بعد مرور نحو عام على نشوب الحرب الأخيرة في إقليم «ناجورني قرة باج» بين أرمينيا وأذربيجان، عادت منطقة القوقاز مُجددًا إلى بؤرة الأحداث مع تصاعد التوتر مؤخرًا بين إيران وأذربيجان، فخلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، انتقد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، تعاملات أذربيجان مع إسرائيل والمناورات العسكرية الأخيرة بالقرب من الحدود الشمالية لإيران.

وقال عبد اللهيان: «لن نتسامح مع التغيير الجيوسياسي وتغيير الخريطة في القوقاز، ولدينا مخاوف جديَّة بشأن وجود الإرهابيين والصهاينة في هذه المنطقة»، وفي المقابل نفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأذربيجانية، ليلى عبد اللاييفا، ما قالته إيران، فيما انتقد الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف إيران، في مقابلة مع «وكالة الأناضول»، متسائلًا عن الأسباب الحقيقة التي دفعت طهران للقيام بمناورات حربية على الحدود الأذربيجانية.

وقد وُجِدت إسرائيل بساحة معارك «ناجورني قرة باج» في عام 2020، من خلال المعدات العسكرية ومنظومات التسليح التي حضرت بقوة على الجانب الآذري، وساهمت بفاعلية في تفوقه العسكري ومنحه موقعًا أفضل على طاولة المفاوضات، ومؤخرًا تتهمها إيران بمد نفوذها مرةً أخرى في المشهد الآذري وبالقرب من حدودها الجغرافية.

جورجيا.. بوابة إسرائيل إلى القوقاز

منذ لحظة التأسيس ارتكزت السياسة الخارجية الإسرائيلية على ثلاثة مبادئ توجيهية أساسية: النجاة في ظل المحيط العدائي العربي، والسعي وراء الريادة الإقليمية سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وأخيرًا تشكيل التحالفات الإقليمية والانخراط في التحالفات الموجودة بالفعل.

وانطلاقًا من المبدأ الأخير، اتبعت إسرائيل سياسة تُسمى «تحالف الأطراف»، منذ خمسينيات القرن الماضي، وكان مضمونها تطوير علاقات وثيقة مع الدول الإسلامية غير العربية في الشرق الأوسط، واستهدفت حينذاك تركيا وإيران (ما قبل الثورة الإسلامية).

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
كيف استفادت إسرائيل عسكريًا من التطبيع مع الإمارات؟

ومع تغير الوضع في هاتين الدولتين، بعد تأسيس نظام سياسي إيراني معادي لإسرائيل في مرحلة ما بعد الثورة، وبعد أن صارت العلاقات مع تركيا معرضة للتقلبات والأزمات من حينٍ لآخر، طوَّرت إسرائيل سياسة «تحالف الأطراف»، وراحت تستهدف منطقة القوقاز ذات الأهمية الديناميكية للشرق الأوسط، والتي تتمتع بنفوذ جيوسياسي على الجزء الشمالي منه، وضمن هذا التوجه ركَّزت على ثلاثة أهداف إستراتيجية:

1- تطويق إيران.

2- الحصول على مصدر لإمدادات الطاقة.

3- فتح سوق لبيع الأسلحة والذخائر عالية التقنية.

كانت جورجيا بوابة إسرائيل إلى منطقة القوقاز؛ ففي السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، وقبل انفصالها عن الاتحاد السوفيتي، هاجر معظم اليهود من جورجيا إلى إسرائيل، وكانت هذه الهجرة بدوافع اقتصادية بحتة مع البحث عن فرص للترقي الاجتماعي، وليس لدوافع متعلقة باضطهاد اليهود هناك، لذلك حافظ يهود جورجيا على علاقات وثيقة مع وطنهم السابق، حتى بعد هجرتهم إلى إسرائيل، وكان هذا مدخلًا مناسبًا للعلاقة بين البلدين.

وتتعزز هذه الفرضية، مع الإحصاءات الرسمية لعام 2012، والتي تشير إلى وجود 3540 يهوديًّا يعيشون في جورجيا، بينما تتراوح الأعداد غير الرسمية بين 8 و12 ألفًا، ويشغل المواطنون من أصول يهودية مناصب مؤثرة في الحكومة والشركات الجورجية، فعلى سبيل المثال درَسَ وزير الدفاع الجورجي السابق، ديڤيد كيزراشڤيللي في إسرائيل، وحصل على الجنسية الإسرائيلية، وكل هذا مثَّل فرصةً لمشاركة سياسية واقتصادية إسرائيلية أكبر في إقليم القوقاز.

Embed from Getty Images

الجيش الجورجي في حرب 2008  

وازداد انخراط إسرائيل في القوقاز بشكلٍ عامٍّ، وجورجيا بشكلٍ خاصٍّ، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما أنشأت وزارة خارجيتها «إدارات خاصة» في القوقاز وآسيا الوسطى، ودرَّبت إسرائيل الجيش الجورجي، وسمحت لشركات السلاح الإسرائيلية الخاصة بتزويده بطائرات دون طيار ومعدات متطورة، فيما أشرفت بعض القيادات الاستخباراتية الإسرائيلية على دعم الاستخبارات الجورجية، ومع تطور العلاقات، منحت جورجيا تسهيلات عسكرية لإسرائيل في المناطق الجنوبية، بما قد يسمح لها بالقرب، وربما التجسس على إيران.

وتغيَّر الوضع نسبيًّا بعد حرب «أوسيتيا» الجنوبية عام 2008، والتي شهدت غزوًا روسيًّا لجورجيا؛ إذ اضطرت إسرائيل لخفض مستوى انخراطها العسكري في جورجيا تجنبًا لغضب موسكو، ولكنها لم تتخل عن منطقة القوقاز، إذ اتجهت بقوة إلى الجارة الجنوبية لجورجيا «أذربيجان».

أذربيجان.. تحالف إستراتيجي دون تمثيل دبلوماسي

في عام 2009، وصف الرئيس الآذري «إلهام علييف»، العلاقات بين بلاده وإسرائيل بـ«الجبل الجليدي»، الذي يظهر منه على السطح 10% فقط، بينما الباقي مغمور في المياه، وفي أبريل (نيسان) 2016، عقب إعلان وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا خلال إحدى جولاتهم العسكرية، وصف أفيجدور ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل آنذاك، أذربيجان بأنها «الشريك الإستراتيجي الأوحد لإسرائيل في العالم الإسلامي».

وعلى الرغم من إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وأذربيجان في أبريل 1992، فإنه لا يوجد حتى الآن تمثيل دبلوماسي أذربيجاني في إسرائيل، فبينما افتتحت إسرائيل سفارتها في باكو عام 1993، قام الأذربيجانيون من جانبهم بتأخير افتتاح سفارتهم في تل أبيب مرارًا وتكرارًا، مفضلين التمسك بالقنوات غير الرسمية للتواصل الحكومي، ووفر لهم هذا الإطار علاقات مرنة، ترتكز على المزايا الإستراتيجية، دون وجود التزامات سياسية رسمية.

وبحسب بعض التحليلات، فإن أذربيجان لا تُمثِّل كنزًا إستراتيجيًّا بالنسبة لإسرائيل فحسب، بل تُعد منصة محتملة لعمليات إسرائيل العسكرية ضد إيران، في حال نشوب حرب مستقبلية بينهما، مثلما تعد حاليًا ساحة لجمع المعلومات الاستخبارية حول إيران.

ورغم أن إسرائيل تحصل على أكثر من 40% من نفطها من أذربيجان، عبر خط أنابيب «باكو- تبيليسي – جيهان» فإن القيمة الكبرى للعلاقة الاقتصادية بينهما تتمثل في السوق الآذرية المفتوحة أمام الصناعة العسكرية الإسرائيلية، فمنذ عام 1991 حصلت باكو على معدات عسكرية إسرائيلية تُقدَّر قيمتها بنحو 7 مليارات دولار، وخلال السنوات الخمس الأخيرة استحوذت إسرائيل على 69% من واردات أذربيجان العسكرية، وخلال عام 2020 فقط بلغ حجم واردات أذربيجان العسكرية من إسرائيل ما يقرب من 200 مليون دولار، من بين 7.3 مليارات دولار، هي الحجم الكلي لصادرات إسرائيل العسكرية في العام نفسه.

Embed from Getty Images

مجندات إسرائيليات بالقرب من نظام دفاع القبة الحديدية

وتعد إسرائيل هي المورِّد الأساسي للأسطول الآذري الجديد؛ ففي عام 2013 طلبت باكو من إسرائيل الحصول على ست سفن دوريات بحرية من طراز «OPV-62»، وكذلك ست سفن دورية سريعة من طراز «Shaldag»، وقد عمل الإسرائيليون على إنتاج هذه السفن وتسليمها بين عامي 2015 و2019، وذلك في قاعدة بحرية صغيرة جرى تأسيسها شرق باكو لهذا الغرض خصيصًا.

ويتمثل جانب آخر من التعاون العسكري التقني المشترك في حصول أذربيجان على أنظمة وأسلحة مضادة للدبابات من إسرائيل، وهو أمر ضروري بالنظر إلى عدد المركبات المدرعة التي كانت منتشرة بين القوات الموالية لأرمينيا المتمركزة في «ناجورني قرة باج»، كذلك حصلت باكو خلال السنوات الخمس الماضية على طائرات إسرائيلية بدون طيار، والتي ساهمت بفاعلية في حربها الأخيرة ضد أرمينيا.

وكانت هذه الطائرات مسؤولة عمَّا يقرب من 90% من الخسائر الأرمينية في الدبابات والمدفعية الثقيلة وأنظمة الدفاع المضادة للطائرات، وبالإضافة إلى هذه الأسلحة، نفَّذت شركة «Elta Systems» الإسرائيلية رسم خرائط رقمية لكامل منطقة «ناجورني قرة باج»، مما أعطى ميزة كبيرة للقوات الآذرية في إدارة عملياتها العسكرية هناك.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، قالت تقارير صحفية إن أذربيجان تدرس شراء صاروخ «Arrow-3» الإسرائيلي، وهو ضمن صواريخ اعتراضية رئيسة أنتجتها شركات إسرائيلية وأمريكية بدعم حكومي، ويأتي هذا في ظل تصاعد التوترات مع إيران؛ إذ يبدو أن أذربيجان تستهدف بشراء هذا الصاروخ التحسب لقدرات إيران الجوية، سواء الطائرات بدون طيار أو الصواريخ الجوالة أو الصواريخ الباليستية.

الطريق إلى حصار إيران

يقول الجانب الآذري أن سبب الخلاف الأخير مع إيران، هو علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع عدوها أرمينيا، والتي مثَّلت بالنسبة للأخيرة «شريان حياة اقتصادي»، لكن من جانب آخر فأذربيجان تنظر إلى إيران بوصفها منافسًا جيوستراتيجيًّا، فهي قلقة من خطط طهران التوسعية، بجانب إساءة معاملة الأقلية الآذرية، والاحتلال التاريخي لأراضيها.

في المقابل، تقول إيران إن أذربيجان منحت إسرائيل حرية واسعة لاستخدام أراضيها لشن عمليات في العمق الإيراني، كما تزعم طهران أن إسرائيل استخدمت الأراضي الآذرية بوصفها نقطة انطلاقٍ لسرقة أعداد كبيرة من الملفات النووية الحسَّاسة في عام 2018.

Embed from Getty Images

اتفاقية التطبيع الإماراتي- البحريني مع إسرائيل 

لكن مصدر الخطر الحقيقي بالنسبة إلى إيران، هو أن إسرائيل لم يكن لديها في أي وقت من تاريخها علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية واستخباراتية مع الدول المتاخمة لها مثلما يحدث اليوم، بما في ذلك علاقاتها مع جورجيا التي كانت خاضعة للتوازنات مع روسيا، وهو أمر يُعمِّق النفوذ الإسرائيلي، ويصل به إلى مستويات تُهدد الأمن القومي الإيراني في نظر النظام.

وعند توسيع نطاق التحليل، فنضع ما سبق بجوار المستويات المتقدمة والعميقة للعلاقات الإسرائيلية العسكرية مع دول الخليج، وتحديدًا الإمارات، والتقارير الأخيرة التي تتحدث عن وجود عسكري إسرائيلي في جزيرة سقطرى اليمنية، ناهيك عن العلاقات الوثيقة بين الحكومة الإقليمية الكردية في شمال العراق وإسرائيل، سيتضح أن طهران تشعر بتطويق إسرائيل لها جغرافيًّا، وبنمط إستراتيجي غير مسبوق.

المصادر

تحميل المزيد