«إنّه الدوران في الحلقة المُفرغة ذاتها، فالفلسطينيّون في حاجة إلى الدعم لإعادة البناء، لكنّهم ما أن يبدؤوا بالوقوف على أقدامهم، حتى تعود إسرائيل لدفعهم للخلف من جديد. على هذه الحلقة أن تتوقف فورًا»، بهذه الكلمات التي تصف واقعًا جليًا، تفتتح «بام بيلي»، السكرتير العام لـ«المرصد الأورو ـ متوسطي لحقوق الإنسان»، أحدث تقارير المرصد، عن الانتهاكات الإسرائيلية، التي تطال ـ تحديدًا ـ مشاريع إعادة الإعمار في فلسطين، الممولة من الاتحاد الأوروبي.

الحرب قديمة.. ولكن

وكسياسة عامة قديمة، تقف السلطات الإسرائيلية بالمرصاد، لأية مُحاولات إعادة إعمار، أو مُساعدات مُقدّمة للفلسطينيين من قبل الاتحاد الأوروبي أو غيره، إلا أنّه مُؤخرًا ازدادت تلك العراقيل الإسرائيلية، تحديدًا فيما يخص المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي؛ وذلك في سبيل الضغط عليه، بعد قرار الاتحاد، في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسم منتجات المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المُحتلة.

ووفقًا لتقرير المرصد، فإن الشهور الثلاثة الأولى فقط، من العام الجاري 2016، شهدت ارتفاعًا في عمليات هدم المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي، بنسبة شهريّة تزيد الضعفين، عمّا كانت عليه، فقبل ذلك، كان متوسط معدل الهدم الشهري، يُقدر بحوالي 50 عملية هدم، وذلك خلال الفترة ما بين عامي 2012 و2015، إلا أنه في الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري، زاد المُعدّل إلى 165 عملية هدمٍ شهريًا.

هذا، وكان قرار اللجنة التنفيذية للمفوضية الأوروبية، في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بوضع مُلصقات لوسم مُنتجات المستوطنات الإسرائيلية، المُتداولة في أسواق دول الاتحاد الأوروبي، قد أثار حفيظة الإسرائيليين، الذي أعربوا عن غضبهم هذا بالقول علنًا؛ إذ تعتبر إسرائيل أنّ القرار نتاج مسيرة طويلة للدفع تجاه تجريم الممارسات التوسعية الإسرائيلية على حساب الأراضي الفلسطينية، وحصار تلك الممارسات سياسيًا واقتصاديًا.

على المستوى العملي، وكرد فعل على القرار، توسعت إسرائيل في عمليات هدم المشاريع المُمولة من قبل الاتحاد الأوروبي، كما ذكرنا، إلا أنّ عمليات الهدم أو عرقلة إنفاذ المشاريع، ليست بالسياسة الإسرائيلية الجديدة، فمنذ 2001، دمّرت إسرائيل، حوالي 150 مشروعًا كاملًا من المشاريع التطويرية، الممولة من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن يتحمّل الاتحاد الأوروبي خسارة نحو 58 مليون يورو، فيما يبلغ إجمالي الخسارة التي مُني بها الاتحاد الأوروبي، سواءً في المشاريع التطويرية أو الإنسانية، منذ عام 2001، وحتى شهر مايو (أيار) من العام الجاري، حوالي 65 مليون يورو، 23 مليون منها، في الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزّة المُحاصر، في 2014، وذلك وفقًا لتقديرات المرصد الأورو ـ متوسطي.

سياسة التدمير

لدى السُلطة الفلسطينية علاقات جيّدة مع الاتحاد الأوروبي، الذي سعى إلى تطبيع، وتفعيل علاقاته مع الفلسطينيين، في سبيل ضمان الحفاظ على «صلاحية حل الدولتين». كذلك أيضًا، يُعد الاتحاد الأوروبي المانح الأكبر للفلسطينيين، سواءً بمشاريع تطويرية، غالبًا ما يرعاها البنك الدولي، أو مشاريع إنسانية، جُزء كبير منها مُوجه عبر وكالة «غوث» وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (أونروا).

إسرائيل

تُحارب إسرائيل الاتحاد الأوروبي باستهداف مشاريعه في فلسطين (مصدر الصورة: vosizneias.com)


على ما يبدو، فإنّ هذه العلاقات، التي امتدت إلى تبادلات أمنية وثقافية، تُقلق إسرائيل،. وعلى كُلّ، وإن لم تكن تُقلقها، فالواقع أنّ المساعدات الأوروبية بمثابة عصب كيان السلطة الفلسطينية، وما تُمثّله من سيادة، لذا فإنّ أي احتكاك إسرائيلي بالسلطة الفلسطينية والفلسطينيين، غالبًا ما سيُؤثّر على منح ومُساعدات الاتحاد الأوروبي.

وفيما يخص سياسة تدمير المشاريع التطويرية، وغيرها من المشاريع الممولة والممنوحة، فإنّ إسرائيل تنطلق من الخريطة التي أقرتها اتفاقية «أوسلو»، والتي بموجبها قُسّمت الضفة الغربية المُحتلة، إلى ثلاث مناطق إدارية، يُرمز إليها بـ«أ» و«ب»و«ج»، الأولى (أ) تُمثّل 18% من إجمالي مساحة الضفة، وتخضع كاملةً لسيطرة السلطة الفلسطينية، فيما تُمّثل المنطقة «ب»، حوالي 22% من مساحة الضفة، وتدخل ضمن نطاق السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية، إلا أنها تتقاسم مع الإسرائيليين المسؤولية الأمنية لها.

المنطقة «ج»، والتي تُمثّل الجزء الأكبر من الضفة (حوالي 60% من مساحتها)، تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية، وهي نفسها أكثر المناطق التي تشهد، إمّا تعنّتًا أمام المشاريع الإنمائية والتطويرية الممولة، أو هدمًا لما أُقيم منها بالفعل.

وبالرغم من أنّ المسؤول عن الخدمات التعليمية والصحية في هذه المنطقة، هي السلطة الفلسطينية، إلا أنّ حق الموافقة أو الرفض على إنفاذ المشاريع، وتصاريح البناء، في يد إسرائيل. يُشار إلى أنّه، وخلال الفترة ما بين عامي 2010 و2014، لم تُوافق إسرائيل سوى على 1.5% فقط من طلبات الحصول على تصاريح بناء في المنطقة.

هذا، ولم يتوقف التطاول الإسرائيلي عند حد المشاريع، لكنه كان، ولم يزل ينال ـ أيضًا ـ الممتلكات المدنية الخاصة، تحت ذرائع تراخيص البناء. يُضاف إلى ذلك، التعنت في تطوير، أو حتى استخدام البنية التحتية، ومرافق المياه والكهرباء؛ إذ إنّ حوالي 70% من التجمعات السُكّانية الواقعة في المنطقة «ج»، تُعاني من عدم وصول المياه إليها.

على إثر ذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خُطوات تصعيدية ضد السلطات الإسرائيلية، بدايةً من إعلان الاعتراض على السياسات المُنفذة في المنطقة «ج»، مرورًا بإصدار قرارٍ يُعارض بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المُحتلة، وذلك في يناير (كانون الثاني) 2015.

وفيما يخص «القدس الشرقية»، وعلى اعتبار أنّها لم تزل منطقة نزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تنطلق إسرائيل في عملية بسط نفوذ سريعة وممنهجة، تشتمل التوسع في بناء المستوطنات على أراضي المدينة، وتقليص مساحات الأرض المُخصصة للفلسطينيين، بمصادرتها، وهدم المباني والمُنشآت عليها، فخلال الفترة ما بين عامي 2000 و2013 هدمت إسرائيل أكثر من 1230 مبنى في القدس الشرقية، وفقًا لإحصاءات المرصد الأورو ـ متوسطي.

حصاد الحرب

في 2012 أعدت المفوضية الأوروبية، قائمة بالمشروعات الممولة من الاتحاد الأوروبي في فلسطين، والتي تعرضت لها إسرائيل بالتدمير أو إلحاق الضرر، خلال الفترة ما بين مايو (أيار) 2001 وأكتوبر (تشرين الأوّل) 2011، لتتضمّن 82 مشروعًا، بإجمالي 30 مليون يورو خسارة مُباشرة، من بينها حوالي 26 مشروعًا في الضفة الغربية المُحتلة.

لكن المُفارقة هو تسارع وتيرة الحرب الإسرائيلية على مشاريع الاتحاد الأوروبي، وتصعيدها؛ إذ شهد عام 2012 عمليات تدمير تُقارب العمليات المسجلة على مدار السنوات العشر السابقة، فقد أقدمت إسرائيل على تدمير حوالي 79 مبنى ومُنشأة ممولة من الاتحاد الأوروبي، وفي الشهور الستة الأولى من عام 2013 دمرت إسرائيل أكثر من 54 مُنشأة.

إسرائيل

الجرافات الإسرائيلية تهدم مصنعًا فلسطينيًا للألبان جنوب الضفة الغربية المحتلة


في 2015 وبعد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة المُحاصر في 2014، وما أدّى إليه من دمار رهيب، عادت إسرائيل لعمليات التدمير التقليدية في الضفة الغربية، بتدميرها 108 منزلًا سكنيًا، دُمّر في شهر واحد فقط، وهو شهر أُغسطس (آب) حوالي 63 منزلًا سكنيًا لفلسطينيين، في الضفة الغربية المُحتلة، ومُبرر إسرائيل لكل تلك العمليات، هو «البناء غير القانوني»، أو «البناء دون تراخيص».

بالفعل يسعى الاتحاد الأوروبي، إلى إنفاذ حل الدولتين، ويدفع في سبيل ذلك، فهو ببساطة يرى أنّ الحفاظ على استحقاق «حل الدولتين»، كفيل بالوقوف في وجه أي عُدوان أو «تطرّف» من داخل الأراضي المُحتلة ضد الإسرائيليين، لكن الواقع يقول إنّه من بات الهاجس الأكبر الآن، هم الإسرائيليون، الذين يُمثلون العائق الأساسي أمام إنفاذ حل الدولتين. يُمكن رُؤية ذلك بوضوح في تصريحٍ مدير العلاقات الدولية في منظمة «ريجيفم- Regavim» الإسرائيلية غير الحكومية، «آري بيجر»، الذي يرى أنّ الاتحاد الأوروبي يسعى للعب «دور التعاون الفعّال في إرساء أُسس الدولة الفلسطينية»، وهو مُمتعضٌ بسبب ذلك!


عرض التعليقات
تحميل المزيد