كل ما يهم قبل كل شيء هو أن تكون إنسانًا مع العملاء كي تمنحهم الثقة * روني شاكيد، العضو السابق في «جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)»

مُنحت هذه الثقة لأربعة عملاء في قطاع غزة تسببوا في اغتيال القائد في «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» مازن فقها بغزة في مارس (آذار) 2017، وفيما تمكنت «حماس» من اعتقال ثلاثة من هؤلاء العملاء، تمكن رابعهم من الهرب عبر المنطقة الحدودية من قطاع غزة إلى إسرائيل، ثم ظهر هذا العميل الذي يدعى أيمن صيام بعد هروبه بفترة قصيرة يستجم بين البحر والزرع في مدينة إيلات الإسرائيلية.

أرادت إسرائيل أن تظهر هذه الصورة لعملائها الذين تحتضنهم بعد افتضاح أمرهم، لكن صورة صيام حديث العهد بالهرب لإسرائيل لا تستطيع محو حقائق يؤكدها بشكل متواصل وسائل الإعلام والحقوقيون الإسرائيليون، وهي أن الاحتلال في المحصلة يلقى بهؤلاء في «مزبلة» لا ينال فيها العميل إلا  التهميش والذل – بشهادة العملاء أنفسهم – فإسرائيل التي تعدهم بالحماية والدفاع عنهم مقابل توفيرهم معلومات أمنية لها تعاملهم بعد كشف أمرهم بطريقة مهينة.

قاتل عياش: «أغلق نوافذ منزلي خشية من اغتيالي»

قبيل يوم الخامس من يناير (كانون الثاني) 1996 لم يكن لدى إسرائيل هدف أولى من التخلص من المهندس الفلسطيني يحيي عياش، المطلوب الأول لأجهزتها الأمنية، فقد كان خريج الهندسة الكهربائية وخبير المُتفجرات في «كتائب القسام» مسئولًا عن مقتل عشرات الإسرائيليين في العمليات الفدائية التي وقعت في  مدن العفولة، الخضيرة، بيت ليد، تل أبيب.

لافتة تحذيرية للعملاء في قطاع غزة

جندت إسرائيل كل طاقتها من أجل التخلص من عياش الذي قرر الخروج من كل مدن الضفة الغربية – وليس فقط قريته رافات الواقعة في نابلس (شمالي الضفة الغربية) – وتوجه نحو قطاع غزة فعاش في شقة سرية محاطًا بكافة الإجراءات الأمنية التي تحول دون وصول الاحتلال إليه.

بعد ما يقارب السنوات الثلاث، تمكن الإسرائيليون من إيجاد خيط للوصول إلى عياش، وذلك عندما رصدوا مكالمات هاتفية يجريها كل يوم جمعة من أجل الاطمئنان على والده المقيم في نابلس، فرتبوا لاغتياله عن طريق تفخيخ هاتف محمول يصل إليه عبر سلسلة من الأشخاص، واختاروا لهذه المهمة تجنيد قريب لصديق عياش وزميله في الدراسة بجامعة بيرزيت.

وصل الهاتف لعياش بالفعل – وهو من نوع «ألفا» القابل للثني – عن طريق صديقه الذي تسلم الهاتف من خاله العميل دون أن يعلم أنه مفخخ، أو أن خاله قد تم تجنيده من الاستخبارات الإسرائيلية، لذلك فبمجرد أن قرر عياش الاتصال بوالده يوم الجمعة حتى انفجر الهاتف الملغم بـ50 غرامًا من المواد شديدة الانفجار في بطاريته، فقد أُرسلت إشارة إلكترونية تم بثها إلى الهاتف المحمول من طائرة باتشي إسرائيلية تحوم في أجواء قطاع غزة، وفيها جهاز التحكم عن بعد.

يقول والد عياش عن هذه اللحظات: «حولوا المكالمة إليه وتحدثت معه، قال لي: كل شيء بخير أبي، انتبه لصحتك. وفجأة انقطعت المكالمة. اعتقدت أن السبب هو مشكلة بخدمة الاتصالات، وحاولت معاودة مكالمته، لكن الخط كان مقطوعًا، أبلغوني عند الظهيرة بأنه قُتل».

بقيت الكثير من أسرار اغتيال عياش غير معروفة، حتى كشفت القناة الإسرائيلية في 13 في أبريل (نيسان) 2018 عن بعض هذه الأسرار في مقابلتها – لأول مرة منذ 22 عامًا – مع العميل الفلسطيني الذي أوصل الهاتف لعياش، كان رجل أعمال يتمتع بشبكة علاقات وثيقة مع العديد من الشخصيات القيادية في قطاع غزة، ويمتلك الملايين من الدولارات.

يقول هذا العميل واسمه كمال حماد: «بعد أن سمعت صوت الانفجار فرحت، لكن الفضيحة بدأت تلاحقني، وأصبحت هدفًا مطلوبًا للمنظمات الفلسطينية، واتهمت بقتل يحيى عياش، وهربت فورًا من غزة لإسرائيل، ولجأت لجهاز «الشاباك»، كما حاولت الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، لكني عدت لإسرائيل».

لم تعوض إسرائيل حماد عن ثروته المقدرة بـ21 مليون دولار، والتي صادرتها السلطة الفلسطينية بعد اكتشاف أمره، بل إن الإسرائيليين نسوه، وسحبوا منه كل الامتيازات بعد افتضاح أمره، ويقول عن حياته: «أغلق نوافذ منزلي خشية من اغتيالي، إسرائيل لم تكرمني على ما قدمت من مساعدة لهم، وأحظى بمعاملة سيئة من الإسرائيليين الذين رفضوا حتى منح الجنسية الإسرائيلية لزوجتي».

«نيويوركر»: كيف يتجسس الموساد على نشطاء مؤيدين لفلسطين في أمريكا؟

 

عودة الترابين.. 15 عامًا في السجن ولا منزل ليعيش فيه

بعد 15 عامًا، نجحت إسرائيل في إعادة جاسوسها الشهير الترابين من السجون المصرية، حدث ذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وشهد خروج الترابين احتفاءً إسرائيليًا كبيرًا، حتى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي تدخل لإخراجه خلال حقب ثلاثة رؤساء مصريين (حسني مبارك، ومحمد مرسي، وعبد افتاح السيسي) استقبله استقبالًا رسميًا، وقال حينها: «دولة إسرائيل تعتني بجميع مواطنيها، دون استثناء».

عودة الترابين مع نتنياهو (المصدر : إسرائيل أوف تايمز)

بعد أربعة أشهر فقط من الاحتفاء الإسرائيلي بخروجه من السجون المصرية، قرر الترابين الزواج، وشرع في بناء بيت صغير من أجل الاستقرار به، وبدء حياته من جديد،  اختار أن يكون هذا البيت في القرية البدوية غير المعترف بها، والتي تعيش بها عائلته، لكن سرعان ما تلقى أمرًا قضائيًا إسرائيليًا بهدم هذا المنزل.

وقال الترابين عن هذه اللحظات: «لقد جاءوا إلي بأمر لهدم المنزل الذي بدأت بناءه بعد شهر من عودتي من السجن، أنفقت فيه حوالي 60 ألف شيكل إسرائيليًا جديدًا (حوالي 15900 دولار) على حوالي 100 متر مربع»، وتابع القول: «يجب أن يخجلوا، أنا غاضب، ليس لدي منزل لأنام فيه، أنا أنام حاليًا في منزل والديّ، ألا يخجلون من تدمير منزلي، أتريدون أن تدفعوا بي إلى الجنون؟».

ويعيش الترابين في قرية واقعة في النقب المحتل ومحاطة بمكب نفايات ضخم تم إنشاؤه أوائل التسعينات، ولا تعترف إسرائيل بهذه القرية، لذلك تواصل عمليات هدم المنازل فيها.

«استخدموني كليمونة تم اعتصارها وإلقاؤها في حاوية المهملات»

قصة أخرى تعود لفتى ولد في العام 1978 لأسرة فقيرة تعيش في قرية تجاور مستوطنة أرئيل المقامة على أراضي سلفيت في الضفة الغربية المحتلة، لكن الفتى زهير الذي حين شب لم يطق هذا العيش الفقير الذي تزامن مع تعنيف والده المتواصل له ولأمه وباقي أشقائه الخمسة.

تمرد زهير حين أصبح في الثانية عشرة من عمره على ظروف الفقر، واختار الهرب من طفولته البائسة والحزينة للعيش في إسرائيل كما يقول، يقول عن هذه البداية إنها «جاءت بعد زيارته مستوطنة أرئيل المجاورة، وملاحظته بيوتها الجميلة، ومساحاتها الخضراء، وحدائقها، وملاعبها، وشرطتها التي فرضت النظام والأمان».

وتابع القول: «في يوم كنت ذاهبًا إلى المدرسة، فشاهدت جنودًا إسرائيليين مسلحين يسيرون قبالتي، ولما وصلوا إلي قدم لي أحدهم طعامًا، كنت جائعًا وخائفًا، فقبلت بالطعام، وكان شهيًا، وكان الجنود مصابين بالملل على ما يبدو، فبدأوا يلعبون بالكرة في الطريق، وشاركتهم اللعب، وكان هذا لقاء مؤسّسًا بالنسبة لي».

وجد «الشاباك» في هذا الفتي الكنز الثمين فقام بتجنيده، في البداية قدم كل ما في حوزته من معلومات حيوية لهم، ثم أخذ يؤدى مهام أخرى كمرافقة المستعربين في البلدات الفلسطينية لاعتقال المقاومين والنشطاء، وحين كشف أمره ذات مرة خلال مرافقته للمستعربين، تمكنت السلطة الفلسطينية من اعتقاله، لكنه هرب من السجن بعد فترة وتوجه نحو إسرائيل.

وبرغم أن «الشاباك» زعم أنه عامل هذا العميل، الذي تهود وأصبح اسمه أودي أيلون كما يجب، وقدم له المساعدات المستحقة كالشقة، والمكافأة المالية، وامتيازات أخرى، إلا العميل أكد في كتاب خاص صدر حديثًا: «حين عدت من السجن كنت أظن أن المخابرات الإسرائيلية تنتظرني، وستستقبلني استقبالًا حافلًا، ولكن خابت آمالي بعدما انفضح أمري وصرت بالنسبة لها ورقة محروقة، وعاجزًا عن تقديم خدمات لها»، ويضيف في كتاب «هو من جماعتنا»: «استخدموني كليمونة تم اعتصارها وإلقاؤها في حاوية المهملات، يعاملوني معاملة الكلاب».

«حرقت نفسي من أجل إسرائيل»

«أنت لم تخن دولتك، أما أنا فقد حرقت نفسي من أجل إسرائيل، واليوم أعيش حياتي في خطر، أنت تعرف أني تجندت معكم بسبب ضغوطكم علي، لم يعد لدي خيارات، فقط ساعدني»، جزء من رسالة عميل فلسطيني خدم المخابرات الإسرائيلية أربع سنوات لمشغله الإسرائيلي.

حين تخون الوطن لن تجد تراباً يحن عليك يوم موتك….. يمهل ولا يهمل"تركونا مثل الكلاب"… عميل للاحتلال يتحدث عن مصيره وخوفه الدائم من القتل أو الخطف

Geplaatst door ‎حلحول Palestine‎ op Woensdag 20 maart 2019

لم يتلق هذا العميل ردًا على رسالته، وهو وضع طبيعي، فالمشغلون الأمنيون الإسرائيليون لا يردون على هواتف العملاء الذين يتصلون بهم، ولا يعترفون بهم بعد انفضاح أمر عمالتهم، اعتقل هذا العميل من قبل السلطة الفلسطينية وحين أفرج عنه وتمكن من الهرب لإسرائيل لم يحظ بأي امتيازات حتى بعد وصول  زوجته وطفلتيه إليه، وهو الأمر الذي دفعه إلى خوض نزاع قضائي في المحاكم الإسرائيلية للاعتراف به كأحد عملاء الدولة، وكي يحصل على بطاقة هوية زرقاء.

يقول المحامي الإسرائيلي هيرن رايخمان الذي يمثل العملاء أمام المحاكم الإسرائيلية في طلبات التعويض من الدولة: إن «جهاز الشاباك أقام في 1999 لجنة لحماية عملائه المعرضين للتهديد، تبحث في حالة كل عميل على حدة لتوفير إقامة له في إسرائيل إن تعرضت حياته للخطر في الأراضي الفلسطينية».

ويضيف لـ«إسرائيل هيوم» أن «المعيار الأساسي لدى المنظومة الأمنية الإسرائيلية هو إدخال أقل عدد ممكن من الفلسطينيين داخل إسرائيل؛ لأنهم خطر ديموغرافي وأمني، والإشكالية أن الدولة لا تريد دفع ثمن الخدمات الأمنية التي يقدمها هؤلاء العملاء إليها، مع أنهم فرطوا في كل ما يملكون من أجل إسرائيل، وتركوا خلفهم عائلاتهم وبيوتهم من أجل مساعدة إسرائيل في إحكام سيطرتها على المناطق الفلسطينية».

و«قرية العملاء» هي قرية صغيرة شمال النقب المحتل جمعت فيها إسرائيل مئات العملاء الفلسطينيين والعرب وعائلاتهم، بعد أن نقلت من رفح جنوب قطاع غزة مطلع عقد السبعينات من القرن العشرين، وأسكن فيها قبيلة أرميلات حيث يعاني هؤلاء من ظروف قاسية، تحيط بهم كل مظاهر الفقر والتهميش بحوالي 400 شخص يعيشون فيها، وتهدم منازلهم بحجة عدم الترخيص، وذلك برغم تسليح هؤلاء وإحاطتهم بجدار وسياج شائك.

وقد نال من عملاء القرية ما نال من غيرهم من العملاء، فإسرائيل ترد على شكواهم من سوء الخدمات بأنها مبالغة، وأنهم يحظون بالكثير من الاهتمام، ويقول أحد سكان القرية في ندم: «لو كان بإمكاني إعادة الزمن إلى الخلف، لكنت سأقول لأبي وجدي لماذا لم تقاتلوا من أجل أرضنا في سيناء؟».

«سمّن كلبَك يأكلكْ».. تاريخ التجسس المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة

 

المصادر

تحميل المزيد