إبراهيم أبو جازية

15

إبراهيم أبو جازية

15

16,018

في خطوةٍ نادرة وغير متوقعة، أعلن الجيش الإسرائيلي صباح أمس، الجمعة، عن استهدافه لعدة مواقع عسكرية سورية نظامية فجر اليوم. تعتبر هذه الخطوة هي الأخطر، والأعنف من نوعها منذ بدء الأزمة السورية منذ ستّ سنوات، وتحديدًا منذ مارس (آذار) عام 2011. ويحيط بالحادث الكثير من الغموض، والتناقضات والتضارب في التصريحات، خاصةً من الجانب السوري النظامي، والتي تتعلق بالردّ على خطوة إسرائيل.

وحتى بدون التضارب في التصريحات، فإن حادثٍ كهذا يفتح آفاق كبيرة للتفكير في ماهيته، ويفتح عددًا من القضايا الشائكة أيضًا، مثل علاقة بشَّار الأسد بإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وأيضًا علاقة الرئيس الأمريكي ببشَّار الأسد ونظامه، وخاصةً فيما يتعلق بتقارب ترامب من نظام الأسد، ونظام نتنياهو، بالإضافة إلى العلاقات الروسية الإسرائيلية بعد زيارة نتنياهو إلى موسكو منذ حوالي أسبوع واحد فقط، ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تفاصيل الهجوم الإسرائيلي

في الساعة السادسة والثلت من صباح الأمس، أعلن المتحدث بإسم جيش الدفاع الإسرائيلية، بيتر ليرنر، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، «تويتر»، أن القوات الجوية الإسرائيلية استهدفت عدَّة مواقع في سوريا في منتصف الليل، مشيرًا إلى أنَّه تمّ إطلاق صواريخ مضادَّة للطائرات من الجانب السوري على القوات الإسرائيلية، غير أنه تمّ التصدي لها، وذلك دون إبداء أي تفاصيل أخرى. بعدها بأقلّ من ربع ساعة، نشر أفيخاي أدرعي، المتحدِّث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، تغريدة له على الموقع ذاته، ليؤكد ما قاله ليرنر، ولكن باللغة العربية هذه المرَّة، وأيضًا دون أي تفاصيل أكثر من ذلك.

من جانبه، أعلن الجيش السوري النظامي في بيانٍ له نشرته وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، والذي أكد فيه اختراق أربع طائرات إسرائيلية للمجال الجوي السوري، وذلك في منطقة البريج عبر الأراضي اللبنانية، وتحديدًا في الساعة 2.40 صباحًا، لتستهدف مواقع عسكرية في اتجاه مدينة تدمر الأثرية في ريف حمص الشرقي.

الجدير بالذكر أن مدينة تدمُر الأثرية تعتبر من أهم المدن السورية، والتي وقعت تحت سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) لفترة، غير أن الجيش السوري النظامي وقوات بشَّار الأسد استردتها مرة أخرى.

أشار بيان الجيش السوري إلى أنه استطاع إسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية الأربعة، فضلًا عن إصابته لثانية، وفرار الطائرتين المتبقيتين، وهنا يكمن التضارب الأول؛ حيث نفى الجيش الإسرائيلي ذلك في تصريحٍ خاصّ لوكالة الأنباء الفرنسية ليؤكد أنه لم تتعرَّض أي من طائراته، ولا الفريق المشارك في العملية، لأي ضرر خلالها.

أمَّا عن التضارب الثاني في التصريحات، فيكمن في إعلان الجيش الإسرائيلي تصديه لعدد من الصواريخ القادمة من سوريا بإتجاه إسرائيل؛ فمثلًا التصدي لصاروخ أرض-جو واعتراضه؛ مما أدى إلى سقوط حطامه في الأردن، كما اعترض أيضًا صاروخين آخرين، ولكن سقطت حطامهما هذه المرة داخل إسرائيل، أو في منطقة هضبة الجولان السورية، المحتلة من قبل إسرائيل منذ عام 1967، وذلك عبر تفعيل المنظومة المضادة للصواريخ الأكثر تقدّمًا في العالم، منظومة آرو أو حيتس، والتي تستطيع وقف الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

وكما يبدو، فإن رواية إسرائيل تبدو صادقة أكثر من رواية الأسد، ويُفسَّر ذلك بسماع أصوات الانفجارات، وصافرات الإنذار في منطقة مستوطنات غور الأردن؛ حيث إن هذه الصافرات والانفجارات كانت تمثل تصدي المنظومة الإسرائيلية المضادة للصواريخ، تلك القادمة من سوريا.

حطام الصاروخ السوري في الأردن

ليست المرة الأولى: إسرائيل دائمًا تستهدف سوريا سرًا

بخصوص هذا الحادث، لم تعلن أي جهة عسكرية إسرائيلية حتَّى الآن أسباب الغارة الجوية الإسرائيلية في سوريا، غير أن القناة الثانية للتليفزيون الإسرائيلي أعلنت في وقتٍ لاحق من اليوم أن الغارة استهدفت شحنة أسلحة استرايتيجية، والتي كانت مُوجَّهة إلى حزب الله اللبناني.

يُذكر أن عددًا من وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية كشفت خلال السنوات الأخيرة عن شنّ غارات منسوبة إلى إسرائيل ضد شحنات أسلحة موجَّهة إلى حزب الله اللبناني خلال مرورها في الأراضي السورية، إلا أنّ إسرائيل لم تعترف أو تؤكد أو تنفي أي من هذه الغارات.

الجدير بالذكر أن هذه الحادثة لم تكن الأولى فيما يخص الهجمات الإسرائيلية على سوريا منذ بداية الأزمة في سوريا، فهناك تقريبًا أربعة حوادث إسرائيلية مشابهة، لذلك يكمُن التناقض الشديد في الأمر؛ مما يدعو للتوقُّف للتفكير في أسباب اعتراف إسرائيل هذه المرَّة.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أطلقت إسرائيل طلقات تحذيرية باتِّجاه سوريا، وذلك بعد أن أصابت قذيفة هاون أحد المواقع العسكرية الإسرائيلية، لتسجِّل إسرائيل في هذه المرة إطلاق النار للمرة الأولى على سوريا عبر هضبة الجولان، وذلك منذ حرب 1973.

وأيضًا، في عام 2013، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مواقع متعددة في سوريا، وذلك بحسب مسؤولين أمريكيين لشبكة سي إن إن، والذين يعتقدون بوجود قوَّات إسرائيلية في مواضع خفيَّة داخل الأراضي السورية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنه في عام 2014، قالت الحكومة السورية، وأيضًا جماعات المعارضة السورية: إن هناك غارة إسرائيلية استهدفت ضواحي دمشق والمطار.

وأخيرًا، في أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي، ذكرت عدد من وسائل الإعلام السورية أن عدد من الطائرات الإسرائيلية ضربت مواقع عسكرية، وقوافل أسلحة، وذلك قرب العاصمة السورية دمشق.

مناشدات دولية

من جانبها، أعلنت وزارة الخارجية السورية أنها وجَّهت رسالتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى رئيس مجلس الأمن الدولي، والتي أدانت فيهما ما أسمته العدوان الإسرائيلي الغاشم على سوريا، والذي يعدُّ انتهاكًا للقانون الدولي، ومواثيق الأمم المتحدة، ولسيادة وحُرمة الأراضي السورية.

كما أكد بيان الخارجية أن هذا الحادث يأتي في إطار سلسلةٍ من الاعتداءات التي قامت بها إسرائيل لدعم عملائها في الحرب الإرهابية على سوريا. وأشار البيان إلى أن إسائيل قد سخَّرت جميع إمكانياتها الأمنية، والعسكرية، والسياسية، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، وذلك بهدف تمكين الإرهابيين من إضعاف سوريا، وإطالة أمد هذه الحرب الإرهابية إلى أبعد مدى ممكن، وذلك من أجل استنزافها مرة أخرى، بحدّ تعبير البيان.

وأضاف: العدوان الذي أقدمت عليه إسرائيل صباح هذا اليوم فإنه يأتي في محاولة إسرائيلية جديدة لرفع معنويات هذه المجموعات الإرهابية المنهارة بعد الهزائم التي لحقت بها مؤخرًا على يد الجيش العربي السوري وحلفائه والهزائم التي منيت بها هذه المجموعات في حلب ودير الزور ودرعا وحمص ومواقع أخرى كثيرة.

واختتم البيان بتأكيد الخارجية السورية على أن الذرائع والمزاعم التي تقدمها إسرائيل كمبررات لشن اعتداءاتها ما هي إلا محاولات تضليلية رخيصة تستخدمها في كل مرة تفشل فيها بتبرير استمرار احتلالها غير المشروع للجولان السوري وللأراضي الفلسطينية وما تبقى من أراض محتلة في جنوب لبنان، مؤكدًا على أن هذه الاعتداءات الإسرائيلية على سورية لا تهدد الأمن والسلم في المنطقة فحسب بل تهدد الأمن والاستقرار في كل أنحاء العالم.

اقرأ أيضًا: بعد إعلانه وزير خارجيته.. كيف ستبدو سوريا بتحالف ترامب مع الأسد؟

الموقف الإسرائيلي من الحرب في سوريا

رسميًا، اتبعت إسرائيل سياسة «اللاموقف» من الوضع في سوريا منذ بداية عام 2011، غير أنَّها عمليًا كانت أقرب إلى نظام الأسد. وخلال السنوات الماضية، ظهرت تسريباتٍ صحفية لمصادر إسرئيلية مسؤولة ترى أن سقوط الأسد ليس في مصلحة إسرائيل، وذلك نظرًا لما يمثِّله من الثبات والاستقرار لها على مدار أربعين عامًا، كما أنه لم يسمح بإطلاق رصاصة واحدة طوال هذه الفترة تجاه إسرائيل.

عددٌ من الصحف الإسرائيلية أيضًا تناقلت تسريبات أمنية تشير إلى وجود إجماع داخل إسرائيل على أهميَّة بقاء نظام الأسد، وذلك بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي. كما اعتبر مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة، والمقرب من الحكومة الإسرائيلية، أن سقوط نظام الأسد سيمثل كارثة إقليمية لإسرائيل.

ولا يدري أحد إلى الآن إن كان كل هذا التأييد الإسرائيلي لنظام الأسد، فلماذا هجم على مواقع عسكرية نظامية في سوريا؟ ولماذا أعلن هذه المرة علنًا أمام الكل معترفًا بخرق القانون الدولي؟ هذا ما سنعرفه الأيام القادمة.