لم يعد التعاون أو «التحالف» بين حركة «طالبان» الأفغانية وإيران مقتصرًا فقط على حديث المصادر الاستخباراتية العالمية، وخاصة الأمريكية؛ إذ لا يجد كلا الطرفين الآن مانعًا من الحديث عن خطوات ثنائية للتفاوض السلمي على الأقل.

وبالطبع، لم يرق هذا النفوذ الإيراني في أفغانستان دول الخليج؛ إذ انكبت الإمارات والسعودية خلال الفترة القليلة الماضية على بذل جهد علني لرعاية المحادثات مع «طالبان»، من أجل حل الأزمة الأفغانية بمباركة أمريكية، لكن جهودًا أخرى كانت تبذلها الإمارات غير معلنة لتعزيز نفوذها في أفغانستان تمخض عنها مؤخرًا إرسال المزيد من القوات الإماراتية.

أما الحدث الأكثر مفاجأة، فكان وجود قوات إسرائيلية تحت رايات الأعلام الإماراتية والأمريكية، بالتزامن مع جهود أخرى يبذلها إسرائيليون آخرين يعملون في منظومة تجسس إسرائيلية على إيران، أقيمت في قاعدة تابعة لسلاح الجو الأمريكي داخل أفغانستان، على مسافة 75 ميلًا فقط من الحدود الإيرانية.

إيران و«طالبان».. عدو الأمس صديق اليوم

في عام 1998 هاجمت حركة ««طالبان»» الأفغانية القنصلية الإيرانية في مدينة مزار الشريف الأفغانية (شمال أفغانستان)؛ فقتلت في هذا الهجوم 11 دبلوماسيًا إيرانيًا وصحافيًا حكوميًا إيرانيًا. وجاءت ردة فعل إيران على هذا الهجوم بحشد 200 ألف جندي على حدودها مع أفغانستان لخوض حرب ضد «طالبان»، إلا أن المرشد الإيراني علي خامنئي رفض قرار مجلس الأمن القومي الإيراني، ولم تقع هذه الحرب.

Embed from Getty Images

مسؤولون في «طالبان» ينظرون إلى شاحنة وقود دمرتها طائرات أمريكية عام 2001 في قندهار بأفغانستان

لكن العداء بين «طالبان» وطهران لم يتوقف بمنع الحرب؛ إذ دعمت إيران المعارضة الأفغانية المناهضة لـ«طالبان»، بل تعاونت في البداية مع الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، بيد أن توالي سنوات هذا الغزو  مع استمرار العداء الأمريكي الإيراني، غير وجهة إيران التي رأت ضرورة ماسة في دعم «طالبان» باعتبارها قوة بديلة لإغراق الأمريكيين عميقًا في المستنقع الأفغاني، خاصة مع إعلان الولايات المتحدة رغبتها في سحب قواتها من أفغانستان، وانهاء الحرب الأطول في تاريخها، والتي كلفتها نصف تريليون دولار وأكثر من 150 ألف شخص.

وتعود بداية التعاون الإيراني مع «طالبان» إلى الأيام الأولى لسقوط حكومة «طالبان» في العام 2001، حين هرب عدد من قادة «طالبان» ومقاتليها تحت وطأة الضربات الأمريكية إلى إيران، وعكس ما كان متوقعًا؛ استقبلت طهران – نتيجة براجمايتها – الحكومة الأفغانية الجديدة، وأبقتهم على أراضيها، بل ووضعت آنذاك القاعدة العسكرية التي كان يستخدمها تنظيم «المجاهدون الأفغان»، تحت تصرف «طالبان».

وفي السنوات الأخيرة، انكبت طهران بلا هوادة على تعزيز نفوذها في أفغانستان مع تفاقم العقوبات الأمريكية ضدها، واستمرار تهديدات الرئيس الأمريكي رونالد ترامب، حتى أنه في الوقت الذي كان فيه ترامب يستعد للانسحاب من الاتفاق النووي معها، كانت طهران قد توصلت مع «طالبان» إلى اتفاق يقضي بإرسال مقاتلين أفغان إلى أكاديميات عسكرية إيرانية لمدة ستة أشهر للخضوع إلى «تدريب متقدم»، كما قال مستشار سياسي لـ«طالبان».

فقد رأت طهران في زيادة الدعم العسكري لحركة «طالبان» وسيلة بدون تكلفة تقريبًا للرد على الاتفاق النووي الملغي، كما أن هناك استفادة أخرى لهذا النفوذ في حالة مغادرة الولايات المتحدة أفغانستان، تتمثل في منح إيران قوة لمواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» المتنامي في أفغانستان.

وفيما تركز وزارة الخارجية الإيرانية على النفوذ الاقتصادي والثقافي من خلال إنشاء المساجد والمدارس الموالية لإيران، يعمل الحرس الثوري الإيراني على تعزيز أنشطته السرية، كأن يوفر التمويل والمأوى والمال والأسلحة لمقاتلي «طالبان»، فقد أرسلت «طالبان» أفضل مقاتليها ممن تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عامًا لتُدرب على أيدى القوات الخاصة الإيرانية، في معسكر التدريب في كرمنشاه الواقع غرب إيران، وهو معسكر مجهز بأماكن للنوم والطعام، ومراكز لياقة.

وقد أضحى كلٌّ من «طالبان» وطهران لا ينكران هذا التعاون، كما سبق وأن اعتادتا، ففي الثاني من يناير (كانون الثاني) الماضي، أكدت «طالبان» إرسال وفد إلى طهران للتباحث «لما بعد انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي الأفغانية وإقامة علاقات حسن جوار مع إيران»، وقال الناطق باسم الحركة ذبيح الله مجاهد، لوكالة إيلنا الإيرانية أيضًا: «إيران تعتبر البيت الثاني للأفغان».

وسبق وأن أكد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الأميرال علي شمخاني خلال زيارته لأفغانستان في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018، أن طهران تتباحث مع «طالبان» لإحلال السلام في أفغانستان، وأن لدى طهران الرغبة في القيام بدور وسيط بين الحركة والحكومة الأفغانيتين.

«ستراتفور»: التحالف الغريب.. لماذا تدعم إيران «طالبان» رغم العداء الأيديولوجي؟

 قطر وإيران يزجان بالرياض وأبوظبي نحو أحضان «طالبان»

بغية تسهيل محادثات السلام في أفغانستان؛ افتتحت قطر سفارة لـ«طالبان» بالدوحة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، بتوافق أمريكي وأفغاني وقطري. وكعادتها استغلت أبوظبي الحدث للتدليل على أن الموقف القطري يأتي داعم لأيدلوجية «طالبان» المصنفة إرهابية، وذلك بالرغم من أن قطر لم تعترف بنظام «طالبان» في أفغانستان بين عامي 1998 و2001 مثلما فعلت السعودية والإمارات وباكستان.

المفاجأة، كانت في يوليو (تموز) 2017، حين كشفت رسائل البريد الإلكتروني المسربة من بريد السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، أن أبوظبي استشاطت غضبًا لانفلات فرصة افتتاح سفارة لـ«طالبان» من يدها إلى يد قطر، في إطار رغبتها – أسوة بقطر – في توسيع مركزها لاعبة في الشؤون الدولية، بل تشير الرسائل إلى محاولات أبوظبي إقناع «طالبان» بافتتاح سفارة في بلدهم، وحسب صحيفة «نيويورك تايمز» البريطانية فإن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد اتصل بالعتيبة، وكان غاضبًا لانتهاء المطاف بـ«طالبان» في قطر، وليس الإمارات، وقال له: «إنهم يريدون أن يكونوا ضمن كل المسائل»، في إشارة إلى القطريين، بحسب الصحيفة العالمية.

ورد العتيبة على تقرير  الصحفية الأمريكية بالقول: إنه تناول «نصف القصة عن كيف أصبحت «طالبان» تصف قطر ببيتها الثاني»، دون أن ينكر أن الإمارات عرضت استضافة «طالبان» في أبوظبي، ولكن العرض كان بشروط، رفضتها «طالبان» فسحبت الإمارات عرضها. بينما «لم تفرض قطر أي قيود وسارعت «طالبان» بتأسيس متجرها في الدوحة، التي تظل أكبر ممول ومقدم للدعم الأيديولوجي والإعلامي للمتطرفين»، حسب تعبير العتيبة.

التحالف مع «طالبان».. مصيدة إيرانية لـ«قصم ظهر» واشنطن

وناهيك عن الدور القطري في الأزمة الأفغانية، فإن كلًا من السعودية والإمارات تنظر بحذر شديد إلى النفوذ الإيراني المتنامي في أفغانستان، وإلى التقارب بالأخص مع حركة «طالبان»، باعتبارها حركةً سنيةً تجندها إيران الآن.

وخلال الفترة الماضية، تسابقت كلّ من السعودية والامارات نحو إيجاد موطئ قدم لها في أفغانستان، فالرياض التي باركت تجديد الهدنة بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان» في 20 يونيو (حزيران) 2018؛ نجحت بموافقة أمريكية في نقل مقر الاجتماعات مع «طالبان» من الدوحة للإمارات في ديسمبر 2018، وذلك لتسهيل عملية إشراك السعودية التي تُقاطع قطر، إثر اندلاع الأزمة الخليجية في الخامس من يونيو 2017. إذ شارك في الاجتماعات مسؤولون من المكتب السياسي للحركة في قطر، وكما قال دبلوماسي في كابول فإن «السعودية والإمارات قالتا بوضوح إنهما لم تشاركا في محادثات السلام، إذا تم عقد الاجتماع في قطر».

وقد قدمت الرياض في الأشهر الماضية حزمة مالية قيمتها 6 مليار دولار لدعم إسلام اباد التي أيدت الحرب السعودية في اليمن، ويعقب السفير السعودي لدى واشنطن، الأمير خالد بن سلمان بالقول: إن «المملكة عملت وشقيقتها الإمارات بكل قوة لإنجاح محادثات المصالحة الأفغانية التي عقدت في الإمارات مؤخرًا، ونجحت في الجمع بين الأطراف الأفغانية وبدء عملية الحوار لإنهاء الصراع وإحلال السلام في هذا البلد الإسلامي الهام».

ومع فشل الجهود الإماراتية السعودية حتى الآن في حل الأزمة الأفغانية، صرح قائد عسكري في «طالبان» كان قد شارك بالمفاوضات بأنه «في الحقيقة، لقد دمرت الخلافات بين السعودية وقطر عملية السلام تمامًا، يضغط علينا السعوديون بلا داعٍ من أجل إعلان وقف إطلاق النار، وهو أمر لم يسع له حتى الوفد الأمريكي».

أما فيما يتعلق بالإمارات التي تتواجد قواتها في أفغانستان منذ بداية عمل قوة المعاونة الأمنية الدولية (إيساف)، في 20 ديسمبر 2001، فأبوظبي تعمل الآن على إعادة تنشيط وتعزيز قواتها، إذ أعلنت الحكومة الأفغانية في يونيو 2018 قبولها عرضًا إماراتيًا لتدريب القوات المسلحة الأفغانية، يتم بمقتضاه نشر وحدات عسكرية قطرية وإماراتية في أفغانستان ضمن إطار مهمة «الناتو» في أفغانستان للدعم والاستشارة وتعليم الجيش، وقال مسؤول أفغاني كبير مكلف بترتيب وصول القوات الإماراتية إلى كابول لـ«رويترز»: إن «هذه القوات ستدرب بموجب الاتفاق الجديد الأفراد الذين تجندهم القوات الأفغانية الخاصة ويمكن استدعاؤها أيضًا للمشاركة في عمليات معينة تستهدف المتشددين».

برعاية أبوظبي وواشنطن.. إسرائيل في أفغانستان

كان من المثبر للدهشة، قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يناير 2018 بمصافحة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، إذ حرص نتنياهو الذي لا تربطه علاقات دبلوماسية مع أفغانستان على مصافحة كرزاي قبل أن يصعد لإلقاء خطابه في مؤتمر حوار «رايسينا» في العاصمة الهندية نيودلهي.

لكن الأكثر غرابة هو معرفة أن إسرائيل لها علاقات في أفغانستان تتجاوز حدود المصافحة السابقة، فقد كشف النقاب في سبتمبر (أيلول) 2009، عن قيام شركات بيع الأسلحة في تل أبيب بعقد صفقة مع الحكومة الأفغانية، يتم بموجبها شراء مجموعة كبيرة من مركبات صوفا المصفحة وعتاد عسكري آخر قدر بعشرات الملايين من الدولارات، كما اقتضى الاتفاق ذهاب عشرات الخبراء العسكريين الإسرائيليين إلى أفغانستان. ثم بعد نحو ثلاثة أشهر من هذه الصفقة، كشفت صحيفة إسرائيلية في ديسمبر 2009 أن الصناعات الحربية الإسرائيلية تبيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أسلحة تستخدم في الحرب ضد «طالبان» منذ عدة سنوات، وقدرت أرباح الشركات الإسرائيلية من صفقات بيع منظومات الأسلحة والوسائل القتالية للقوة المتعددة الجنسيات في أفغانستان بين 70 و80 مليون دولار سنويًا، حتى أن أكثر من نصف مشتريات هذه الدول كان من إسرائيل، وحصلت فيها ست جيوش على طائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع استخدمت في الطلعات الاستكشافية يوميًا فوق المناطق الجبلية في أفغانستان.

واشنطن في قفص الاتهام.. «جرائم» أمريكا في أفغانستان تثير قضاة المحكمة الدولية

وفي فبراير (شباط) 2019، أي بعد نحو سبعة شهور من قرار الإمارات نقل 200 جندي إماراتي الى غرب أفغانستان في إطار ما يسمى بمشروع الدعم الصارم للحلف الأطلسي، كشف النقاب عن وجود جنود إسرائيليين «بصورة سرية وغير قانونية في أفغانستان تحت أعلام الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة»، ورأى محللون إسرائيليون أن الأعمال الإسرائيلية في أفغانستان شرعية تمامًا من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأنها ضمن التحالف الدولي، وبناءً على طلب من السلطات الأمريكية لتقديم مساعداتها العسكرية حتى خارج حدود الدول.

 ونقلت وكالة «سبوتنيك» عن الخبير الإسرائيلي في الشؤون الخارجية والأمن، سيمون تسيبيس قوله: «إسرائيل حليف للولايات المتحدة، وهي لا تحتاج إلى دعوة رسمية من السلطات الأفغانية نفسها لتقديم بعض المساعدة للجيش الأمريكي في هذا البلد، إسرائيل جزء من تحالف يعمل في أفغانستان، لذلك فإن وجود الجيش الإسرائيلي في بلد مثل أفغانستان، حتى لو لم يكن ذلك تحت علمه الخاص، ولكن جزء من القوات المسلحة للولايات المتحدة أو دولة حليفة أخرى، هو أمر مشروع تمامًا»، كما أضاف: «بالطبع، لدى الإسرائيليين مجموعة من المهام التي يتابعونها. خلال وجودهم في أفغانستان، فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن إيران تقع على الحدود مع أفغانستان، فإن وجود جيشنا بالقرب من حدود عدو محتمل مبرر وله شروطه الخاصة، وقد تحاول إسرائيل إقامة تعاون مع الأجهزة السرية التابعة للحكومة الأفغانية الرسمية من أجل استخدام خبرتها أو أرضها لجمع معلومات استخبارية تتعلق بإيران».

Embed from Getty Images

يهودي أفغاني انتقل إلى إسرائيل

كذلك تحدث تقرير إعلامي عن امتلاك الاستخبارات الإسرائيلية منظومة تجسس على إيران، انطلاقًا من قاعدة تابعة لسلاح الجو الأمريكي داخل أفغانستان، على مسافة 75 ميلًا من الحدود الإيرانية، وحسب المعلومات فإن «الاستخبارات الإسرائيلية تعمل أيضًا في منطقة أخرى تقع خارج قاعدة سلاح الجو الأمريكي، وبالتحديد من شيندند إحدى مديريات ولاية هراة غربي أفغانستان، على مسافة 120 كيلومترًا من الحدود الأفغانية – الإيرانية»، ويشير التقرير إلى «وجود حدود مشتركة بين إيران وأفغانستان دفع إسرائيل للعمل من هناك، وأن هناك هدفًا آخر يتعلق برغبة الاستخبارات الإسرائيلية في العمل وتنفيذ مهام من هذا النوع في ظروف وتضاريس مختلفة، ومن ثم اكتساب المزيد من الخبرات، ولا سيما في أساليب العمل وسط السكان المحليين».

المصادر

تحميل المزيد