لفظتا (عصر حماس) مأخوذتان من كتاب شديد الأهمية بنفس العنوان للكاتبين الإسرائيليين (شاؤول مشعال & أبراهام سيلع)

في السادس عشر من نوفمبر لعام 2012 وبعد يومين فقط من بداية الاعتداء الإسرائيلي الشامل قبل الأخير على غزة والمعروف باسم (حرب عامود السحاب) أو كما أسمتها المقاومة (عملية حجارة السجيل)، خرج أحد المتحدثين الرسميين باسم جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF) مغردًا على حساب جيش الاحتلال الرسمي على موقع تويتر معلنًا أنهم نجحوا تمامًا في تدمير برنامج حماس الطموح لبناء وتطوير أسطول من الـUAV أو (طائرات بدون طيار)، وعرض فيديو استخباراتي مدته 31 ثانية مسجل بقمر تجسس صناعي إسرائيلي عن تجربة أجراها بعض من ادعى أنهم (أعضاء في حركة المقاومة الإسلامية حماس) يقفون في قافلة من السيارات وهو يختبرون – على ارتفاع متوسط- طائرة من هذا المشروع في سماء خان يونس بقطاع غزة، بعد الضربة وبحسب الإسرائيليين، فقد انتهى مشروع حماس الواعد تمامًا.

بعد أقل من عامين، وفي مفاجأة غريبة، يوم الاثنين الرابع عشر من يوليو لعام 2014 أعلن جيش الاحتلال أنه نجح في إسقاط طائرة بدون طيار أطلقت من غزة لوجهة غير معلومة خارجها، أصاب الجيش الطائرة بصاروخ باتريوت فدمرها، لكن حماس أعلنت في نفس الوقت أنها أطلقت عدة طائرات بدون طيار من صنعها بالكامل لأول مرة ضمن برنامجها العسكري والاستخباراتي المتواصل بنجاح، وقالت إن الطائرات قادرة على المراقبة والتحليق لمسافات مناسبة وحمل الصواريخ، ونشرت فيديو من 40 ثانية أيضًا يوضح تحليق طائرة منهم، والاسم (أبابيل A1B)، ثم أضافت أن إحدى الطائرات وصلت إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية، ولم يؤكد المعلومة مصدر دقيق ولم تُكذّب تل أبيب الأمر أيضًا، والثابت ما رآه الجميع، حماس صنعت الطائرات بالفعل بعدما كانت تُهرب لها من الخارج!

مطلع هذا الشهر، نشر موقع 0404 الإسرائيلي مقطع فيديو قصير يبين جنودًا إسرائيليين بجانب مكان عسكري يحاولون إسقاط طائرة بدون طيار أطلقتها حماس، يطلقون الكثير من الرصاصات، ثم تتعالى أصوات ضحكهم بعد فشلهم في إصابتها، وفي الوقت الذي حاولت فيه وسائل إعلام عالمية التهوين من الأمر باعتبار أن الطائرات بدائية وللمراقبة فقط ويمكن إسقاطها بمنظومة الاعتراض الإسرائيلية المتطورة، فإن البداية تبدو شبيهة تمامًا بالبداية الصاروخية للمقاومة في 2001 حيث أطلق أول صاروخ في تاريخ المقاومة (القسام 1)، صاروخٌ طوله 70 سم فقط، مداه ألف : ألفين متر في المتوسط لا أكثر، وانفجاره لا يسبب أي ضرر، لعبة أطفال حقيقية أثارت سخرية الجميع، لكنها كانت بداية أفضت بعد أعوام إلى قصف حيفا لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بصواريخ مقاومة متطورة (آر 160) مداها مائة وستين كيلومترًا كاملًا!

(1) البدايــة

ربما لم يفكر أرييل شارون في أبشع تصوراته أنه سيكون السبب في انتقال كتائب الشهيد عز الدين القسام – ومن بعدها حركات المقاومة- إلى مستوى جديد من اللعبة سيمثل فيما بعد أحد أسوأ كوابيس دولة الاحتلال الإسرائيلية.

البداية كانت في الثامن والعشرين من سبتمبر، صبيحة يوم صحو على مجمع الحرم القدسي الشريف حيث قرر أرييل شارون (زعيم المعارضة الإسرائيلية ثم رئيس الوزراء فيما بعد) مع وفد من حزب الليكود الحاكم محاطين بمئات رجال الشرطة الإسرائيلية والحرس الشخصيين تقضية يومهم جنبًا إلى جنب هناك على سبيل فرض السيطرة، إثبات غطرسة القوة، والطرق بقوة على العصب الفلسطيني الملتهب بما جرى قبلها من عراقيل ضخمة وضعها الجانب الإسرائيلي في كل طريق سلكه الفلسطينيون، حينها رئيس الأمن الوقائي الفلسطيني في الضفة الغربية (جبريل الرجوب) أكد لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (شلومو بن عامي) أنه بإمكان شارون زيارة المجمع بدون دخول أي مسجد هناك وبالذات المسجد الأقصى لأسباب أمنية.
لم يدخل شارون ومرافقوه بالفعل المسجد الأقصى كما توارد حينها وتجولوا في الحرم القدسي، لكن ذلك كان كافيًا تمامًا لاستفزاز الفلسطينيين حد الجنون لثلاثة أسباب، أولها العصب الفلسطيني الملتهب كما أعلاه، والثاني أن حماس كانت قد دعت إلى الخروج بالآلاف في مظاهرات ومنعه من دخول الحرم بالقوة إن لزم الأمر، والثالث أنه وقبل عشرة أيام كانت ذكرى إحدى أبشع المجازر البشرية قاطبة (صابرا وشاتيلا) ومهندسها هو شارون نفسه، لذلك اندلعت الاحتجاجات والمظاهرات لتكون بداية الانتفاضة الثانية.

كانت المقاومة حتى حينه تعتمد على تكتيكين عسكريين رئيسيين هما (العمليات الاستشهادية – المفخخات)، مع اندلاع الانتفاضة وبدء ظهور فارق القوة لصالح الإسرائيليين قررت كتائب القسام (جناح حماس العسكري) أخذ الصراع لمستوى آخر، بعدها بعام واحد وفي أكتوبر 2001 أطلقت الكتائب أول دفعة صواريخ داخل قطاع غزة على المستوطنات وأسمتها القسام 1.
القسام 1 كان نكتة حقيقية على أي مقياس عسكري، صاروخ ألعاب نارية معدني يحمل حد أقصى كيلو واحدًا من المتفجرات، محركاته بسيطة وبدائية جدًا ولذلك مداه لا يتجاوز بأي حال الأربعة كيلومترات بمتوسط حقيقي كيلو متر لاثنين، الإسرائيليون حينها عرفوا أن الأمر ربما يبدو – من السطح- مثيرًا للسخرية، لكنهم لم يتعاملوا معه كذلك وعرفوا أنه تغييرٌ جذري للصراع بأكمله على مدار السنوات التالية.

ما توقعه الإسرائيليون كان صحيحًا بالفعل فمن يجرب القوة لا يتنازل عنها أو يقف في الطريق، بعد خمسة أشهر بدأت الصواريخ الحمساوية مرحلة التطور لتتجاوز حدود غزة وتقع في المستوطنات خارجها، فبراير من العام التالي (2002) كان أول صاروخ فلسطيني يقع في كيبوتس يطلق عليه (سعد) في الجنوب، لم تعط الكتائب الكيان فرصة التقاط الأنفاس وتحليل الوضع، بعدها بثلاثة وعشرين يومًا وفي الخامس من مارس كانت أول ضربة فلسطينية صاروخية لمدينة إسرائيلية وهي (سيدروت) جارة القطاع وبعض الصواريخ وصلت لحدود عسقلان البعيدة عن شمال القطاع بثمانية أميال تقريبًا (13 كيلومترًا).
من ناحية الخسائر البشرية لم تسبب الصواريخ أضرارًا بشكل جسيم أو حتى معقول، لكن محركات الصواريخ كانت تتطور والمسافات تتناقص، ولأن الإسرائيليون ينظرون للبعيد فهموا أن تل أبيب ستأتي آجلًا إن لم يكن عاجلًا، وستتبعها في القريب المدن الإسرائيلية الأخرى، ولذلك تزايد العنف الإسرائيلي فسجلت الانتفاضة حتي نهايتها في 2005 باتفاق شرم الشيخ أكثر من أربعة آلاف شهيد وقرابة الخمسين ألف مصاب فلسطيني، مع تقليم أظافر المقاومة بكل الأشكال وعلى الرأس اغتيال قائدها الروحي وأحد مؤسسيها الرئيسيين الشيخ الشهيد (أحمد إسماعيل ياسين).

(2) التطــور

{مرة أخرى تثبت حماس أنها منظمة ذاتية التعلم، إنها تدرس تجاربها في المعارك، تطور دروسها المستفادة، ثم تحول ذلك كله إلى مزيج يخدم قواتها، عملياتها وعقيدتها القتالية}.

**جيفري وايت، ضابط استخبارات عسكرية أمريكي سابق وأحد محللي معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، محلل بمركز مكافحة الإرهاب/ الوكالة العسكرية الأمريكية (USMA) / نيويورك.
من دراسة بعنوان ” الأداء القتالي لحماس في حرب غزة 2014″)

أثرت حماس على مجرى الصراع فكان بديهيًّا أن تتبع فصائل المقاومة الأخرى نفس الطريق على مدار السنوات الماضية وحتى الآن، فأنتجت سرايا القدس (جناح حركة الجهاد الإسلامي العسكري) صاروخ (القدس 1) الذي بدأ بنفس بدائية القسام ثم وصل إلى (القدس 4) وهو صاروخ مداه سبعة عشر كيلومتر ويضرب عمق سيدروت بسهولة تامة، وصواريخ القدس مطورة عن صواريخ الكاتيوشا الإيرانية، وأنتجت كتائب شهداء الأقصى (جناح حركة فتح العسكري) صواريخ (الأقصى/ عرفات/ عاصف) والأخير له ثلاثة أجيال آخرها العام الماضي (عاصف 3) الذي يصل مداه لأربعين كيلومتر، أما ألوية الناصر صلاح الدين (جناح لجان المقاومة الشعبية العسكري) فطورت صاروخًا يدعى (الناصر) والذي يتفوق تقنيًّا بشكل نسبي على صواريخ القسام، يماثل أجيالها الوسطى في المدى (17 كيلومترًا تقريبًا) وآخر إصداراته كان (الناصر 4) الذي تم تطويره بحيث يوضع الصاعق بهيكل الصاروخ وليس الرأس مما يضمن انفجارًا فوريًّا عند ملامسته لأي شيء.

استمرت عملية تطوير صواريخ المقاومة مرورًا بعدة سنوات من نهاية الانتفاضة الثانية في 2005 وحتى حرب 2008/ 2009 أو معركة الفرقان كما أطلق عليها المقاومة بعد خرق اتفاق تهدئة الستة أشهر في أواخر 2008، في هذه الحرب أطلقت فصائل المقاومة مئات الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، لكن التطور لم يبد بالشكل الكافي الذي يصلح لتشكيل عقبة راسخة في طريق الآلية العسكرية الإسرائيلية بالغة القوة، لكن كل ذلك تغير عندما أتت حرب عام 2012!

يمثل عام 1991 ذكرى سيئة لساكني تل أبيب القدامى الذين عاصروا حرب الخليج الثانية حيث قصف الجيش العراقي حينها المدينة مع حيفا بصواريخ سكود، ومع مرور أحد عشر عامًا ومعاصرة أجيال الصواريخ الفلسطينية بكل أشكالها كان المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي يوقن تمامًا أن المقاومة يظل أمامها مشوار طويل – بالسنوات- للوصول للعمق الإسرائيلي، لكن حماس فاجأت الجميع في حرب عامود السحاب كما أسمتها قيادة جيش الاحتلال أو (حجارة السجيل) كما أسمتها المقاومة.
في 2012، شنت إسرائيل حربًا شعواء على القطاع كانت شرارتها اغتيال (أحمد الجعبري) الرجل الثاني في كتائب عز الدين القسام حينها والقائد الفعلي، حينها ردت المقاومة بجميع فصائلها بقصف صاروخي معتاد، لكن كتائب عز الدين القسام استخدمت لأول مرة صاروخًا محلي الصنع يدعى (إم 75)، الرمز (إم) نسبة إلى الأحرف الأولى من اسم الشهيد (إبراهيم المقادمة)، و75 هو مداه الفعلي الذي خوله لضرب تل أبيب للمرة الأولى، فوجئ الموساد بما حدث لأنه لم تكن هناك أي معلومات عن قدرات مقاومة صاروخية تصل لعمق كهذا وحتى بعد الضربة لم تُعرف أية معلومات عن الصاروخ ولذلك يطلق عليه حتى الآن (الصاروخ اللغز)، دوت صفارات الإنذار في تل أبيب للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين عامًا، وأعلن التلفاز الإسرائيلي رسميًّا في بيان مقتضب قصف المدينة، وقتلت الصواريخ بضعة أشخاص بالفعل في المدينة عند سقوطها على مبانٍ سكنية، ولم تكتف حماس بذلك وإنما قصفت القدس لأول مرة في الصراع بصاروخ من طراز فجر (إيراني الصنع).

انتهت الحرب سريعًا بعد أسبوع واحد من شنها بناءً على طلب تهدئة من تل أبيب، وعرف الجميع أن المقاومة تستطيع الآن مد أذرعها لتل أبيب، وعرفت إسرائيل أنها لا ينبغي أن تمهل المقاومة الكثير لتطور قدراتها أكثر، ولذلك وبعد عامين تقريبًا شنت حربها الأخيرة في العام الماضي على القطاع، وكان هذا موعدها مع كابوس حماس الجديد.

(3) الكابوس

{أثبتت الضربة الجوية الأولى أنها مفتاح مهم للنجاحات الإسرائيلية، في عملية عامود السحاب لعام 2012 حيدت الضربة الجوية الأولى الإسرائيلية منصات إطلاق صواريخ حماس بعيدة المدى وأنهت خطورتها، وحتى أن بداية الضربة المبكرة نجحت في قتل قائد حماس العسكري (أحمد الجعبري)، هذه المرة، بدا على الجناح العسكري للحركة الاستعداد الجيد للضربة الأولى، اختفى قادة الحركة العسكريين تحت الأرض، تأكدت الوحدات اللوجستية أن أدواتها القيمة محمية جيدًا، ورسخت الحركة أقدامها لمعركة طويلة الأمد، للتحضير لصراعات غير متكافئة في المستقبل على إسرائيل ودول أخرى أن يحللوا بدقة تكيف حماس مع العقيدة القتالية الإسرائيلية}.

**بتصرف، من مقال مشترك في معهد دراسات الشرق الأدنى بواشنطن بعنوان “حكمة في العمليات ومعاناة في الاستراتيجيات”/ مقدم جيش الدفاع (ألون باز) المحاضر العسكري الزائر بالمعهد و(ناداف بولاك) باحث في المعهد)

دخلت إسرائيل الحرب هذه المرة محملة بتفاؤل كبير، من ناحية فالمجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي (وعلى رأسه الموساد) لم يصل لأي معلومات من شأنها تهديد إسرائيل والكشف عن قوة جديد أو تطور حمساوي خطير مثلًا، ومن ناحية أخرى فإن الحرب الماضية أثقلت القطاع تمامًا على الرغم من سرعتها وبالتالي أثقلت كاهلي حماس والمقاومة من ورائها، ومن ناحية ثالثة فإن ثقة جيش الاحتلال بمنظومة القبة الحديدية فاق الوصف، وهو ما روجه للإعلام ولمواطني الكيان لطمأنتهم، ورابعًا فإن كل حلفاء حماس الرئيسيين انفضوا عنها، دمشق تحت وطأة الحرب، وساءت علاقة مكتب الحركة بطهران الداعم الرئيسي، وجاء الجنرال عبد الفتاح السيسي على رأس السلطة لينهي دعم النظام المصري للحركة، والحركة نفسها تحيا تحت ضغط نقص مالي ولوجستي ظاهر وعنيف، كل الأمور مهيأة لحرب أشبه بنزهة لتل أبيب.
ثم أتت حماس ونسفت كل ذلك تمامًا.

أطلقت المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب قرابة الخمسة آلاف من الصواريخ متنوعة المدى والقوة التفجيرية التي طالت الكيان المحتل بالكامل تقريبًا لأول مرة منها ألفي صاروخ لحماس بمفردها، ولو كان الأمر اقتصر على الصواريخ العادية وحتى الـ(إم 75) لما كان هناك جديد، لكن حماس كشفت عن صاروخها الجديد من طراز (آر 160) على اسم الشهيد (عبد العزيز الرنتيسي) والذي ضربت به حيفا التي تبعد مائة وعشرين كيلومترًا عن غزة لأول مرة في تاريخ الصراع، ومدى الصاروخ يتجاوز المسافة بأربعين كيلومترًا أخرى (مداه يصل لـ160 كيلومترًا).
لم تكتف حماس بذلك وإنما قصفت الخضيرة أيضًا شمال حيفا بصواريخ M-302 التي يصل مداها حسب الشحنة المتفجرة إلى مائة وخمسين كيلومترًا، ثم زادت وضربت تل أبيب بصواريخ (براق 70) والتي يصل مداها من الاسم لسبعين كيلومترًا وهو الصاروخ الذي استخدمته لشل مطار بن جوريون تمامًا في عاصمة الكيان ومن ثم وقف جميع رحلات الطيران من وإلى إسرائيل، هذا بجانب استخدام صواريخ فجر 5 التي تحمل شحنات متفجرة تصل إلى 90 كيلوجرامًا من الـTNT وسلطتها المقاومة على ضواحي القدس المحتلة وتل أبيب أيضًا، كل ذلك بجانب الصواريخ المعتادة (القسام/ غراد المعدل فلسطينيًّا/ الصاروخ 107/ وقذائف الهاون القديمة قدم الصراع بالطبع).


تفوق المقاومة وبالأخص حماس كان مفاجئًا للجميع ومدهشًا، العمليات البرية ضد القوات التي حاولت التوغل على حدود القطاع أو الشهيرة بـ(عمليات المسافة صفر)، التحدي العسكري شديد المهانة الذي قامت به لتعلن إسرائيل وسكان تل أبيب أنها ستقصفهم في موعد محدد بمائة صاروخ دفعة واحدة، كان التحدي بالغ القوة لأن آليات المراقبة الإسرائيلية والـDrones والطائرات القتالية والمروحيات لا تكف جميعها عن الحركة في سماء القطاع التي تشبه إشارة مرور مزدحمة تمامًا وتمثل خطرًا بالنسبة لبضعة بطاريات صواريخ فماذا عن بطاريات تكفي لإطلاق مائة مرة واحدة؟!

خمسة ملايين إسرائيلي باتوا في الملاجئ معظم أيام الحرب التي امتدت لتتعدى الخمسين يوميًّا، شلل اقتصادي وخسائر بمئات الملايين من الدولارات، فشل تام لنظام القبة الحديدية مع اعتراضه لنسبة لم تتجاوز على أشد التقديرات تفاؤلًا الـ20% من جملة صواريخ المقاومة التي أطلقت أثناء الحرب، أي أنه من كل خمسة صواريخ عبرت لمدن الكيان أربعة وأسقط واحدٌ فقط، الكفاءة القتالية التي أبدتها عناصر نخبة حماس ضد عناصر نخبة جيش الاحتلال (لواء جولاني)، وشبكة أنفاق دفاعية كلفت الجيش الإسرائيلي عشرات القتلى والجرحى من جنوده، وفشل استخباراتي مريع في الحصول على أي معلومات قيمة تساهم في تحجيم قوة كتائب عز الدين القسام.

كان أحد أسوأ كوابيس إسرائيل بكل مقياس عسكري وأمني وإستراتيجي.

(4) زمن حماس الصعب

{ستستمر المقاومة في فلسطين حتى التحرر النهائي لكامل الأراضي الفلسطينية}.
(الشيخ أحمد ياسين)

عقلية حماس الخلاقة (عسكريًّا) تسبب مصاعب جمة للخيال الإسرائيلي وأجهزة الأمن في تل أبيب ومحللي وواضعي إستراتيجيات إدارة الصراع، والحرب الأخيرة زادت بشدة من ذلك، ويمكن التدليل على هذا بعدة نقاط سريعة:

1 – حماس تتحول بالتدريج لميزان معادلة قوى، والتحول هنا ليس مقصودًا به مساواة أو حتى الاقتراب من القوة الإسرائيلية (الفارق أوضح من أن يشرح وتقترب مساواته من حد الاستحالة)، لكن ميزان المعادلة هنا يشمل سد كل الثغرات، فعلى سبيل المثال هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها حماس قوة بحرية من الضفادع البشرية المدربة للقيام بعمليات نوعية، والمرة الأولى التي تواجه فيها حماس تل أبيب بسلاح استشهاديين من نوع جديد (استشهاديو الطيران الشراعي) والذي أقلق إسرائيل بشدة بمجرد إطلاق الفكرة وبدون تنفيذها (فكرة تقوم على إرسال استشهاديين من جنود النخبة في حماس بطائرات شراعية تطير على ارتفاعات منخفضة في مسارات غير مرصودة)، والمرة الأولى التي يقترب فيها كفاءة الفرد المقاتل الحمساوي من كفاءة فرد القوات الخاصة الأمريكي كما أفاد تقرير أمريكي سابقًا في مرحلة ما بعد الحرب.

2 – هناك قلق إسرائيلي من أول محاولة لحماس لإسقاط طائرة أثناء الحرب بصاروخ أرض جو، وهي مشكلة عميقة لأنها تكشف نوايا حماس على المدى الطويل في تأسيس نظام دفاع جوي ينقل المعركة الأرضية التي نجحت فيها مؤخرًا للسماء للحد من نقطة تفوق تل أبيب الكبرى ويدها الطولى (الغارات الجوية).

3 – تمثل شبكة الأنفاق الدفاعية تحت أراضي غزة – بتعبير ألون ونداف في مقالهما- منظومة شديدة التعقيد تعطي المقاومة أفضلية في العمليات البرية من حيث التنقل بحرية وصنع كمائن نسبة الخسارة البشرية الإسرائيلية التقديرية فيها عالية والالتفاف بحرية من وراء القوات البرية الصهيونية، أي أن الفرق الإسرائيلية البرية ستحارب وفقًا لتوقيت ساعة حماس وخطتها وليس بخططهم مما يفقدهم عامل المبادرة تمامًا.

4 – تفوق الجهاز المعلوماتي الحمساوي نوعيًّا للمرة الأولى على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ففي 2013 أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي دراسة عنونها بـ(زمن حماس الصعب)، في الدراسة كان هناك تأكيد كامل على أن حرب عامود السحاب قد أنهكت قدرات حماس العسكرية واللوجستية وأضعفتها كثيرًا، العام الذي يليه ثبت أن الحركة نجحت فعلًا في التعتيم على الجميع حتى مراكز الفكر الرسمية الإسرائيلية، والموساد عانى بالفعل في الحصول على أي معلومات قيمة حول شبكة الترابط الحمساوية بين وحدات الصواريخ والقوات البرية وقيادات حماس العسكرية، يواصل المقدم ألون قوله بأن الحركة أظهرت قدرات تكتيكية بالغة الفعالية في مجالات القيادة والتحكم والمناورة، فضلًا عن معرفة النقاط العمياء في سماء القطاع المراقبة مما سهل عملية إطلاق الصواريخ بلا رادع.

5 – استخدمت حماس الحرب الإعلامية بنجاعة تامة، ونجحت في الوصول للداخل الإسرائيلي وإجبار شريحة كبيرة على الإصغاء بانتباه لرسائلهم، وفي واحدة من المرات شديدة الندرة اهتزت ثقة المواطن الإسرائيلي في حكومته وبيانات جيشه وإعلامه مقابل بيانات حماس التي لا يشوبها الغموض أو نقص المعلومات.

ربما تخرج من هذا التقرير بصورة تبين لك أن حماس لا تقهر، الحقيقة غير ذلك، حماس كأي تنظيم بها ثغرات ضعف كما نقاط القوة، وتخضع في النهاية لفارق عسكري معجز بينها وبين الآلة الصهيونية (على المستوى العسكري البحت)، لكنها في النهاية تعطي أحد أكثر الدروس الخلاقة في التاريخ لكيفية صناعة حركة مقاومة شديدة التفرد ومواجهة عدو أقوى بمئات المرات من اللاشيء تقريبًا.

عرض التعليقات
s