تقترب الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة من الانفجار، أزمات حادة في الكهرباء والغاز والوقود والأودية، إذ لم يكتفِ الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» بما خلّفه الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ ما يقارب عشرة أعوام، ليبدأ حلقة من الإجراءات التي تسببت في تفاقم تلك الأزمات تحت ذريعة الضغط على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للتخلي عن حكم غزة.

وبينما تراقب إسرائيل هذا القضية الداخلية الفلسطينية، فهي معنية جدًّا بالصراع المتصاعد، تارةً تخشى من انعكاسات هذه الإجراءات على أمنها واندلاع مواجهة عسكرية مع القطاع، وأخرى على  خطواتها السياسية في الحل النهائي الذي سيزيح القطاع عنها.

اقرأ أيضًا: ممنوع الدخول أو الخروج: كل ما قد تريد معرفته عن الأوضاع الصحية في قطاع غزة

إسرائيل تشترى «الهدوء» بعد أن طُلب منها قطع الكهرباء 

عجّل الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» بعد اتخاذه قرار اقتطاع 30% من رواتب زهاء 60 ألف موظف مستنكف عن العمل في قطاع غزة، بتقديم طلب رسمي لإسرائيل بوقف اقتطاع ثمن استهلاك الكهرباء في غزة، وقيمتها 11 مليون دولار، من عائدات الجمارك الفلسطينية.

مواطنون بغزة أمام أحد البنوك

جاء قرار عباس السابق في وقتٍ يحظى به سكّان القطاع بـ 3 إلى 4 ساعات من الكهرباء في اليوم، الرد الإسرائيلي العاجل، هو رفض تنفيذ ما طلبه عباس، فإسرائيل التي رأت في هذا القرار تصدير الأزمة إليها، أدركت أن ترك قطاع غزة في عتمة تامة له انعكاساته السلبية عليها، على اعتبار أن القنبلة الموقوتة التي يشحنها عباس، قد تنفجر في وجه إسرائيل، فالموافقة على طلب السلطة وقطع الكهرباء يعني الذهاب إلى تدهور إنساني أخطر في القطاع، يزيد من فرص اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، ولذلك حتى الآن كان خيار إسرائيل «شراء الهدوء وأن تدفع لشركة الكهرباء 40 مليون شيكل شهريًّا لصالح كهرباء القطاع، حتى لا تصل الأمور إلى انقطاع تام للكهرباء»، كما يقول محلل الشئون الفلسطينية في موقع (والا) الإسرائيلي «آفي زخاروف».

لذلك تنصح  الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بتخفيف الضائقة، لكن بنمط بطيء لعدة اعتبارات سياسية، وأمنية تكتيكية تضمن المصلحة الإسرائيلية، يقول الباحث الإسرائيلي الجنرال آساف أوريون: «يجب أن تسعى إسرائيل بكلّ جهدها لتخفيف الضغوط القائمة على الأوضاع الإنسانية على الفلسطينيين»، مضيفًا: «إن تخوف إسرائيل من المعركة القادمة في قطاع غزة يتطلب منها العمل بقوة لإبعادها أكبر فترة زمنية ممكنة، وذلك في ظل وجود بدائل سياسية لإسرائيل أمام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة».

طفلة من غزة ترفع لافتة احتجاج ضد رئيس الوزراء الفلسطيني «رامي الحمد الله»

تحدثنا إلى الكاتب والمحلل الفلسطيني «ساري عرابي»، فقال إنه حتى اللحظة ما تزال خطوات الرئيس عباس غير معلومة السياق، ولا مفهومة الأسباب والدوافع، لا سيما أنها جاءت مفاجئة دون مقدمات أو مشكلاتٍ مستجدة مع حماس، بل على العكس كان ثمة تفاهمات نسبية بدأت من مؤتمر فتح السابع، وحتى اللقاءات التحضيرية مطلع هذا العام في بيروت، موضحًا لـ«ساسة بوست»: «إذ كانت خطوات الرئيس عباس جاءت بخطواتٍ منفردة من طرفه، بدون ترتيب أو بدون ضغوطات إسرائيلية، فعلى الأغلب إسرائيل غير معنية بزيادة التوتر في غزة، إلا إذا كان ثمة مخطط لدفع غزة للبحث عن حلول منفردة لحل قضاياها، في ظل أن الحديث يجري عن صفقة إقليمية شاملة».

إذًا، الأزمة الاقتصادية التي تتصاعد حدتها في قطاع غزة، أوجدت إسرائيل – حسب خبرائها- وسط خلاف كبير بين فتح وحماس، دون تواجد لأطراف دولية حتى الآن، هذا الوضع دفع رئيسة تحرير موقع (المصدر) الإسرائيليّ، شيمريت مئير للقول إن : «إسرائيل تقف أمام معضلة ليست سهلة أيضًا، فمن جهة هي ليست معنية بمواجهة مع حماس، ومن جهة أخرى ليست معنية بأن تظهر بصفتها تنقذ حماس في الوقت الذي تتعرض فيه لضغط غير مسبوقٍ»،  فـ «رئيس السلطة عبّاس تذكّر أن يكون زعيمًا بعد 10 سنوات من احتلال قطاع غزّة من قبل حركة حماس»، كما تصفه «مئير»، و«يُعرّض حماس إلى اختبار في توقيت غير مريح، بالتزامن مع نشر ميثاقها الجديد المعتدِل نسبيًّا».

التضييق الإسرائيلي على حبلٍ دقيق

ربما يعتقد البعض أن الصراع المتصاعد بين السلطة الفلسطينية، وحركة (حماس) حول السيطرة على قطاع غزة هو شأن فلسطيني داخلي، لكن الحقيقة أنه شأن مهم جدًّا لإسرائيل.

رئيس الوزارة الإسرائيلي « بنيامين نتنياهو»، وزعيم الحزب المتطرف «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان (المصدر : جريدة الاستقلال الفلسطينية)

يرى المحلل السياسي الملم بالشأن الإسرائيلي «فايز أبو شمالة» أن لإسرائيل مصالح استراتيجية لا يطلع عليها عباس، ويقول لـ «ساسة بوست» إن مصلحة إسرائيل العليا هذه الأيام هو تعزيز الفصل الجغرافي والسياسي والحياتي بين غزة والضفة الغربية، على افتراض أن الحل الإقليمي يأذن بدولة غزة في سيناء، وينهي الوجود السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية، والضفة هي مطمع الإسرائيليين، ومجال مناوراتهم السياسية.

مستدركًا: «لذلك حين يصعِّد عباس من حصاره على غزة، ويمارس كل أنواع التضييق على حياة الناس، فإنه يهدف من وراء ذلك إلى خنق الناس، وتحركهم ضد حركة حماس»، وذلك – حسب أبي شمالة– لسببين: الأول: انشغال حماس بمواجهة الجماهير، بشكلٍ يضعفها عن العمل في الضفة، والثاني: إجبار حركة حماس على التحرك باتجاه الوسطاء طلبًا لخلاص غزة، وذلك عن طريق فصلها عن الضفة الغربية، دون أن يتحمَّل عباس المسئولية.

اقرأ أيضًا: «مروان البرغوثي» يخوض معركته بمعدة خاوية ضد «عباس» و«إسرائيل»  

ويوضح «أبو شمالة» أن إسرائيل التي تدفع باتجاه حصار غزة، وتحرض عباس على مزيد من الحصار، لا ترغب في خنق غزة، ولا تريد أن يخرج الناس على حركة حماس، لتخرج حماس بسلاحها إلى الحدود، لذلك فهي تسير على حبل دقيق، موضحًا : «هي تضيق على حركة حماس بمقادير دقيقة، فهي تدفع باتجاه فصل غزة عن الضفة، وقبول حماس بميناء عائم مراقب دوليًّا، ولكن دون أن تنفجر الأوضاع إلى حد البدء بالمناوشات، حتى الوصول إلى إطلاق الصواريخ ضد المستوطنين»، ويستشهد «أبو شمالة» على رؤيته بعدم استجابة إسرائيل لضغوط عباس، وعدم خصم مستحقات غزة من الكهرباء، فقد تجاهلت طلبه، لإدراكها أن ذلك سيفجر الوضع، وسيحرج إسرائيل أمام المجتمع الدولي الذي يعتبر غزة واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

إسرائيل لا تريد المواجهة العسكرية مع حماس

إنّ إسرائيل تجد نفسها في ورطة استراتيجية حقيقية في قطاع غزة، فرغم أنها لا تريد السيطرة على هذه البقعة الجغرافية، فإن أي طرف آخر سيتحكم فيها، مع مرور الزمن، سوف يتحول إلى تهديد لإسرائيل.

هذا ما خرج به الباحث العسكري الإسرائيلي «عامي روخاكس دومبا» في دراسةٍ بحثية له، إذ يشكل هذا الأمر استراتيجية إسرائيلية ما تزال قائمة. فقد أدركت إسرائيل أن ما يمارسه عباس، من السهل أن يدفع حماس لخلق استفزازٍ ضد إسرائيل، بهدف إنقاذ الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، ورغم الاحتمال المتزايد لمواجهةٍ عسكرية بين الطرفين في ظلّ تدهور الأمور، إلا أنّ ذلك لا يعني وجود رغبة حقيقية من كلا الطرفين – حسب وجهة النظر الإسرائيلية- في هذه المواجهة، وقد استعرض «دومبا» ما أسماه بـ«خيارات إسرائيل أمام ما أسماه ورطة غزة»، وقال إن أمامها عدّة خيارات منها القيام بعملية عسكرية بين حين وآخر، وإمكانية بقاء الوضع القائم في غزة حتى إشعار آخر لعدم وجود بدائل أخرى، وأيضًا إمكانية أن تتجاوز إسرائيل حماس بالحوار مع الدول العربية، وهو ما سوف يتمخَّض عنه إقامة دولة فلسطينية في غزة، ولا يستبعد «دومبا» تنفيذ الخيارات السابقة مجتمعة.

إسرائيلي أمام قبور جنود إسرائيليين

كما يرى الضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «يوني بن مناحيم» إن: «قطاع غزة بحاجة لتهدئة عسكرية مع إسرائيل؛ لأن الوضع الإنساني في القطاع يزداد تدهورًا، والبطالة تتفاقم، والظروف الاقتصادية آخذة في الصعوبة؛ مما يساعد على زيادة التأزم الداخلي واحتمالية انفجاره»، ويضيف في مقاله المنشور على موقع «المعهد الأورشليمي لشؤون الدولة»: «الأمر الذي يجمع عليه الفلسطينيون أن وضع غزة غير قابل للاستمرار طويلًا على هذه الشاكلة، فالقطاع وسكانه بحاجة لاستراحة محارب، وتهدئة تمنحهم التقاط الأنفاس، وفي حال لم يتم إنجاز هذه التهدئة المتفق عليها بين مختلف الأطراف، فإن القنبلة الموقوتة في غزة قابلة للانفجار في أي لحظة».

من جانبه، يقول محلل الشئون الفلسطينية في موقع (والا) الإسرائيلي «آفي يسخاروف»: «الوضع سيئ للغاية، ولا يوجد أي حلول بالأفق، الناس في غزة لا يفضلون هذا الوضع، وربما يفضلون الحرب على هذا الوضع، الناس في غزة من حماس ومن فتح مؤمنون أن الحرب القادمة مع إسرائيل مسألة وقت، وتقترب، وكلهم يعلمون أن حماس ليست معنية بالحرب، لكن وفق هذه الظروف الاقتصادية الصعبة الكل يؤمن أن الحرب ممكنة».

اقرأ أيضًا: العلاقات نحو الدفء التدريجي.. لماذا تدعم إيران «القسام» وليس «حماس»؟

الرؤية المستقبليّة لإسرائيل ضدّ خنق غزة 

شهد الوسط السياسي الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية، خلافاتٍ حول رؤية الحلّ السياسي المستقبلية التي يسعى الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» لطرحها في زيارته القريبة، الخلاف حول هذه الرؤية كان بين الحزبين اليمينيين المتطرفين «الليكود» و«البيت اليهودي».

سيدة فلسطينية في احتجاج على تردي الأوضاع في غزة

فقد قال زعيم حزب «البيت اليهودي»، نفتالي بينيت: «نحن أمام خيارين، الأول هو الاستمرار في السياسة المعلن عنها في خطاب نتنياهو بإقامة دولة فلسطينية ثانية إضافية لدولة غزة، وهذا خيارٌ فاشل جلب سفك الدماء، وتسبب في تدهور سياسي سينتهي بكارثة ديموغرافية»، أما الخيار الثاني فهو «طرح رؤية إسرائيلية خاصة لمستقبل المنطقة، من خلال التطوير الاقتصادي، وبناء مبادرات مع الإقليم، والعمل على منع إقامة دولة فلسطينية ثانية إلى جانب غزة، والعمل على استقرار قطاع غزة، وتقوية البلاد على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط»، حسب بينيت.

في السابق، تبعت الرؤية الإسرائيلية لمستقبل قطاع غزة التغيُّرات والتوجهات السياسية لمن يتولى الحكومة الإسرائيلية، يمينية أو يسارية، لكن المشترك هو اعتبار القطاع تهديدًا أمنيًّا وديموغرافيًّا لإسرائيل، والمشترك أيضًا هو أنّ هذا القطاع من الممكن أن يشكِّل قاعدة الدولة الفلسطينية، التي يزجّ فيها بكل اللاجئين الفلسطينيين، ولذلك لا تكفّ إسرائيل عن عرض ودراسة توسيع القطاع جنوبًا، ولتحقيق هذه الرؤية  تحرص إسرائيل على منع أزمة إنسانية يسعى عباس لخلقها بإجراءاته الأخيرة.

يذكر تقرير لمركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أنه يجب «البحث عن شركاء إقليميين (مثل دول الخليج)، ودوليين لتخفيف أزمة الرواتب من خلال تقليص خطر استخدام حماس لتلك الأموال لاحتياجاتها، والسماح بتصدير البضائع بشكل موسع من قطاع غزة، وتقديم حلول بنيوية في مجال المياه بأسرع ما يمكن، والطاقة (الكهرباء والغاز)، والصناعة (مناطق صناعية)، والإسكان، وتسهيل خروج المواطنين بشكل متزايد ومراقب من غزة إلى الخارج عبر إسرائيل، وبالتنسيق مع مصر وعبرها أيضًا»، فهذه الإجراءات يجب أن تدرس فوريًّا بسبب الخطر المتزايد للتدهور باتجاه حرب واسعة النطاق أيضًا، والتي ستكون أثمانها أعلى بكثير من ثمن عملية هنا أو هناك، حسب التقرير.

المصادر

تحميل المزيد