«دَقَّت ساعة الحقيقة، وحان الوقت للاعتراف بأن إسرائيل لا تريد السلام. نفدت ترسانة الأعذار، ولم تعد جوقة الرفض الإسرائيلية تُطرِب أحدًا. لقد نشأت أجيال كاملة هنا (في إسرائيل) على خداع الذات، والشك في احتمال تحقيق السلام مع جيراننا. منذ أيام شبابنا، أخبرنا ديفيد بن جوريون بأنه لو استطاع فقط لقاء القادة العرب، لجلب لنا السلام في عهده»، كان هذا ما كتبه جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس» يوم 8 أبريل (نيسان) 2007. 

ويضيف ليفي: «في أكثر أحلامنا جموحًا، لم نكن نتخيل أن يأتي اليوم الذي يمد فيه العالم العربي بأكمله يد السلام، ثم تدير لهم إسرائيل ظهر المجن. انقلب العالم رأسًا على عقب، وإسرائيل ما تزال هي التي تحمل راية الرفض، أصبحنا نهرب من هذه المبادرات (السلام) كما لو كانت الموت الناقع».

بعد بضع سنوات، وبينما لم يكد مؤتمر البحرين يضع أوزاره، حتى انبرى تامير باردو، مدير جهاز «الموساد» الإسرائيلي السابق (2011- 2016) متحديًا تفاؤل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالمؤتمر، وصرح لصحيفة «معاريف» العبرية بأنه «لا يوجد سلام في الأفق بالنسبة لإسرائيل أو للمنطقة»، مكررًا تحذيره الشهير: «حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني هو أكبر تهديد للأمن الإسرائيلي». 

وبينما كان اللغط ما يزال مستعرًا حول المؤتمر الذي اختارت له الإدارة الأمريكية اسمًا جذابًا «ورشة عمل السلام من أجل الازدهار بهدفِ التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية»، انضم شبتاي شافيت، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق (1989- 1996) إلى تامير باردو مؤكدًا أن «إسرائيل لا تريد السلام»، ولو تجرّأ نتنياهو على مخالفة اليمين الإسرائيلي، ومد يده للفلسطينيين؛ «سيُعدَم بدون محاكمة في وسط المدينة».

«أنت المقاومة ولو كنت وحدك».. 4 نماذج تبرز العداء الشعبي المصري لإسرائيل

إسرائيل لا تستطيع تحمُّل «تكلفة السلام»

خلال كل التحولات والمنعطفات والحروب الوحشية والمبادرات الدبلوماسية في مسار العلاقات العربية الإسرائيلية، كان الثابت الوحيد هو «العناد الإسرائيلي والرفض المستمر للتنازل عن السيادة على الأراضي الفلسطينية، والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة الدولة»، حسبما يقول جيمس زغبي، ويعترف حتى وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري

 

والسبب الحقيقي الذي يكابر الأمريكيون والإسرائيليون بعدم الاعتراف به عادة لهذه الحالة المزمنة، ما صرح به ناثان ثرال، مدير المشروع العربي- الإسرائيلي في «مجموعة الأزمات الدولية» وهو أن «تكلفة الاتفاق أعلى بكثير من تكلفة عدم إبرام أي اتفاق. ذلك أن الأضرار التي ستخاطر بها إسرائيل بسبب الاتفاق هائلة، وربما تشعل أكبر اضطرابات سياسية في تاريخ البلاد، وتطلق تمردًا عنيفًا في أوساط المستوطنين اليهود ومؤيديهم».

إسرائيل في غنى عن هذا الصداع المحتمل؛ فإذا فاتها السلام مع الفلسطينيين فلتستمتع بـ «السلام الذي تعيشه مع نفسها»، ويكفيها استرخاءً أنها في المرتبة 13 على قائمة أسعد دول العالم، ناهيك عن العلاقات الدافئة مع جيرانها العرب، سرًّا وعلنًا، وطالما استمرت تهديدات ملالي الشيعة فلا خوف من أن ينفض ملوك السنة عن «إسبرطة الشرق الأوسط»، أو يبني «العرب تحالفًا يهدد وجود (إسرائيل) على غرار الستينيات والسبعينيات».

«خطيئة السلام».. جراب الحاوي الإسرائيلي لا ينفد

نجح الإسرائيليون «الذين لا يريدون السلام» – بشهادة رئيس «الموساد» السابق شبتاي شافيت- في إقناع شرائح يهودية كبيرة بأن «أوسلو كانت أم الخطايا جميعًا، وأن الرغبة في السلام هي أيضًا خطيئة».

خلال أوائل الثمانينيات، كانت الذريعة التي يتكئ عليها الإسرائيليون لرفض السلام هي رفض «منظمة التحرير الفلسطينية» الاعتراف بإسرائيل. وحين اعترفت المنظمة بسيادة إسرائيل على 78% من فلسطين التاريخية، في عام 1988، وهو «تنازل تاريخي صعب للغاية»، حتى بمقاييس كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، كانت المكافأة الإسرائيلية هي زيادة عدد المستوطنات الإسرائيلية المبنية على 22% المتبقية من الأراضي الفلسطينية بواقع ثلاثة أضعاف.

ثم انتقلت إسرائيل إلى عذرٍ جديد، هو: عدم الاعتراف العربي. وحين قدمت جامعة الدول العربية مبادرة السلام العربية، في عام 2002، وتتضمن اعتراف 57 دولة ذات غالبية عربية وإسلامية بإسرائيل مقابل احترام قرارات الأمم المتحدة، كان الرد الإسرائيلي مرة أخرى، هو: المزيد من المستوطنات.

لم يكن الضجيج يهدأ حتى يثور من جديد، حول «السلام»، لكن جعبة الأعذار الإسرائيلية كانت دائمًا مملوءة لا تنفد، وساسة إسرائيل مستعدون لإخراج حزقيا وإِشَعْيَاء شخصيًّا من قبورهم للدفاع عن الاحتلال، إذا كان هذا هو ثمن استمرار الوضع الراهن إلى أجل غير مسمى. فإذا لم يكفِ هؤلاء القادة التاريخيين لقطع ألسنة الفلسطينيين المطالبين بحقوقهم، فيمكن للحاوي الإسرائيلي استحضار أرواح ضحايا الهولوكوست وهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ولا بأس من إعادة جلعاد شاليط للأذهان؛ طالما أن ذلك كفيل بخلط الأوراق واستدرار عطف اليهود ومؤيديهم حول العالم.

المتطرفون اليهود لا يوزعون الورود.. «نلتقي في الحرب القادمة»

الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، التي رسخت قبضة رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو على السلطة، على وعدٍ ببسط السيادة على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، «لا تبشر بخير لأي رؤية مستقبلية للسلام تتضمن دولة فلسطينية مستقلة». هذا ما أدركته الصحافية «ألكسيا أندروود» من واقع نشأتها بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، ولم يدركه حتى الآن بعض من أفنوا أعمارهم على هذه الأرض المنكوبة بأهلها قبل نكبتها بعدوها. 

«نعم، الإسرائيليون منقسمون حول بعض القضايا الخاصة بتركيبتهم الاجتماعية والاقتصادية، لكنهم أيضًا موحدون بحزم حول القضية التي يجب أن تهمنا أكثر: استمرار إخضاع الشعب الفلسطيني»، كما يقول الصحافي رمزي بارود. حتى الكلام المعسول، لم يكلف أي مرشح خلال الحملات الانتخابية خاطره بنثره على رؤوس الجماهير، «ولم يتحدث أي حزب رئيسي عن السلام، ناهيك عن تقديم رؤية شاملة لتحقيق ذلك، ولم يطالب أي سياسي بارز بتفكيك المستوطنات اليهودية غير القانونية التي أقيمت على أراض فلسطينية منتهكةً القانون الدولي، ولم يتحدث أحد عن حل الدولتين. والآن أصبحت الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة. وبات الاحتلال العسكري والفصل العنصري حقائق غير قابلة للنقاش».

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

وفي ظل سيطرة اليمين الإسرائيلي منذ أكثر من عقد على المشهد العام، وتمتع المتطرفين بأغلبية في الكنيست والحكومة وشعبية في أوساط الناخبين، يتردد صدى ما كتبه جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس» قبل ثماني سنوات، وما يزال صالحًا حتى اللحظة: «لقد أثبت (نتنياهو) للعالم أن إسرائيل لا تريد التوصل إلى اتفاق ولا إقامة دولة فلسطينية، ولهذا السبب لا سلام. إلى لقاء في الحرب القادمة».

الفلسطينيون باقون.. الإسرائيليون لا يمتلكون «طاقية الإخفاء»

لم يكتب جدعون ليفي ذلك بدافع التشاؤم الذي لا أساس له، بل كان يستشرف المستقبل بدقة بناء على معطيات الواقع. فقبلها بسنوات، وتحديدًا في ديسمبر (كانون الأول) 2008، كانت كل الظروف سانحة لوقف عملية «الرصاص المصبوب»، بعد موافقة خالد مشعل على تجديد وقف إطلاق النار بشروطه نفسها، لكن إسرائيل أصرت على قصف القطاع المكتظ بالسكان من الجو والبحر والبر لمدة 22 يومًا، فقتلت 1417 شخصًا، بينهم 313 طفلًا، وأصابت أكثر من 5500 آخرين. 

«زعمت إسرائيل أنها تدافع عن نفسها وتحمي مدنييها من هجمات حماس الصاروخية، بيد أن الأدلة تشير إلى حرب عدوانية متعمدة وعقابية. كان أمام إسرائيل بديل دبلوماسي، لكنها اختارت أن تتجاهله وتلجأ إلى القوة العسكرية الوحشية»، هذا ليس مجرد استنتاج توصل إليه آفي شلايم، أستاذ العلاقات الدولية بكلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، بل أكده تقرير لجنة القاضي ريتشارد جولدستون الذي أعد بطلب من الأمم المتحدة.

حتى لو لم يعلن إسحاق شامير أن «إسرائيل ليست ضد الإرهاب، بل فقط ضد الإرهاب المعادي لها»، فإن الواقع يؤيد ذلك، إذ يستفيد الإسرائيليون بشكل كبير من «التعايش مع الإرهاب»: يبنون منازلهم على أراضٍ سرقوها من الفلسطينيين، ويشربون من المياه الفلسطينية، ويجنون أرباحًا مما ينبغي أن يكون غاز غزة، وتختبر صناعتهم «الأمنية» المربحة منتجاتهم الجديدة على المدنيين المحاصرين في القطاع والضفة.

وإذا كان التلاعب بالألفاظ يكفي للإفلات من العقاب، فلتبدأ لعبة المصطلحات: ولتطلق إسرائيل على إرهابها وصف «مقاومة» قبل إعلان نفسها دولة، و«دفاع» بعد إعلان قيام الدولة، وليصبح الإرهابيون اليهود مجرد «مسلحين»، وليتحوّل الفلسطينيون الذين يدافعون عن أرضهم إلى «إرهابيين»، طالما أنهم يعترضون على انتزاع أرضهم ومواردهم بالقوة. 

وبرأي البعض، حين تصل الأمور إلى هذا الحد، فلتراهن الإدارة الأمريكية كما تشاء على أن المال كفيل بإغراء الفلسطينيين بقبول خطة السلام التي يروج لها الرئيس دونالد ترامب، والمعروفة إعلاميًّا بـ«صفقة القرن». ولتعقد واشنطن المزيد من مؤتمرات البحرين لـ«تشجيع الاستثمار في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة»، لكن الجميع يعلم أن ديفيد ملخ فريدمان، المحامي الذي تخصص سابقًا في قضايا الإفلاس وأصبح الآن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، أو حتى مبعوث السلام الملياردير صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر أو حتى ترامب شخصيًّا بشحمه ولحمه وشعره، لا يمتلك أحد منهم قوة سحرية تمكنه من جعل الفلسطينيين يختفون.

العجز يطارد الموازنة.. هل تقترب إسرائيل من أزمة اقتصادية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد