبسة زر الكمبيوتر«.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد