كان لنكسة يونيو 1967 والانتصارات المدوية التي حققها الجيش الإسرائيلي في مواجهته للجيوش العربية، التي وجدت نفسها وقد خسرت في 6 أيام كل ما تبقى من فلسطين بالإضافة إلى هضبة الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية، كان لها الأثر الكبير في تدمير معنويات الشعوب العربية، وتعزيز مقولة إسرائيلية مفادها أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر وغير قابل للهزيمة، لكن محطات ومعارك ومواجهات لاحقة، أثبتت خطأ هذه المقولة، التي لا تعد كونها مجرد دعاية تدخل في إطار الحرب النفسية، فالجيش الإسرائيلي قابل للهزيمة، إذا توفرت عدة معطيات وأسباب قد تساعد الجيوش العربية وحركات المقاومة على مواجهة التفوق العسكري الواضح للإسرائيليين، بل وإلحاق هزائم وخسائر فادحة بهم.

نستعرض في هذا التقرير أبرز الهزائم والإخفاقات التي مني بها الجيش الإسرائيلي، مع الإشارة هنا إلى أن اختلاف الكثيرين حول التعريف الصحيح للهزيمة يجعلنا نناقش الموضوع من منظور عسكري بحت، فكل عجز إسرائيلي عن تحقيق الأهداف المسطرة لحرب ما هو بمثابة هزيمة عسكرية فعلية.

  1. معركة الكرامة 1968

احتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية التي كانت واقعة تحت الإدارة الأردنية في حرب يونيو 1967، ومنذ ذلك الحين، بدأت النشاطات الفدائية للمقاومة الفلسطينية، التي اتخذت من الضفة الشرقية لنهر الأردن داخل الحدود الأردنية منطلقا لعملياتها ضد العدو الإسرائيلي، فكان الرد الإسرائيلي بقصف المواقع الأردنية للضغط على الأردن حتى يكبح جماح المقاتلين الفلسطينيين، بل وكان القرار بشن هجوم موسع هدفه تدمير القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية.

حدث الهجوم الإسرائيلي في الساعة الخامسة والنصف فجر يوم 21 مارس 1968، من ثلاثة محاور رئيسية، جسر داميا وجسر سويمة وجسر الملك حسين، بالإضافة إلى محور رابع تضليلي.

Al_Karamah_Battle_field

خارطة سير معركة الكرامة

تصدت وحدات الجيش الأردني ومجموعات الفدائيين الفلسطينيين للقوات الغازية على طول جبهة القتال من شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت، واشتبكت الفرقة الثانية في الجيش الأردني مدعومة بالمقاتلين الفلسطينيين مع القوات الإسرائيلية في أعنف معركة في قرية الكرامة العريقة، في قتال شرس وعنيف استمر لما يقارب 16 ساعة، استعملت فيه الأسلحة الثقيلة، ورفض الملك حسين الذي أشرف على المعارك بنفسه وقف إطلاق النار قبل خروج الغزاة، مما أدى في نهاية المطاف إلى انسحاب قوات العدو الذي فشل في تحقيق أهدافه، وترك جثث القتلى والآليات المدمرة، والتي عرضت في الساحة الهاشمية، إذ بلغت خسائر العدو 250 قتيلا و450 جريحا في أقل من 18 ساعة، بالإضافة لتدمير 47 دبابة و53 آلية مختلفة وإسقاط 7 مقاتلات إسرائيلية.

22 Mar 1968, Amman, Jordan --- King Inspects Tank.  Amman, Jordan:  Jordan's King Hussein (wearing dark beret) stands on a tank which, according to Jordanian sources, was left behind by Israeli forces at the frontier following the March 21st attack.  The Jordanian military command said 45 Israeli tanks were destroyed and five fighter planes shot down before the Israelis withdrew across the Jordan River after the attack against Arab saboteur bases. --- Image by © Bettmann/CORBIS

الملك حسين على ظهر دبابة إسرائيلية معطوبة في معركة الكرامة

أثبتت هذه المعركة أهمية الجانب المعنوي، فقد أخطأ الجيش الإسرائيلي في تقديره لسهولة المهمة اعتمادا على المعنويات المهزوزة للجانب العربي بعد هزيمة 1967، بالعكس، كان ذلك دافعا للجنود والفدائيين التواقين لخوض اشتباك قوي يمحون فيه آثار الهزيمة خصوصا أن يوم المعركة كان موافقا للاحتفال بعيد الأم، من جهة أخرى ظهرت أهمية الجانب الاستخباراتي، فقد تعامل الجيش الأردني مع النوايا الإسرائيلية الحقيقية بجدية وفهم خطورة الهجوم وواجهه بشكل مناسب، ونضيف أيضا أن التفوق الجوي الإسرائيلي ليس نقطة قوة دائمة، فقد كان للانتشار الجيد والمحكم للقوات الأردنية على الأرض، وفهمها المعمق لطبيعة الميدان عكس قوات العدو، الأثر الكبير والواضح في تحجيم قوة الغطاء الجوي الإسرائيلي.

  1. حرب أكتوبر 1973

بعد سلسلة من المناوشات على الحدود مع شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ضد العدو الإسرائيلي، عرفت باسم حرب الاستنزاف، هاجمت القوات المصرية ظهر يوم 6 أكتوبر 1973، الموافق للعاشر من رمضان، والمتزامن مع يوم كيبور أو الغفران اليهودي، خط بارليف الذي روجت إسرائيل أنه غير قابل للاختراق، فيما هاجمت القوات السورية خط آلون في مرتفعات الجولان، مما شكل مفاجأة صادمة للإسرائيليين.

Egyptianbridge

عبور القوات المصرية لقناة السويس

نجحت مصر في اختراق خط بارليف خلال ست ساعات فقط من بداية المعركة، بينما دمرت القوات السورية التحصينات الكبيرة التي أقامتها إسرائيل في هضبة الجولان، وحقق الجيش السوري تقدمًا كبيرًا في الأيام الأولى للقتال واحتل قمة جبل الشيخ.

220px-Bar_Lev_line_fort

خط بارليف

640px-Israeli_A-4_Skyhawk_Wreckage

حطام طائرة سكاي هوك-4 إسرائيلية أسقطتها الدفاعات الجوية المصرية في حرب أكتوبر 1973

Assad_Tlass_war_1973

الرئيس السوري حافظ الأسد ووزير الدفاع مصطفى طلاس

أجبرت كل هذه التطورات القيادة الإسرائيلية على الاستنجاد بالولايات المتحدة الأمريكية التي شكلت جسرا جويا لدعم إسرائيل بالأسلحة والمعدات والذخائر، فكان الرد العربي بقرار وقف تصدير النفط، الذي تسبب فيما عرف لاحقا بأزمة البترول الأولى.

انتهت الحرب بوقف لإطلاق النار تبعه انطلاق عملية سياسية استعادت مصر بموجبها سيناء فيما بعد، فيما وصل الجانب السوري لاتفاقية لفض الاشتباك بعدما استعاد جزءا من هضبة الجولان ومدينة القنيطرة، وبلغت خسائر إسرائيل الإجمالية في هذه الحرب 10 آلاف قتيل و20 ألف جريح، وتدمير أكثر من 1000 دبابة، وإسقاط ما يقارب 350 طائرة.

أثبتت هذه الحرب أن للمخابرات الحربية دورا مهما في الإعداد والسرية المطلقة التي برهنت على نجاحها في مواجهة إسرائيل، كما ظهر جليا أن توحد العرب هو كلمة السر في هزيمة العدو، فقد شاركت إلى جانب القوات المصرية والسورية كتائب من جيوش عربية كالعراق والمغرب والجزائر والأردن وغيرها، وساهم القرار العربي الموحد بوقف تصدير البترول في الضغط على الولايات المتحدة الراعية الرسمية لإسرائيل، هذا الكلام يعززه بشكل عكسي ظهور خلافات بين السوريين والمصريين من جهة، وداخل القيادة المصرية نفسها من جهة أخرى، خلافات أدت لارتكاب أخطاء عسكرية واضحة لا يتسع المجال لشرحها هنا، مثل ثغرة الدفرسوار وإجبار السادات للفريق سعد الدين الشاذلي على الدفع بقوات المدرعات خارج مظلة الدفاع الجوي مما أدى لخسارة عدد من الدبابات والمدرعات المشكلة لنخبة القوات المصرية، ونعيد التذكير هنا بأن تفوق سلاح الجو الإسرائيلي ليس مطلقا، إذ يمكن مواجهته إذا توافرت عدة معطيات على الأرض، فصواريخ سام وشبكات الدفاع الجوي كانت مفاجأة هذه الحرب التي جعلت مقاتلات العدو تتهاوى كالذباب.

  1. حصار بيروت 1982

قامت إسرائيل بغزو لبنان صيف 1982، متذرعة باغتيال سفيرها في لندن، مع أن هدفها الحقيقي كان إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وفرض بشير الجميل كرئيس للبنان، كمقدمة لتوقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل، وإدخال لبنان بشكل فعلي في دائرة النفوذ الإسرائيلي، لكن هذه الخطة فشلت عقب اغتيال الجميل بعد انتخابه رئيسا للبلاد بأيام قليلة.

Troepen_idf

دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان في يونيو 1982

قاد العمليات الإسرائيلية أرئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت في الحكومة التي رأسها مناحيم بيغين. أعلن وقتها أن السبب هو دفع منظمة التحرير الفلسطينية وصواريخ الكاتيوشا إلى مسافة 40 كيلومترا عن حدود إسرائيل، لكن الأهداف تعدلت لاحقا، متمثلة في إجلاء كل القوات الغريبة عن لبنان ومن ضمنها الجيش السوري، تدمير منظمة التحرير الفلسطينية، مساعدة ميليشيات القوات اللبنانية على السيطرة على بيروت وتنصيبها كحكومة لبنانية تملك سلطة وسيادة على كامل التراب اللبناني، ثم توقيع اتفاقية سلام مع الحكومة اللبنانية وضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية.

في 5 – 6 يونيو 1982 بدأت إسرائيل قصفا جويا ومدفعيا كثيفا على مدينة صيدا وقرى النبطية والدامور وتبنين وعرنون وقلعة الشقيف الإستراتيجية. ودخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية في 6 يونيو 1982 وتم اجتياز المواقع التي كان يشغلها 7000 جندي تابعين لقوات الأمم المتحدة بكل سهولة.

لم يستغرق وصول القوات الإسرائيلية إلى العاصمة اللبنانية سوى بضعة أيام، للفارق المهول في القوى لصالح الجيش الإسرائيلي الذي حشد قوات أكبر من التي شاركت في الجبهتين السورية والمصرية في حرب 1973، وأيضا لفشل وحدات الدفاع الجوي السورية المنتشرة في بعلبك في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي الذي استخدم لأول مرة مقاتلات من طراز إف 15 وإف 16 مستفيدا من دروس الحرب السابقة، فتم إسقاط عدد كبير من المقاتلات السورية المتقادمة، ورغم ذلك فقد قاوم المقاتلون الفلسطينيون والجنود السوريون بضراوة، خصوصا في قلعة الشقيف وضهر البيدر والبقاع، وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر فادحة.

قام الجيش الإسرائيلي بفرض حصار على غرب بيروت قاطعا وصول المواد الغذائية والماء إلى تلك المنطقة حتى اضطر المدنيون لأكل القطط والكلاب، وتم منع الانتقال بين شطري بيروت واستمر القصف الإسرائيلي لغرب بيروت بصورة متفاوتة طوال شهر يوليو.

كان هدف القوات الإسرائيلية تحقيق نصر سريع حاسم، لكنها فوجئت بمقاومة عنيفة، قوامها عناصر المقاومة الوطنية اللبنانية، ومقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية، وجنود كتيبتين من الجيش السوري واصلتا القتال.

قصفت إسرائيل مدينة بيروت برا وبحرا وجوا لسبعة أسابيع متتالية، دون تحقيق نتيجة تذكر، فقد استمرت المقاومة في إلحاق الخسائر بالقوات الغازية، ومكن صمود المقاتلين من تحقيق ياسر عرفات لهامش مناورة أكبر في مفاوضاته لخروج الفدائيين من بيروت، وبالفعل تم التوصل لاتفاق يقضي بخروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت تحت حماية قوات دولية.

PLO_evacuation

خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان

دخلت القوات الإسرائيلية بيروت لتخرج منها فيما بعد تحت عنف ضربات المقاومة، واكتفت بشريط في جنوب لبنان، ليظهر مع مرور الوقت فاعل جديد في الساحة، يدعى حزب الله اللبناني، الذي قاوم احتلال الجنوب، ونفذ عمليات نوعية ضد الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي العميل، انتهت بانسحاب القوات الغازية سنة 2000.

صحيح أن فارق القوى كان واضحا لصالح العدو الإسرائيلي في عدوان وحصار بيروت 1982، لكن عنف المقاومة واستبسالها في الدفاع عن المدينة رغم الحصار الخانق منع إسرائيل من تحقيق أهدافها الكبرى للاجتياح، فلا هي دمرت منظمة التحرير الفلسطينية، ولا هي فرضت بشير الجميل كأمر واقع على اللبنانيين، ولا هي أدخلت البلاد رسميا في دائرة نفوذها، بل تحول لبنان الصغير إلى شوكة في حلق الاحتلال، وأول بلد عربي تنسحب منه القوات الإسرائيلية دون معاهدة سلام.

  1. حرب لبنان 2006

اتخذ حزب الله قرارا بأسر جنود إسرائيليين للضغط على الحكومة الإسرائيلية وإجبارها على التفاوض لتبادل الأسرى، وبالفعل جرت عملية الوعد الصادق يوم 12 يوليو 2006، عندما شن مقاتلو الحزب عملية عسكرية، أدت إلى أسر جنديين إسرائيليين، فبادرت مباشرة القوات الإسرائيلية واقتحمت الجدار الحدودي ودخلت إلى الأراضي اللبنانية، فكان المقاومون مترصدين ودمروا دبابتين وقتلوا 8 جنود آخرين.

أجرى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مؤتمرا صحفيا أكد فيه العملية، وقال أن الحزب وحده يتحمل المسؤولية، وشدد على أن التفاوض والتبادل هو السبيل الوحيد لاستعادة الأسرى، كما تحدث بثقة عن استعداد مقاتلي المقاومة لأي تدهور في سير الأحداث.

 الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله

و بالفعل، شنت القوات الإسرائيلية هجوما جويا على جنوب لبنان واستهدفت محطات الكهرباء ومطار بيروت وشبكة من الجسور والطرق، مما أدى إلى مقتل العشرات، كما انضمت قوات بحرية إسرائيلية للهجوم.

اختلفت أهداف إسرائيل من العملية منها إعادة الأسيرين ومنها ضرب بِنَى حزب الله وتحطيم قدراته العسكرية ومنها الوصول إلى الليطاني لمنع إطلاق الصواريخ.

رد حزب الله بقصف شمال الأراضي المحتلة بصواريخ كاتيوشا وفجر ورعد، وبلغت صواريخه مدينة حيفا، فيما أعلن نصر الله أن ترسانته قادرة على ضرب ما هو أبعد من حيفا، خصوصا بعدما عمل القصف الجوي الإسرائيلي على تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت، أبرز معاقل حزب الله، وبلغ التهديد المتبادل مداه عندما هدد الإسرائيليون بضرب العاصمة اللبنانية بيروت، فرد نصر الله مهددا بقصف مدينة تل أبيب، وأظهر الحزب مفاجأة جديدة بضربه لبارجة عسكرية إسرائيلية من نوع ساعر 5 في سواحل بيروت، بالإضافة لبارجة ساعر 4,5 وزورق سوبر ديفورا قبالة سواحل صور.

800px-Tyre_air_strike

خريطة المدن والمواقع التي طالتها صواريخ حزب الله في عمق الأراضي المحتلة

بدا واضحا أن القصف الجوي لن يحقق أي مبتغى، فقد فشل في تدمير منصات الصواريخ ووقف القصف المستمر على المستوطنات الإسرائيلية، القصف الذي تجاوز حيفا وبلغ مواقع جديدة في العفولة وبيسان والخضيرة، فكان القرار بالدخول البري الموسع لجنوب نهر الليطاني.

640px-Idf_back_from_lebanon

الدخول البري للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان صيف 2006

لم يكن الدخول البري بأكثر توفيقا، بل بالعكس، بدا جليا أنه كان منتظرا من قبل المقاومين، الذين أوقعوا خسائر فادحة في جنود الاحتلال ودبابته الشهيرة ميركافا، معتمدين بالخصوص على صواريخ حديثة موجهة ومضادة للدروع روسية الصنع تدعى كورنيت، تمكنت من إيقاف الهجوم الإسرائيلي وتعجيزه عن تحقيق أي هدف ملموس، وتوج ذلك بتنفيذ الحزب أكبر عملية إبادة لدبابات الميركافا الصهيونية المتطورة في الجنوب اللبناني قبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار، في كمين محكم في وادي الحجير في القطاع الأوسط للجنوب اللبناني بما سمي بعملية مقبرة الميركافا، حيث تمت أكبر عملية إنزال صهيونية لدبابات ميركافا في آخر لحظات الحرب لمحاولة الخروج على الأقل بإنجاز صهيوني من هذه الحرب ولكن المقاومة فاجأتهم بكمين محكم نتج عنه تدمير أكثر من 35 دبابة صهيونية تدميرا شبه كامل في يوم واحد.

صدر القرار الدولي رقم 1701 بوقف إطلاق النار، فانتهت الحرب بعد 34 يوما من اندلاعها بفشل إسرائيلي ذريع، إذ لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق أي هدف من عملياته، فقد عجز عن تدمير بنية حزب الله العسكرية، وفشل حتى في إبعاد خطر الصواريخ، ولم يتمكن من دفع مقاتلي حزب الله شمال نهر الليطاني، فتم تشكيل لجنة تحقيق حملت اسم فينوغراد أكدت فشل حرب لبنان الثانية، فاهتزت صورة الجيش الإسرائيلي بشكل كبير، بعدما تمكن حزب لا يرقى إلى صفة الجيش النظامي من إلحاق هذا الكم الكبير من الخسائر في صفوف أقوى جيش في الشرق الأوسط، مما أكد مرة أخرى كذب أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

 متحف لتخليد ذكرى حرب لبنان والخسائر التي أوقعها مقاتلو حزب الله في الجيش الإسرائيلي

أثبتت هذه الحرب مرة أخرى أن الإستعداد الكافي هو كلمة السر في تحقيق الانتصار، فقد اتضح لكل المتابعين والمحللين السياسيين والعسكريين أن حزب الله استعد جيدا لهذه المواجهة، وأعد ساحة المعركة بعناية وسرية مطلقة، سواء تعلق الأمر بشبكة الأنفاق أو منصات إطلاق الصواريخ، أو توزيع المواقع العسكرية في الجنوب اللبناني، بعد إدراكه منذ سنة 2000 أن الحرب قادمة يوما ما، فوجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام مقاتلين متمرسين ومستعدين جيدا، ومجهزين بأسلحة وترسانة صاروخية حديثة نسبيا، كما أن الحاضنة الشعبية لعبت دورا محوريا، فرغم موجات النزوح من القرى الجنوبية نحو بيروت، إلا أنها استمرت في دعمها لعمليات المقاومة وتصديها البطولي للهجوم الإسرائيلي.

  1. حروب غزة: 2008-2009، 2012، 2014

كان لفوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية سنة 2006، ثم الأحداث التي أدت لسيطرتها العسكرية على قطاع غزة سنة 2007، وأسر فصائل المقاومة للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الدور الرئيسي في فرض قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارا جويا وبريا وبحريا خانقا على القطاع، واستمرت المناوشات حتى انتهاء التهدئة واندلاع معركة الفرقان حسب التسمية الفلسطينية، أو عملية الرصاص المصبوب حسب التسمية الإسرائيلية، بين 27 ديسمبر 2008 و18 يناير 2009، ثم معركة حجارة السجيل أو عامود السحاب بين 14 و22 نوفمبر 2012، ثم معركة العصف المأكول أو الجرف الصامد، التي استمرت ل 51 يوما بين 8 يوليو 2014 و26 أغسطس 2014.

NORTHERN GAZA, GAZA, BEIT LAHIA, PALESTINE - 2015/04/24: Palestinian Territory - Members of Ezzedeen al-Qassam brigades, the armed wing of Hamas movement, march during a rally in solidarity with Palestinian prisoners in Israeli jails, in Beit Lahia, in the northern Gaza Strip. (Photo by Ahmed Hjazy/Pacific Press/LightRocket via Getty Images)

مقاتلو كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس

ركز الاحتلال الإسرائيلي بشكل كبير على القصف الجوي واستهداف المدنيين واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا كالنابالم والفوسفور الأبيض، وتجنب التوغل البري الموسع في القطاع، والاكتفاء بتوغلات محدودة خشية الوقوع في كمائن ومواجهات مفتوحة يقع فيها عدد كبير من القتلى أو الأسرى في يد المقاومين.

 جانب من الدمار الذي لحق بقطاع غزة جراء القصف الإسرائيلي

من جهتها، طورت المقاومة أساليبها القتالية الدفاعية والهجومية، وعلى مدى ست سنوات تقريبا هي المدة الفاصلة بين معركة الفرقان ومعركة العصف المأكول، بدا واضحا التحسن الملحوظ على تكتيكات المقاومة، التي زادت قوة ومدى صواريخها سواء عن طريق المجهودات الذاتية أو المساعدات الإقليمية، فطالت عدة مناطق في عمق الأراضي المحتلة كتل أبيب وحيفا وديمونا، واستطاعت تدمير وإعطاب عدد كبير من دبابات العدو وآلياته، وسيرت طائرات استطلاع هجومية في قلب المواقع العسكرية الإسرائيلية، ونفذت وحدات من القوات الخاصة في المقاومة عمليات عسكرية نوعية، خاصة في معركة العصف المأكول الأخيرة، في الهجوم على موقع ناحال عوز، والهجوم البطولي الذي نفذته الضفادع البشرية على القاعدة العسكرية البحرية في زيكيم، وأيضا كمين الشجاعية الذي أوقع عددا كبيرا من القتلى في صفوف جنود الاحتلال المنتمين للواء النخبة جولاني، وحدها مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي بقيت نقطة ضعف يعمل المقاومون على تداركها.

 الأنفاق الهجومية، سلاح المقاومة في مواجهة الجيش الإسرائيلي

 وحدات الضفادع البشرية في كتائب القسام

 وحدات القناصة

في كل مرة كان هدف الجيش الإسرائيلي واضحا: تدمير البنية العسكرية لفصائل المقاومة وكسر شوكتها، وإيقاف إطلاق الصواريخ على المستوطنات، وفي كل مرة كانت تفشل، بسبب عنف المقاومة التي تبديها الفصائل، رغم لجوء الجيش الإسرائيلي كعادته لارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين، في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية، التي تبدي في كل مرة تمسكها بخيار المقاومة كسبيل أوحد لمواجهة الاحتلال.

 نموذج طائرة بدون طيار بحوزة مقاتلي القسام

يتضح لنا إذن من كل ما سبق، أنه رغم التفوق الواضح للجيش الإسرائيلي، ربما على كل الجيوش العربية مجتمعة، إلا أن هزيمته ممكنة إذا توافرت عدة شروط، أهمها الاستعداد الجيد والسرية المطلقة والثقة بالنصر واستخدام عنصر المفاجأة، كما أن تراجع الجيوش النظامية وتغير خريطة الصراع لصالح حركات المقاومة المسلحة التي تتبنى أساليب حرب العصابات، كل هذا أجبر الجيش الإسرائيلي على التعامل مع معطيات جديدة أثبتت أنه لم ولن يكون أبدا جيشا لا يقهر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد