يُقال إن بحر غزة هو «المتنفَّس الوحيد» لسكّانها، وأيضًا فيه تلتقط الأنفاس الأخيرة لصياديها، حين تمطرهم الزوارق الحربية الإسرائيلية بنيرانها، فتخلط دماؤهم برزقهم من السمك.

تعود التفاصيل إلى نهج للاحتلال يقضي بإحكام الحصار بحرًا على القطاع، فيمنع الصيَّادين من الوصول إلى مكان السمك، أو يقتلون حين يقتربون أو لا يقتربون من الميل المحدد لهم حسب المزاج الإسرائيلي، هناك خياراتٌ أخرى قد تكون من نصيبهم، كالاعتقال بعد السباحة عراةً وتحت أزيز الرصاص وصولًا إلى الزورق الحربي، أو مصادرة مراكبهم بشباكهم وكل ما تحوي.

«الشاطئ» يتلقَّى ضربات موجعة.. شهيدٌ تلو الآخر

مضى عصر يوم الأحد، الموافق 25 من فبراير (شباط) المنقضي هادئًا إلى حدٍ ما على قطاع غزة، إلى حين فُجِعَ السُّكان وخاصة القاطنين في مخيم الشاطئ (غرب غزة) باستشهاد صياد فلسطيني يدعى «إسماعيل صالح أبو ريالة» (18 عامًا).

الصياد «إسماعيل صالح أبو ريالة».

الحادثة مكررة، الزوارق الحربية الإسرائيلية تستهدف مركبًا على متنه ثلاثة صيادين من عائلة «أبو ريالة»، أطلق جنودها نيران أسلحتهم الرشاشة تجاه القارب الذي وصل إلى شمال القطاع بذريعة تجاوز الحد المسموح له، هذا الميل يقدَّر حسب الإعلان الإسرائيلي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بستة أميال، لكنَّ ما ثبت أنَّ مركب «أبو ريالة» حين أطلقت النيران تجاهه كان على مسافة تقدَّر بنحو ثلاثة أميال بحرية فقط قبالة شاطئ مدينة غزة، وفيما استشهد إسماعيل ولم يتمكَّن أهله حتى الآن من إيجاد جثمانه أصيب الآخران وتم اعتقالهما.

قبل نحو خمس سنوات سجَّل موقع إلكتروني فلسطيني مقابلة مع إسماعيل، حين كان عمره (13 عامًا)، قال فيها بكل براءة: «أنا أذهب لحماية المركب من إطلاق النار تجاهنا من قبل زوارق الاحتلال»، كما يؤكّد الفتي حينها أنه اختار ترك المدرسة كي يقوم بإعالة أسرته، وذلك بالانضمام إلى أشقائه في مهنة الصيد التي تشتهر بها عائلتهم المتمركزة في مخيم الشاطئ، خاصة أن والده «صالح» أصيب برصاصة في قلبه أثناء صيده ويعاني من صعوبةٍ بالتنفس، وتابع القول: «أذهب للصيد يوميًا مع أشقائي الثلاثة من الساعة الثانية صباحًا ولغاية العصر».

وينقل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، شهادة الصياد «محمود عادل أبو ريالة»، الذي أصيب في حادثة استشهاد إسماعيل، فيقول: «قام جنود البحرية الإسرائيلية بإطلاق نيران أسلحتهم الرشاشة بكثافة تجاه القارب، مما أدى إلى إصابة الصياد إسماعيل صالح أبو ريالة، بعيار ناري في الرأس توفي على إثره، وأُصبت بعيار مطاطي في ساقي، والصياد عاهد حسن أبو علي، بعيارٍ مطاطي في ساقه، وأُتلف قارب الصيد الذي كنا على متنه»، وتابع القول إنّ جنود البحرية الإسرائيلية أمروهما بخلع ملابسهما والسباحة نحو الزورق الحربي، وقاموا باعتقاله وعاهد أبو ريالة، وقد أخضعا للتحقيق قبل أن يُطلق سراحهما في الساعة الثامنة من مساء اليوم نفسه.

نيران مصرية تلاحق صيادي غزة أيضًا!

ذهب الحاج الصياد «رمضان زيدان» لحضور عزاء جيرانه ورفاق مهنته «آل أبو ريالة»، كان  أكثر من شعر بآلامهم، فقد حضر هذا العزاء قبل أن يجفّ دمعه على فراق ابنه «عبد الله» الذي قتل في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد تعرُّضه لإطلاق نار مباشر من قبل الجيش المصري برفح.

الصياد عبد الله زيدان (المصدر: جريدة الرسالة).

قتل عبد الله ذو الثلاثة والثلاثين عامًا، حين قرر ترك الحدود الشمالية المملوءة بزوارق جيش الاحتلال، وتوجه نحو مياه البحر من الجهة الجنوبية مع مصر، علَّه يجدُ رزقًا يوفِّر قوت أبنائه الأربعة الذين أكبرهم «محمد» ذو التاسعة من العمر، ودون تجاوز للحدود المصرية، ومع بدء رمي الشباك تفاجأ عبد الله ورفيقه بوابلٍ من الرصاص أطلقه عليهم «طراد» مصري من دون أي إنذار، يقول الصياد الذي كان برفقته على ظهر المركب: «بقيت ثلاث دقائق بعد إطلاق النار ملقيًا وجهي على سطح القارب، لأنتبه بعدها لصوت أنفاس عبد الله وهو ينطق الشهادة، ثم خرجت بعدها من المياه ونقلناه إلى مستشفى ليفارق بعدها الحياة هناك».

لكن، ما الذي يحدث داخل البحر بشكلٍ عام؟ يجيب على هذا التساؤل الصياد أحمد زيدان، ابن عم الشهيد «عبد الله» فيقول: «ساحة حرب داخل البحر، تبدأ باقتراب الطراد الإسرائيلي منك، بينما أحد الجنود يصرخ في مكبر الصوت اذهب شمالًا، اذهب شرقًا، أنت تجاوزت الحدود، ومع هذا الصراخ لا يتوانى عن إطلاق النار في وقتٍ يكون الصياد فيه ما بين الخوف من جنود الاحتلال وأمواج البحر المتلاطمة»، ويضيف أحمد لـ«ساسة بوست»: «كثيرًا ما يطلقون النار بدون تفاهم، كما حدث أول أمس مع الصياد أبو ريالة، كذلك يطلبون منَّا خلع ملابسنا ثمَّ النزول إلى الماء والسباحة دون مراعاة لأية ظروف جوية ما بين 40-50 مترًا حتى وصول المركب التابع لجيش الاحتلال ليتم اعتقالنا، يحدث ذلك والرصاص يتناثر من حولنا للترهيب والتخويف».

ويتابع القول: «هذه اللقمة مغمسة بالدم، لا رزق فيها يقينا شرّ الحاجة بسبب التضييق المتواصل من الاحتلال، وكذلك يحاصرنا المصريون في مساحة لا تصلح للصيد البتَّة، هذا شاطئ للمصطفين وليس للصيد»، لا ينسى أحمد يوم حاصره الاحتلال في عرض البحر مع أربعةٍ من أقاربه حين طاردتهم القوارب الإسرائيلية، يقول أحمد: «إنه في لحظة واحدة تحوَّل البحر حولهم لساحة حرب، ساعة ونصف وإطلاق الرصاص متواصل علينا، انتهي الأمر بسلامتنا بمعجزة لكنهم صادروا مركبنا وبقينا أربع سنوات بدون مركب».

دماء أحد الصياد المصابين من الاحتلال (المصدر: المصور رمضان الأغا).

يذكر أن الحكومة المصرية شددت إجراءاتها بعد أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، ضدَّ الصيادين الفلسطينيين، إذ تطلق نيرانها عليهم دون اقتراب حقيقي من المياه الإقليمية المصرية، وتعتقل وتصيب بعضًا منهم تحت ذريعة التسلُّل لحدود مصر البحرية، كما أدى تدمير الأنفاق الحدودية إلى شحّ مادتي البنزين والسولار، مما زاد من تضرُّر قطاع الصيد في غزة، مع العلم أنه في الفترة (1967-1978م)، كان يصل الصياد الفلسطيني إلى 180 كم من شاطئ بحر غزة إلى بحيرة البردويل جنوبًا، بالقرب من مدينة العريش، بل وفي بعض الأحيان وصل الصيادون إلى منطقة بورسعيد المصرية.

البحر يحتضن جثمان «الهسي»

«هنا ينقصنا كل شيء، الغاز والغزل والماكنة، ويمنع عنا الوصول إلى السمك، إذ يوجد السمك بعد الأميال الستة المسموح لنا بالإبحار بها»، هكذا أجمل لنا الصياد أحمد الهسي معاناته مع مهنة الصيد، حاول الرجل الذي التقى بـ«ساسة بوست» في ميناء غزة، أن يخرج لنا بـ«حسبة» دقيقة لما يجمع جرَّاء هذه الصعوبات، يقول «أعمل أنا وأبنائي الثلاثة وأبناء أخي الأربعة، وبالكاد نجمع 200 شيكل (ما يقارب 60 دولارًا) في الشهر».

الشهيد الصياد، محمد الهسي.

المُصاب الأكبر من قلة هذا الرزق، كان حين فقد هذا الصياد ابنه «محمد» ذا الأربعة والثلاثين من العمر في يناير 2017، كانت حادثة استشهاده مؤلمة للغاية، لقد اعتلى القارب العسكري الإسرائيلي قارب الصيد الذي كان فيه محمد، قتله، فتسببت الحادثة في فقدان آثاره في عرض البحر حتى يومنا هذا، لكنَّ الدمار الذي لحق بالمركب لا يدع مجالًا للشك ببقائه حيًا، استشهد محمد وترك خلفه ثلاثة أبناء (صبيَّين وفتاة).

هذه الحادثة لم تنزع من الحاج أحمد حبَّه للبحر، يقول «هذه شغلتي وعملتي، وكلّه نصيب»، قوته تلك لم تؤثِّر على زوجته التي ترفض منذ استشهاد ابنها رؤية البحر، وعلى غير عادتها لا تريد رؤية الميناء الذي قضت فيه قبل استشهاد محمد الكثير من الوقت، يقول الحاج أحمد: «مرّ أكثر من عام ولا تتوقف عن البكاء، وكلما سمعت قصة استشهاد صياد فتحت جراحها أكثر».

في بحر غزة.. لقمة مغمّسة بالدم

يجبر الاحتلال الإسرائيلي الصيادين على التقيّد بمساحةٍ محدودة، وسواء خاطر بعض الصيادين بالدخول إلى مناطق أكثر عمقًا أو لم يخاطروا فمراكبهم تتعرض لإطلاق النار والمصادرة، وهم يُقتلون أو يعتقلون. وتواصل السلطات الإسرائيلية ملاحقة الصيادين، حيث سجل منذ بداية العام الحالي، اعتقال 14 صيادًا فلسطينيًا ومقتل صياديْن، وإصابة ستة آخرين، عدا عن مصادرة ما يزيد عن سبعة قوارب.

وحسب تقرير خاص بمنظمة «بتسيلم» فإنّ: «الجنود فرضوا على الصيادين تحت تهديد السلاح خلع ملابسهم والسباحة في البحر حتى سفينة سلاح البحرية، وذلك مع تجاهل الظروف الجوية»، ويضيف تقرير المنظمة الحقوقية الإسرائيلية: «من الإفادات التي قدّمها الصيادون ومن معطيات أجهزة GPS لتحديد المواقع، والتي تتواجد بحوزتهم يتبيّن أنّ قسمًا منهم تمّ اعتقاله دون أن يتجاوز المنطقة التي يسمح الجيش فيها بالصّيد».

ويتعامل الاحتلال بقسوة مع الصيادين الذين يتمُّ اعتقالهم حيث يقتادون إلى «ميناء أسدود» في أراضي 48، يقتادون مكبّلي الأيدي ومعصوبي العينين، وتتمّ مصادرة مراكبهم، ويضغط محققو الاحتلال علي هؤلاء للحصول على معلومات حول حماس قبل أن تقرر تحول هذا الصياد إلى أحد السجون أو إطلاق سراحه عبر معبر بيت حانون (إيرز).

وبحسب نقابة الصيادين في قطاع غزة، فإنّ: «نحو 4 آلاف صياد في قطاع غزة، يعيلون أكثر من 50 ألف فرد، يعملون بشكل شبه يومي في الصيد، يعدُّ هذا القطاع من القطاعات الاقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ يشارك في دعم الناتج القومي الفلسطيني، وتشغيل أعداد كبيرة من الصيادين، وممن يعملون في المهن المرتبطة بالصيد، مثل: تجار السمك، والميكانيكيين، والكهربائيين، وبنائي المراكب، وتجار أدوات الصيد».

الاحتلال لا يلتزم بالاتفاقيات

تنصُّ اتفاقيات أوسلو التي وقِّعت بين إسرائيل ومنظَّمة التحرير الفلسطينية عام 1993م، وما تبعها من بروتوكولات اقتصادية على أن إسرائيل مُلزمة بالسَّماح بالصيد حتى مسافة 20 ميلًا بحريًا، وهو التزام لم توفِ به يومًا، فنطاق الصيد المسموح به منذ توقيع الاتفاقية لم يقفز 12 ميلًا بحريًا، مع استمرار تخفيض هذا النطاق أكثر فأكثر، حتى وصل أحيانًا إلى ثلاثة أميال بحرية فقط.

وحسب تقرير خاص بالانتهاكات ضد الصيادين أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: «تمثل الاعتداءات الإسرائيلية على الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة انتهاكًا سافرًا لقواعد القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والخاص بحماية حياة السكان المدنيين واحترام حقوقهم، بما فيها حقّ كل إنسان في العمل، وحقّهم في الحياة والأمن والسلامة الشخصية»، ويضيف التقرير: «وفقًا للمادتين الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والسادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، رغم أنّ إسرائيل طرف متعاقد في العهد. وجاءت هذه الاعتداءات في وقت لم يكن فيه الصيادون يمثلون خطرًا على القوات البحرية الإسرائيلية المحتلة، فقد كانوا يمارسون عملهم ويبحثون عن مصادر رزقهم».

وقبل عام 2007 كان القطاع يصدِّر أسماكه ذات الجودة العالية إلى الضفة الغربية وإلى داخل مدن فلسطينيي 48، لكن فيما بعد منعت إسرائيل تصدير الأسماك الى نطاقها وتسويقها في الضفة وخرق اتفاق التهدئة الذي أبرم بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل برعاية مصرية صيف عام 2014.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!