تدعم الولايات المتحدة الأمريكية القطاعات العسكرية الإسرائيلية بالمال والتكنولوجيا والأسلحة المتطورة، وهذه السياسة المعلنة نهج معتاد. لكن ما قد يفاجأ البعض أن هذا النهج تغير لحد ما مؤخرًا.

تدعم الولايات المتحدة الأمريكية القطاعات العسكرية الإسرائيلية بالمال والتكنولوجيا والأسلحة المتطورة، هذه سياسة أمريكية معلنة ونهج معتاد مع حليفها الأهم في الشرق الأوسط، لذلك كان مفاجئًا، للجميع تقريبًا، أن يشهد هذا النهج بوادر تغييرات حادة.

إذ أصبح واضحًا أن الإدارة الأمريكية تميل لمواجهة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، تارة بإحباط صفقات أسلحة لا تتوافق مع الرؤية الأمريكية، أو بفرض شروط عند التفاوض على زيادة الدعم الأمريكي السنوي. بينما تتخوف إسرائيل، الراغبة في إنجاز اتفاقاتها قبيل خروج أوباما من البيت الأبيض، من انعكاس الأمر سلبًا على صناعاتها العسكرية، واقتصادها بشكل عام.

ماذا عن التعاون العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؟

يمثل التعاون العسكري الإسرائيلي الأمريكي نهجًا لا يمكن إنكاره، فقد عملت الحكومتان معًا لتطوير تقنيات عسكرية متقدمة، فطورتا نظم «ديفيدز سلينغ» للصواريخ المضادة، ونظم الدفاع الصاروخية «آرو» أيضًا، وساعدت الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل على أن تدر صناعة الصواريخ عليها مليارات الدولارات، إذ تشكل صناعة الصواريخ ومشتقاتها ما بين ربع وثلث مجموع أنظمة الأسلحة الإسرائيلية، التي تبيعها تل أبيبب في كل عام.

وانتهجت الولايات المتحدة سياسة دعم الصناعات العسكرية الإسرائيلية بمليارات الدولارات بشكل مباشر، لكن قبل انتهاء ولاية الرئيس أوباما، ترغب إسرائيل في إنجاز اتفاق الدعم المعتاد كل عقد لهذه الصناعات، قبل موعده في العام المقبل 2017، وطالبت بأن يقضي الاتفاق الممتد حتى عام 2029 بزيادة في الدعم الأمريكي، لكنها اصطدمت بشروط أمريكية غير معتادة، وبسياسية جديدة للرئيس أوباما، الذي يرى أن هذا الاستثناء الممنوح لإسرائيل «يجب أن ينتهي»، لأنه يمثل إهدارًا لأموال ضرائب المواطن الأمريكي، ويأتي على حساب صادرات أمريكا من الصناعات العسكرية.

 يقول يوسف الشرقاوي، المحلل والخبير في الشأن العسكري، أن الولايات المتحدة الأمريكية تعامل إسرائيل على اعتبار أنها «قاعدة عسكرية»، وحاملة طائرات لها في الشرق الأوسط، ويقول: «القبة الحديدية، ومعظم نظم الأسلحة الإسرائيلية، ممولة من أمريكا، أمريكا يحكمها شركات صناعة الأسلحة، وهي التي تقرر السياسة الأمريكية، وإسرائيل تعتبر فرع رئيس في هذه الفلسفة».

وأشار الشرقاوي خلال حديث لـ«ساسة بوست» إلى أزمة الدعم المالي الأمريكي للصناعات العسكرية الإسرائيلية، وقال: «عندما يتقاعد الضباط الإسرائيليون، يعقدون صفقات أسلحة لدول العالم الثالث وأفريقيا، بعيدة عن أعين أمريكا، ومن هنا ينشأ الخلاف، حدث ذلك أيضًا في صفقات الطائرات بدون طيار التي قامت بها إسرائيل، وفي صفقات أخرى تنوي إسرائيل إجراءها مع الصين، دون علم الولايات المتحدة».

يذكر أن ميزانية الجيش الإسرائيلي ووزارته تبلغ في العام 2017 المقبل 61.4 مليار شيكل، ما يعادل حاليًا 16 مليار دولار، مقابل 56.1 مليار شيكل في العام الجاري 2016، وهو ما يعادل 14.7 مليار دولار. وسترتفع ميزانية الجيش الإسرائيلي في العام 2018 إلى 63.4 مليار دولار، ما يعادل 16.6 مليار دولار.

كيف تحبط الولايات المتحدة الأمريكية الصفقات العسكرية الإسرائيلية؟

يمكننا تسجيل عدة جهود أمريكية، أحبطت خلالها صفقات أسلحة إسرائيلية، كان آخرها عرقلة صفقة تأجير الطائرات بلا طيار، بين إسرائيل وألمانيا، هذه الصفقة القاضية بأن يؤجر الجيش الإسرائيلي طائرات من طراز «هيرميز» لألمانيا، مقابل 650 مليون دولار، ثم اعترضتها شركة أمريكية مما أدى إلى عرقلة الاتفاق عليها، وكما ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية فإنّ: «الإدارة الأمريكية بدأت بممارسة ضغوط على برلين، كي تفضل شركة (جنرال أتوميكس) على الجيش الإسرائيلي، وذلك على الرغم من رفض المحكمة الألمانية التماسًا، تقدمت به الشركة الأمريكية ضدّ الصفقة مع إسرائيل».

أحبطت أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2014 صفقة أسلحة أخرى، بقيمة مليار دولار، تقضي بتزويد إسرائيل لبولندا بمنظومة صواريخ «العصا السحرية» المضادة للصواريخ، والتي تنتجها شركة «رفائيل« الإسرائيلية، وأقصيت هذه الصفقة لأن الأمريكيين قالوا «حتى هنا، كفى»، أيضًا حاولت الولايات المتحدة العام الماضي عرقلة فوز إسرائيل بعطاء بولندي، لشراء صواريخ تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، هذه الصفقة التي كانت تقضي بتزويد بولندا بصواريخ دقيقة، يبلغ مداها 250 كلم، نافست عليها أيضًا أمريكا، ومارست ضغوطًا كبيرة على بولندا، لحثها على قبول العرض الأمريكي ورفض الإسرائيلي، كما قالت المصادر الإسرائيلية.

وبحسب مسؤول في شركة أمنية إسرائيلية: «ضخ الأمريكيون الكثير من الأموال في تطوير منظومة العصا السحرية، وأشركوا فيها شركة رايثيون. وتبعًا لذلك، كان من السهل عليهم وضع فيتو على هذه الصفقة، وليست هذه المرة الأولى، فهناك حالات أخرى كانت شركات إسرائيلية على وشك بيع أنظمة أسلحة، إلى دول مختلفة، لكن الأمريكيين منعوا ذلك. لم يقولوا دائمًا (لا) بشكل صريح، لكن أدت مجموعة من الظروف إلى تبخر الصفقات وزوالها».

وكما اهتم الأمريكيون بمنع بيع صواريخ «العصا السحرية»، ركزوا أيضًا في سياسة المنع على الصناعات العسكرية الإسرائيلية على تحجيم صفقات الطائرات بدون طيار، السلاح الرئيس في عمليات «مكافحة الإرهاب» الأمريكية، فعملوا على الحد من استخدام وبيع طائرات بدون طيار لأغراض عسكرية، وهو أمر لم يقتصر على إسرائيل فقط، بل شمل أيضًا حلفاءً آخرين لأمريكا.

ويعتبر الإسرائيليون أن منع بيع الطائرات بدون طيار أمر يضر جدًا بصناعتهم، فتعتبر هذه الطائرات إحدى أهم السلع التي يصدرونها، فهي أداة فاعلة بسلاح الجو الإسرائيلي، وحسب ما يذكره موقع NRG العبري فإن: «المسؤولين الإسرائيليين اعتبروا أن سياسات أوباما الجديدة ستلحق ضررًا حقيقيًا بنظام الأمن في إسرائيل، خاصةً وأن الطائرات بدون طيار تُعد العامود الفقري لعمليات (مكافحة الإرهاب)، وأن مثل هذه السياسات ستعمل على شل الصناعات العسكرية الدفاعية في إسرائيل بأكملها».

إلى أي مدى ستتضرر الصناعات العسكرية في إسرائيل من السياسة الأمريكية؟

يتخوف الإسرائيليون من أن تتسبب السياسة الأمريكية، تجاه صناعاتهم العسكرية، بالحد من الإنتاج والترويج والبيع لهذه الأسلحة في العالم، ومن أن يتأثر تفوقهم العسكري النوعي بالتراجع، كما أن لهذه السياسة أثر على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل عام.

إذ تستغل إسرائيل ربع الميزانية الدفاعية، والدعم العسكري الأمريكي، في شراء معدات عسكرية للشركات الإسرائيلية، وهذا ما يعني تراجعًا في واردات شركات التصنيع العسكري الإسرائيلية، هذه الشركات التي تشهد في السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا في إيراداتها، وهو ما يعني زيادة الخسائر في ظل تقليص الولايات المتحدة لدعمها. يقول الكاتب الإسرائيلي «إيلي كلوتشتاين»: «الأوساط الأمنية الإسرائيلية تؤكد أن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة كفيلة بالتسبب في أضرار جسيمة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، بل إنها قد تعمل على توجيه ضربة قاسية للصناعات العسكرية الإسرائيلية»، وحسب كلوتشتاين، الكاتب في موقع «إن.آر.جي»، فإنها: «أزمة تعود في خلفياتها إلى عدم الاتفاق حتى الآن، بين واشنطن وتل أبيب، على حزمة المساعدات العسكرية السنوية التي تقدم لإسرائيل».

إلى أين تصل التخوفات الأمريكية من الصناعات العسكرية الإسرائيلية؟

هناك تعاون أمريكي إسرائيلي في مختلف المجلات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهناك مشاريع تصنيع عسكرية مشتركة بين البلدين، إلا أن عدة عوامل واعتبارات، منها ما هو اقتصادي سياسي، ومنها ما هو جيوسياسي وتقني، تؤكد أن أمريكا تحاول أن يكون هذا التعاون العسكري ضمن المسارات التي تصب في صالحها.

لذلك يؤكد أليكس فيشمان، المحلل العسكري البارز في صحيفة يديعوت أحرونوت، أنه: «عندما تكون الإدارة الأمريكية مصممة على تنفيذ سياسة تتعلق بجوهر مصلحتها القومية، لا يمكن لإسرائيل أن تثنيها، يمكنها أن تقوم بالمناورات، وباستعراض العضلات، ولكنها لن تنجح في تغيير أي شيء، كما أنه لا يمكنها حتى أن تعتمد على رأي عام أمريكي متعاطف، أو على الكونغرس«.

يشدد أيمن يوسف، أستاذ العلوم السياسة بالجامعة الأمريكية العربية، على أن الولايات المتحدة تخشى من زيادة تأثير الصناعات العسكرية الإسرائيلية، لعدة أسباب، منها أن أمريكا، باعتبارها قوةً عظمى، تحاول دائمًا أن تكون مصدر اعتماد رئيس وأساسي للدول التي تتعامل معها، في نواحي التصنيع والاستيراد والتوريد، ويدرك الكل أن إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة فيما يتعلق بمعداتها العسكرية المقدمة لها، وتقدم لها مساعدات أمريكية تبلغ حوالي ثلاثة مليارات دولار سنويًا، من أجل أن تقوم بوظيفتها في المنطقة.

كما يشير يوسف إلى التخوف الأمريكي من انتقال التكنولوجيا المتطورة، من الولايات المتحدة الأمريكية عبر البوابة الإسرائيلية، إلي دول معادية أو ليست بصديقة، خاصة الصين التي تبني نفوذها في شرق آسيا، ويقول يوسف لـ«ساسة بوست»: «في بداية القرن الحالي، تدخل الكونجرس الأمريكي وأوقف صفقة سلاح ما بين إسرائيل والصين، وذلك لأن أمريكا تخشى من وصول المعدات العسكرية الحساسة والتكنولوجيا المتطورة إليهم، حتى لا يحدث خلل بين الصين وأمريكا في منطقة شرق آسيا، ومن ثم يضر بأصدقاء واشنطن في تلك المنطقة، خاصة كوريا الجنوبية واليابان، كما أن أمريكا تخشى أن تكون هناك منافسة في السوق العالمية، على اعتبار أن إسرائيل المورد الخامس أو السادس في العالم للسلاح».

ويؤكد يوسف على أن هناك تخوفًا من وصول الطائرات بدون طيار، ذات التقنيات المتطورة إلى الجماعات التي تطلق عليها أمريكا «إرهابية»، أو إلى دول مثل الصين والهند، وبعض الدول التي تتوجس منها واشنطن، وذلك لأن مثل هذه التقنيات قد تقلب توازن القوى في هذه المناطق، لصالح دول أخرى على حساب التواجد الأمريكي في تلك المنطقة، حسبما قال.

وأيضًا استثمار النفوذ الأمريكي في ظل «المكايدة السياسية»

يقول أنس القصاص، الخبير في الشؤون الدولية والإستراتيجية: «تحاول الولايات المتحدة منذ فترة أن تضبط سوق الطائرات بدون طيار، وتجعله معياريًا، عن طريق الترويج لطائراتها مثل predator و reaper، وهذه مبادرة أمريكية حيال «الدرونز» تتولى الخارجية الأمريكية تنفيذها»، ويوضح القصاص أن هذه المبادرة ليست موجهة فقط ضد الصناعة الإسرائيلية، بل أنها برنامج طموح للسيطرة على سوق الدرونز في العالم من قبل أمريكا، لكن الإسرائيليين مهتمين بالمبادرة كونهم ثاني أكبر منتج لهذه الطائرات، بعد الولايات المتحدة، ويضيف أنس لـ«ساسة بوست»: «تزاحم إسرائيل الولايات المتحدة على هذا السوق منذ فترة، لذلك قد يكون التضييق والتحجيم الأمريكي للمبيعات الإسرائيلية من أجل استثمار النفوذ الأمريكي، في ظل المكايدة السياسية الحالية بين أوباما ونتنياهو».

ويشير هنا القصاص إلى أن الإسرائيليين يبيعون الطائرات بدون طيار، بأسعار رخيصة مقابل ضعف في التقنية، بينما الطائرات الأمريكية مكلفة جدًا لأنها بتحكم كامل، وإصدارتها من نفس الطائرة للجيوش فقط، أو combat drones، تكون مختلفة عن طائرات الاستطلاع، مما يعني التضييق على الطائرات الأمريكية، لأن الإسرائيلية رخيصة نسبيًا وليست معقدة من الناحية التكنولوجية.

ويتطرق القصاص إلى برامج التصنيع المشتركة بين إسرائيل والصين، وإسرائيل والهند، ويقول: «هذه البرامج تقلق أمريكا، لا سيما برنامج تصنيع وتدوير الصواريخ مع الصين، ويحدث في أوقات الأزمة مع الولايات المتحدة نشاط ملحوظ لهذا البرنامج تحديدًا، لأنه الأضخم بالإضافة طبعًا لبرامج تطوير الدرونز»، ويشير القصاص إلى أنه ليس من الضروري أن يكون هناك تسريب تكنولوجي يقلق الأمريكيين، «لكن في النهاية فإن التقنية الإسرائيلية تستبطن النموذج الأمريكي، من ناحية فلسفة التصنيع والتركيب وإدارة النظم والتشفير، وهذا ما يحاول الصينيون الوصول إليه من فترة لأخرى، عن طريق إسرائيل تارة وتارة أخرى عن طريق باكستان، حليفها الإستراتيجي الجديد»، حسب القصاص.

عرض التعليقات
تحميل المزيد