كي يخرج طفل في عمر الخامسة من حارة جابر في البلدة القديمة بمدينة الخليل، قاصدًا روضته، عليه أن يمر على خمسة حواجز إسرائيلية تعج بالجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح، مهمتهم تفتيش جسد هذا الطفل وحقيبته.

بقعة الأمان الصغيرة، التي تحيط بتفاصيل يوم هذا الطفل؛ مبعثها رجل أو سيدة يرتدون بزة كتب عليها بالعربية «مراقب دولي»، فهؤلاء هم قوة المراقبة الدولية المؤقتة في الخليل (تيف)، والذين يحمون هذا الصغير وغيره من الفلسطينيين، من همجية المستوطنين الذين يحدقون النظر في الصغير، بحثًا عن فرصة للاعتداء عليه.

الشعور بالأمان المحدود لدى هذا الطفل وغيره، انتهى مع قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي إنهاء عمل المراقبين الدوليين في الخليل بعد 25 عامًا من تواجدهم في المدينة الأكبر بالضفة الغربية المحتلة، والتي يعيش فيها نحو 600 مستوطن بين نحو 200 ألف فلسطيني، يحميهم آلاف الجنود الإسرائيليين، ولا يكفون عن الاعتداء على كل ما هو فلسطيني في المدينة.

في الخليل.. إسرائيل تتخلص من الشاهد الوحيد على جرائمها

لن نسمح بمواصلة وجود قوة دولية تعمل ضدنا. *رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.

تبع هذا التصريح قرار رسمي في اليوم الأخير من يناير (كانون الثاني) 2019 بعدم تجديد ولاية قوة المراقبة الدولية المؤقتة في الخليل (تيف). 

مراقب من البعثة الأممية في الخليل

ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتهم فيها إسرائيل البعثة بالقيام بأنشطة مناهضة لها، إذ سبق وأن اشتكت من عناصر عاملة في هذه البعثة خلال السنوات القليلة الماضية، اتهمتهم بالانحياز للفلسطينيين.

«ساسة بوست» تحدث إلى المواطن الفلسطيني عارف جابر، الذي يعيش في حارة جابر جنوب الخليل، وتحديدًا شرق الحرم الإبراهيمي الشريف، ويجاور حارته تلك حارة السالمية والحصيني، وهي المنطقة التي تشكل في الأساس قلب الخليل النابض.

لكن هذا القلب النابض تحول بعد عام 2000 إلى منطقة مغلقة بقرار عسكري إسرائيلي، تحاصره عشرات الحواجز والسترات الإسمنتية، وهي حواجز تعمل معابر، وفيها يتعرض السكان بشكل مباشر ومستمر لاعتداءات المستوطنين والجنود الإسرائيليين.

فهذه المنطقة تتقاطع مع شارعين مهمين يصلاها بالحرم الإبراهيمي من ناحية، ومن ناحية أخرى بالمستوطنات الإسرائيلية، وأخطرها «كريات أربع»، لذلك يتعرض سكان المنطقة لاعتداءات المستوطنين بالضرب والتكسير وحرق الممتلكات، وكذلك لاعتداءات أفراد الجيش الإسرائيلي، سواء بالتفتيش المهين على الحواجز، أو بالضرب والاعتقال أحيانًا أخرى.

ويذكر جابر خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن هناك حملة شرسة من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، هدفها تفريغ هذه المنطقة في الخليل والتي يوجد بها أربع مدراس، عن طريق التضييق على الطالبات والطلاب لدفعهم إلى التسرب من المدرسة ومن ثم إغلاق هذه المدارس، ويوضح جابر: «كان عدد سكان هذه المنطقة بالآلاف، وبسبب الضغط المنظم والتضييق تقلص عدد العائلات إلى بضع مئات، ولذلك أناشد أن لا تترك هذه المنطقة للخطط الإسرائيلية».

مراقب من وحدة التواجد الدولي المؤقت في الخليل يتابع جندي إسرائيلي

ويتابع القول جابر: «المراقبون الدوليون هم الشاهد الوحيد المسموع للعالم، حيث لا يسمح للصحفيين والحقوقيين والمتضامنين الأجانب في الدخول الى المناطق المغلقة في الخليل، واليوم مع توقف المراقبين عن العمل سيكون هناك اعتداءات بدون توثيق».

وكانت الدول الأعضاء المساهمة في القوة الدولية قد ذكرت في بيان خاص لها بعد طرد البعثة الأممية أن: «القرار الإسرائيلي بالانسحاب من الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي إنهائها، يشكل خروجًا عن اتفاق أوسلو 2، لعام 1995»، وأعرب البيان عن قلق الدول الأعضاء «إزاء تقويض إحدى الآليات لحل الصراع القائم» مشددًا أنه «على إسرائيل الالتزام بحماية سكان الخليل وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة».

«بيزنس إنسايدر»: جولة في «الخليل» لفهم حقيقة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (صور)

وتضم هذه القوة نحو 60 مراقبًا من جنسيات نرويجية وسويدية وإيطالية وسويسرية وتركية، ويتم التجديد لها كل ستة أشهر منذ عام 1994، إثر المجزرة التي ارتكبها المتطرف باروخ جولدشتاين، في 25 فبراير(شباط) عام 1994، واستشهد فيها 29 فلسطينيًا وجرح العشرات أثناء تأديتهم صلاة الفجر، وتقتصر البعثة على كتابة التقارير حول الاعتداءات الإسرائيلية، وخروقات القانون الدوليّ الإنسانيّ وقانون حقوق الإنسان، ومشاركة التقارير مع الدول المشاركة في البعثة، إضافة إلى إسرائيل والسلطة.

 

المواطن في المنطقة المغلقة بالخليل.. مجرد رقم

إذ ما نطق الجندي الإسرائيلي على أي من الحواجز الإسرائيلية المؤدية بالمار إلى شارع الشهداء الذي يتوسط مدينة الخليل بالرقم 711، فهذا يعني أن المقصود هو المواطن الفلسطيني مفيد الشرباتي البالغ من العمر 50 عامًا، والحدث هو الإياب أو الذهاب إلى منزله في هذا الشارع.

«مجرد رقم»، هكذا يصف الشرباتي نفسه عند تعامل قوات الاحتلال معه على الحواجز المؤدية لمنزله، فهو يسكن في منطقة مغلقة عسكريًا من قبل الاحتلال منذ ثلاث سنوات، وكي يصل إلى منزله يمر على أكثر من حاجز إسرائيلي ويخضع لأكثر من تفتيش إلكتروني على كل حاجر، يقول الرجل لـ«ساسة بوست» بحسرة: «ممنوع أن يزورنا أحد، لا إخواني ولا أهلي ولا معارفي، وفوق كل ذلك يفصلني عن مجموع المستوطنين أمتار قليلة، ولا يفصلني عن اعتداءاتهم اليومية أي مسافة».

ويضيف الشرباتي: «وجود المراقبين الدوليين ضرورة حتمية لفضح جرائم الاحتلال والانتهاكات اليومية، لكن ما نلاحظه أن إسرائيل في كل انتخابات رئاسية أو انتخابات برلمانية تضع مدينة الخليل هدفًا في الدعاية الانتخابية، وفي هذه الانتخابات -التي مزمع عقدها في أبريل (نيسان) المقبل- رأى الإسرائيليون ضرورة إزاحة التواجد الدولي من مدينة الخليل، كي يكون هذا القرار بمثابة كارت رابح في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية».

مراقب دولي يوثق أحداث في الخليل

يقول الشرباتي أن الانتهاكات التي يتعرض لها وعائلته شبه يومية وكثيرًا ما تكون أكثر من مرة يوميًا، موضحًا: «يتم الاعتداء عليّ لفظيًا أو جسديًا، وكذلك يتم الاعتداء على أبنائي وزوجتي»، واستدراكًا لما أقدمت عليه قوات الاحتلال بوقف عمل المراقبين الدوليين في الخليل، يكثف الشرباتي وغيره من نشطاء المدينة العمل من أجل توعية الأطفال والنساء والشيوخ حول آلية توثيق الانتهاكات بحقهم، ولذلك قاموا بتدريب أبنائهم وبناتهم والجميع على حمل الكاميرا واستخدامها في توثيق أي حدث ممكن، وأطلق نشطاء الخليل مؤخرًا ومن ضمنهم الشرباتي حملة «فككوا الجيتو عن الخليل»، في محاولة منهم لمجابهة زيادة عدد الحواجز، والقيود المتصاعدة على الحركة، وفرض نظام الأرقام للدخول إلى المناطق المغلقة في الخليل القديمة، والذي أنتج نوعًا من «الجيتو» الذي عانى منه اليهود أنفسهم من النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

«إن غاب القط».. اعتداءات المتطرفين اليهود ستتزايد

لن تنسى المربية الفلسطينية فريال أبو هيكل مشهد المستوطنين في حيها قبل أيام، وهم يوزعون الحلوى، ابتهاجًا بقرار حكومتهم طرد بعثة المراقبين الدوليين من الخليل، فهؤلاء الذي يعيشون في مستوطنة «رمات يشاي» المقامة على أراضي حي تل الرميدة حيث تقطن فريال، كانوا فرحين للغاية بالتخلص من المراقبين، الذي كانوا دائمًا الشاهد الذي يتخذ دوليًا بشهادته على الاعتداءات على الفلسطينيين.

تعود فريال بالذاكرة بضع سنوات، حين كانت تتولى إدارة مدرسة قرطبة الواقعة في قلب مدينة الخليل، فيحضر المراقبون الدوليون لمتابعة سير ذهاب وإياب الطالبات، فتشعر هي بالأمان في وجودهم من اعتداءات المستوطنين، تلك الاعتداءات التي تتم بشكل دائم وتتضاعف في الأعياد والمناسبات اليهودية، عندما يتعرض الجميع لاعتداء لفظي أو جسدي.

تقول أبو هيكل لـ«ساسة بوست»: «في عام 2004 دخل أفراد من الجيش الإسرائيلي منزلي، وأطلقوا الرصاص على كل شيء من أثاث ومرافق، ولم يسمحوا بدخول المراقبين إلا بعد انتهائهم من تدمير كل شيء، لكن وبرغم منعهم من قبل الاحتلال من الدخول لمناطق الجرائم الإسرائيلية، كما يحدث عند إعدام الفتية تحت ذريعة محاولات طعن الجنود، إلا أن وجودهم مهم للغاية».

إسرائيل تعلن إنهاء مهمة المراقبين الدوليين في الخليل

يؤكد منسق تجمع «شباب ضد الاستيطان» في الخليل، عيسى عمرو، أن قرار عدم التجديد لبعثة المراقبين الدوليين في الخليل دخل حيز التنفيذ، فالمراقبون الدوليون لم يغادروا مقراتهم منذ اليوم الأول في فبراير (شباط) الحالي.

ويقول عمرو: «هذا قرار سياسي ويعبر عن التطرف الإسرائيلي ضد التواجد الفلسطيني في مناطق (h2) في الخليل، وهو انتهاك واضح للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني»، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «القرار بمثابة ضوء أخضر للمستوطنين لارتكاب مجازر جديدة مثل مجزرة الحرم الإبراهيمي التي حدثت قبل 25 عامًا، ومقدمة لإعطاء المستوطنين الضوء الأخضر لطرد الفلسطينيين من بيوتهم والاعتداء عليهم والتنكيل بهم من قبل الجيش والشرطة الإسرائيلية في قلب مدينة الخليل، وأيضًا استجابة لنداءات المستوطنين بفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق (h2) في الخليل».

ويشير عمرو إلى أن: «الاعتداءات مستمرة منذ سنوات، و كان التواجد الدولي يشهد ويوثق مثل هذه الاعتداءات، فقد وثق المراقبين الدوليين 40 ألف اعتداء خلال 20 عامًا، وهو رقم كبير جدًا وخطير، وأتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام وتزيد الاعتداءات ونوعيتها بعد طرد البعثة».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد