لم يكن اقتصاد إسرائيل ينتظر هدية أفضل من تلك التي منحتها له مصر مؤخرًا بالتوقيع على صفقة لاستيراد الغاز الطبيعي، وهي الصفقة التي وصفتها الحكومة الإسرائيلية بالتاريخية، بل ذهب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إلى وصف الاتفاق بأنه «يوم عيد»، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان شركة «ديليك دريلينغ» الإسرائيلية عن توقيع عقد لمدة 10 سنوات، بقيمة 15 مليار دولار، لتصدير الغاز الطبيعي لمصر.

هذا الاحتفاء الإسرائيلي بهذه الصفقة لم يأتِ من فراغ، فبعيدًا عن جانب الفوائد السياسية التي قتلت بحثًا منذ الإعلان عن الصفقة، سيجني الاقتصاد الإسرائيلي العديد من الفوائد الاقتصادية الكبيرة والتي تبرر السعادة الإسرائيلية الغامرة بالصفقة، فنتنياهو يرى أن قطاعات التعليم والخدمات الصحية في مقدمة القطاعات التي ستحصل على الفائدة من الاتفاق، وهو ما يسهم في رفاهية المواطنين الإسرائيليين لاحقًا، على حد تعبيره، ولكن ما هي الفوائد الاقتصادية الأخرى لإسرائيل التي ستنتج عن الصفقة؟

1- بورصة تل أبيب.. قفزة فورية بنسبة 19%

لم تنتظر بورصة تل أبيب كثيرًا للاستفادة من إعلان صفقة بيع الغاز لمصر، إذ حققت في 19 فبراير (شباط) الجاري مكاسب كبيرة، حيث قفزت أسهمها بنسبة 19%، عقب الإعلان عن الاتفاقية، بحسب ما نقلته وكالة «بلومبرج» الأمريكية، كما يظهر المؤشر التالي:

هذه القفزة القوية تكشف مدى تأثر سوق المال بهذه الصفقة، مما ساهم بقوة في انتعاش الأسهم بقيادة قطاع الغاز والنفط، وهذا الأمر مؤشر جذب للمستثمرين في سوق المال، لأن البورصة مرآة الاقتصاد، ويمكن القول إن صفقة الغاز ساهمت في وجود نظرة إيجابية لسوق المال الإسرائيلي وهي من أهم الفوائد الاقتصادية حاليًا لاقتصاد إسرائيل.

2- مستويات قياسية للاحتياطي النقدي وتوازن منتظر للميزان التجاري

لا شك أن النقد الأجنبي هو من أهم الأساسات التي يعتمد عليها الاقتصاد، إذ إن ارتفاع الاحتياطي يضيف أمانًا واستقرارًا لأي اقتصاد، وخلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، صعدت احتياطات إسرائيل من النقد الأجنبي بنسبة 13.6% على أساس سنوي، لتصل إلى 111.309 مليار دولار لأول مرة في تاريخها، وهو الأمر الذي من المنتظر أن تعززه صفقة الغاز الكبيرة التي أبرمتها مع مصر، خاصة أنها على أعتاب عقد صفقة مشابهة مع الأردن وذلك بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار.

Embed from Getty Images

وتشهد احتياطات إسرائيل من النقد الأجنبي نموًا ملحوظًا خلال الأشهر الماضية، إذ بلغت 97.963 مليار دولار في نهاية أكتوبر 2016، وبحسب بنك إسرائيل (المركزي)، فإن الاحتياطات المسجلة في أكتوبر 2017، تشكل نسبتها 33.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

اقرأ أيضًا:

على الجانب الآخر، يعد عجز الميزان التجاري من أكثر المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها إسرائيل، إذ كشف تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي، ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة 9.8% إلى 57.4 مليار شيكل خلال 2017، مقارنة بـ52.8 مليار شيكل في 2016، فيما سجلت قيمة الصادرات الإسرائيلية في 2017، نحو 166.9 مليار شيكل مقارنة مع 172.5 مليار شيكل في 2016.

Embed from Getty Images
في حين بلغ إجمالي قيمة الواردات الإسرائيلية، نحو 224.4 مليار شيكل، نزولًا من 225.4 مليار شيكل في العام السابق له، وتظهر الأرقام السابقة توسع الفجوة بين صادرات إسرائيل ووارداتها (عجز الميزان التجاري)، إلا أن الصفقة التي تمت مع مصر ستساهم بشكل كبير في خفض هذا العجز بنسبة ليست بالقليلة، وهو الأمر الذي يعد من أهم الفوائد التي ستحصل عليها تل أبيب من بيع الغاز لمصر.

3- انتهاء عصر المقاطعة الاقتصادية عربيًا

تُعدّ المقاطعة الاقتصادية التي كانت تقوم بها بعض الدول العربية تجاه إسرائيل إحدى المشاكل التي كانت تؤرق الاقتصاد هناك، وذلك رغم عدم نجاح العرب في تفعيل هذا السلاح في الكثير من الأحيان، إذ يرى مصطفى عبد السلام، الكاتب الاقتصادي المصري، أن «إسرائيل كسرت بصفقة الغاز سلاح المقاطعة الاقتصادية، خاصة من قبل القطاع الخاص المصري والعربي، حيث فتحت باب التطبيع الاقتصادي على مصراعيه وبرعاية حكومية مباشرة، وهو ما يتيح لإسرائيل التحرك سريعًا لإقناع دول وشركات عالمية عديدة تقاطع منتجات الاحتلال وسلعه بأن المقاطعة التي يفرضونها عليها لا مبرر لها».

اقرأ أيضًا:

وتبرز المقاطعة الاقتصادية كأحد الأسلحة التي دائمًا ما يلوح بها العرب لمواجهة القرارات السياسية أو الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، كما تعد «حركة BDS» من بين أشهر حملات المقاطعة ضد إسرائيل وأنجحها، إذ كلفت الأخيرة مليارات الدولارات، كما ساهمت في إلغاء عدة عقود لشركات دولية كبرى مع إسرائيل نتيجة الضغوط التي مارستها الحركة، مما جعل الحكومة الإسرائيليّة تعلن خطّة لمجابهتها في مختلف أنحاء العالم، كما حذّرت هيلاري كلينتون المرشّحة الرّئاسيّة الأمريكيّة السابقة من تمدّد هذه الحركة وأثرها السلبي على اقتصاد إسرائيل.

فيما يرى المحللون أن صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل تعد إعلانًا لانتهاء عصر المقاطعة الاقتصادية عربيًا، وبدء التطبيع الاقتصادي العلني خاصة من ناحية الحكومات التي باتت تتباهى بالتعاون مع إسرائيل، وهو بالطبع الأمر الذي يصب في مصلحة اقتصاد إسرائيل، من خلال فتح أسواق جديدة وزيادة كبيرة للصادرات للمنطقة.

4- استقرار سياسي.. تصدير الغاز يغلق ملفات الفساد

قبل أيام قليلة من الإعلان عن صفقة الغاز كانت الأوساط الثقافية والسياسية في تل أبيب مليئة بالكثير من الغضب تجاه نتنياهو، إذ تظاهر مئات الإسرائيليين للمطالبة باستقالته وتقديمه إلى المحاكمة على خلفية توصيات الشرطة باتهامه بتلقي رشا وبالغش وخيانة الأمانة، هذه التظاهرات هي استمرار لاحتجاجات متواصلة منذ عدة أشهر، وذلك في ظل توقيف شخصيات بارزة في شركة اتصالات «بيزك» ومقربين من نتنياهو، في إطار التحقيق في قضية فساد واسعة النطاق.

Embed from Getty Images
اقرأ أيضًا:

لكن وبالرغم من عدم توقف هذه التحقيقات فإن بوصلة الشارع الإسرائيلي تحولت بعد صفقة الغاز، وذلك من المطالبة بتقديم نتنياهو للمحاكمة إلى الإشادة الواسعة به، كما استغلت الحكومة الإسرائيلية هذه الصفقة إعلاميًا بقوة للتغطية على الأزمة السياسية هناك، خاصة أن رئيس الحكومة متورط بشكل مباشر في تحقيقين قد يجبرانه على تقديم استقالته، بعد أن تولى السلطة منذ أكثر من 11 عامًا، وستنتهي ولايته الحالية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.

5- ربح طويل الأجل.. إسرائيل تضمن مشتريًا لغازها لمدة 10 سنوات

بالرغم من أن مصر أعلنت مرارًا وتكرارًا عن أن الصفقة هدفها تحول البلاد لمركز إقليمي لإسالة الغاز الطبيعي في المنطقة تمهيدًا لتصديره إلى أوروبا، إلا أن مستقبل سوق النفط يهدد هذا الهدف بشكل واضح، فبحسب ما قال عملاق تجارة الطاقة «فيتول» مؤخرًا، فإن الأسعار العالمية للغاز الطبيعي المسال ستواجه ضغوطًا من فائض في المعروض في العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة، وكان «ساسة بوست» قد تحدث سابقًا خلال تقرير مفصل عن الأسباب التي قد تدفع أسعار الغاز للهبوط خلال التقرير التالي:

هذا الأمر يعني أن نجاح إسرائيل في إبرام صفقة لتصدير غازها لفترة تمتد إلى 10 سنوات بمثابة حماية لها من تقلبات السوق وضمان تسويق غازها عبر البوابة المصرية، وكما يقول رئيس أنشطة تداول الغاز الطبيعي المسال في «فيتول»، بابلو جالانتي إسكوبار، فإن الإنتاج الجديد للغاز الطبيعي المسال في دول مثل الولايات المتحدة والكاميرون والذي من المنتظر أن يبدأ في الأشهر المقبلة يعني أن الضغوط على السوق التي تشهد توسعًا سريعًا سيكون ظاهرًا بشكل خاص في 2019، يضاف إلى هذه الدول الزيادة الكبيرة في الإنتاج القطري والروسي.

Embed from Getty Images

هذه التوقعات تعزز الموقف الإسرائيلي من حيث الاعتماد على العقود طويلة الأجل، وهو الأمر الذي يجعل من الصفقة المصرية فائدة اقتصادية كبرى لإسرائيل.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!