(عماد حسن إبراهيم)، يعرف الفلسطينيون هذا الاسم جيدًا ويميزونه أكثر باختصاره الشهير (عماد عقل)، أحد أخطر القادة الميدانيين لكتائب الشهيد (عز الدين القسام) الجناح العسكري لحركة حماس ورأس قائمة أهم المطلوبين لدى تل أبيب، وضابط الاتصال والعضو الأهم في (كتائب الشهداء) وهي المجموعة القتالية الأولى من مجموعات حماس والمسئولة عن اكتشاف وتصفية العشرات من العملاء والمتعاونين مع سلطات الاحتلال منذ بداية التسعينيات، والمسئول عن أولى عمليات القسام المسلحة في قطاع غزة ضد دورية حربية إسرائيلية كانت تقل قائد شرطة القطاع (يوسف إفني)، والقائد العسكري لكتائب عز الدين في الخليل قبل عودته إلى غزة، يجند مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي لمطاردته كل عملائه ومستعربيه وبالأخص وحدة النخبة السرية (شمشون) وقائدها (يوري أزولاي)، قضى (الشاباك) تحديدًا عامين في مطاردة (عماد) من الضفة إلى غزة بلا أمل وبفشل متوالٍ مع تساقط عملائه قتلى بلا توقف على يد (كتائب الشهداء) منذ ديسمبر من عام 1991 إلى أكتوبر لعام 1993، لكن نوفمبر أتى وسيظفر (يوري) _ ومن ورائه الإسرائيليون _ أخيرًا بما يريد!

مثل (عماد) صداعًا بالغًا في رأس مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، يقود المجاهدين لتنفيذ عمليات اعتبرت نقلة نوعية في تاريخ صراع (المقاومة & تل أبيب) الثنائي، تحولت المنطقة الشمالية من قطاع غزة على يده إلى منطقة بالغة الخطورة على دوريات جيش الاحتلال، ليس لديهم معلومات عن كيفية عبوره من الكمائن على الرغم من امتلاكهم صورته، خبير ماهر في التنكر وتقمص شخصيات المستوطنين اليهود، التعريف العملي للشخص الذي ينبغي التخلص منه في أقرب وقت مع ارتفاع معدل الخسائر الصهيوني، كابوس حقيقي أدى برئيس الوزراء الإسرائيلي حينها (إسحق رابين) أن يتقدم باقتراح لشقيق (عماد) ليخبره أن سلطات الاحتلال تعرض عليه التوقف عن ملاحقة القوات الإسرائيلية مقابل السماح له بالخروج من الأراضي المحتلة لمدة ثلاث سنوات على أن يرعى الاتفاق ويضمن تنفيذه وسلامة (عماد) منظمة الصليب الأحمر، عرض يجسد خطورته ورفضه بإصرار طبعًا، لذلك كانت وحدة المستعربين (شمشون) هي رأس الحربة في مطاردته كل ذلك الوقت.

في نوفمبر من عام 1993 وبعد عامين من الإرهاق المتواصل وعشرات الاعتقالات الإسرائيلية والاستجوابات شديدة العنف لمئات من الشباب وأعضاء حركة حماس وصلت معلومة ل(يوري) من عميل فلسطيني بأن (عماد) موجود الآن في بيت لعائلة تدعى (آل فرحات) بحي الشجاعية، ومن ثم أتت قوات الاحتلال وفرضت طوقًا أمنيًا مكونًا من 60 سيارة عسكرية بالإضافة لمروحية ومئات الجنود، ولأن (عماد) لم يكن بمفرده فقد قاتل بقدر الاستطاعة حتى يغطي على انسحاب رفاقه، ومن شدة وبسالة قتاله لم يكن استشهاده برصاص وإنما أطلقت القوات عليه قذيفة صاروخية مضادة للدروع نسفت رأسه إلى أشلاء.

حتى الآن، تعتبر وحدات المستعربين هذه العملية إحدى أنجح ما قامت به منذ إنشائها (مع الوضع في الاعتبار الرواية الرسمية الإسرائيلية المبالغ فيها)، وهي العملية التي وضع بعدها مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي ثقة أكبر وصلاحيات أوسع لوحدات المستعربين لدرجة عملهم بقواعد عسكرية خاصة فلا تسري عليهم القواعد والقوانين العادية، وهي التي جعلت المقاومة والفلسطينيين عمومًا يوجهون انتباهًا أكبر لهذه الوحدات.

(1) من هُـم؟!

(صورة نادرة لجنود مستعربين في عام 1940)

المعلومات المتداولة والمعروفة عن تاريخ المستعربين أن إسرائيل ابتكرت الفئة بكل أقسامها وفرقها في أثناء الانتفاضة الأولى وبعض المتداول يرجع تاريخ النشأة إلى أربعينيات القرن الماضي حيث بدايات الكيان الصهيوني بشكل رسمي، لكنها معلومات غير صحيحة، والصحيح ما ذكره (صامويل كاتز) الكاتب والصحفي الشهير والخبير الدولي في مكافحة الإرهاب في كتابه (ضربة مضادة عالمية، مكافحة الإرهاب الدولي) وهو أن فئة المستعربين تبلغ من العمر في عامنا الحالي مائة وستٍ من السنوات، أكثر من قرن حيث كان الظهور الأول لهم في عام 1909 عندما كانوا يمثلون نواة منظمة (هاشومير) بالعبرية أو (الحارس) وهي المنظمة التي أسسها مجموعة من أشهر وأغنى الصهاينة وعلى رأسهم (إسرائيل شوشت) و (إسحاق بن زفي)، منظمة اعتبرت الأولى الصهيونية من نوعها المنوط بها حماية ممتلكات ومستعمرات اليهود الناشئة في فلسطين ثم تطور عملها فيما بعد لإقامة المستعمرات بنفسها والمساهمة القصوى في اقتطاع أراضي الفلسطينيين جزءًا تلو الآخر، كان جنود وحرس الهاشومير يركبون خيولًا عربية أصيلة ويلبسون ملابس فلسطينية كاملة ويتكلمون اللغة العربية بطلاقة تامة، بالتالي كان تفريقهم عن الفلسطينيين في ذلك الزمن أمرًا يقترب من الاستحالة مما أتاح لهم اختراق المجتمع الفلسطيني والتوغل فيه ومعرفة أغلب الخطط التي أعدت ضد الصهاينة في ذلك الوقت.

استمرت المنظمة في عملها لعشرات الأعوام حتى حان وقت التطوير، في عام 1970 أعطى الجنرال (أرييل شارون) بطل إسرائيل حينها وقائد المنطقة الجنوبية توجيهًا إلى الكابتن (مائير داغان) لإنشاء الوحدة (ريمون) أصل وحدات المستعربين بشكلها الحالي، لم يتوان (مائير) _ الذي سيصبح بعدها باثنين وثلاثين عامًا مديرًا لمخابرات رئاسة الوزراء (الموساد) لتسعة أعوام كاملة _ عن تنفيذ الأمر وأنشأ الوحدة بالفعل والتي يطلق عليها أيضًا (سَيريت ريمون)، الخامة العسكرية الأولى للجنود العاملين تحت غطاء التخفي منتحلين هويات عربية، وكان مناط عمل الوحدة في غزة والهدف الرئيسي تتبع الناشطين الفلسطينيين والذي يمثلون خطرًا على الكيان الصهيوني عمومًا، وتم نقل مكان عملها أكثر من مرة ثم تفكيكها وإعادة إنشاء وحدة أخرى تحمل نفس الاسم وتعمل الآن على حدود سيناء!

(أفراد من وحدة الكرز)

في الثمانينيات حان موعد التطوير الثاني لوحدات المستعربين فأصدر وقتها الجنرال (إيهود باراك) قائد المنطقة الوسطى أمرًا بتشكيل وحدة (دوفديفان) أو (الكرز)، الوحدة 217 وهي إحدى أهم وحدات جيش الاحتلال الخاصة والتي تباشر عملها بشكل رئيسي في الضفة الغربية، في خلال عشرين عامًا من تأسيسها كان عمل الوحدة فوق قواعد وقوانين الجيش الإسرائيلي تمامًا ولذلك سميت بـ (الكرز) لأنها فاكهة تنمو على قمة أشجارها وبالمثل كانت دوفديفان رأس الحربة لجيش الاحتلال، ولأنها تعمل فوق القانون فقد أخذت عدة صلاحيات لا تتوافر لغيرها، فليس لها مهمة معينة أو موقع معين في أزمن الحروب الإسرائيلية ضد أي تنظيم أو دولة، وهي مرنة بحيث يمكنها العمل في عدة مناطق في وقت واحد، والأهم أن لها تصريحا أخضر بتنفيذ الاعتقالات السريعة واغتيال أي شخص وعمليات الخطف بلا خوف من ملاحقة قضائية وبلا اعتبار لقوانين حقوق الإنسان الدولية، والوحدة مدربة على حرب المدن وغير خاضعة إلا لقيادة المنطقة التي تعمل فيها بعكس الوحدات الإسرائيلية الخاصة الأخرى التي تكون تابعة للواء مثل جولاني أو أي لواء أو فرقة رئيسية.

بعد ذلك تم إنشاء الوحدة 367 والمعروفة باسم (شمشون) بأوامر قائد المنطقة الجنوبية حينها (إسحاق موردخاي) والتي باشرت عملها في قلب قطاع غزة على مدار عشرة أعوام (من 1986 إلى 1996) والمسئولة عما أدى لاغتيال الشهيد (عماد عقل)، وفي التسعينيات كان الموعد مع الإضافة الأخيرة لحقل وحدات المستعربين والأكثر نشاطًا حاليًا وهي وحدة (الاستطلاع الخاصة) أو ما تعرف بـ (ياماس) التابعة لحرس حدود الاحتلال والخاضعة مباشرة لسلطات جهاز مخابرات الأمن الداخلي (شين بيت).

(2) كيف يعملون؟!

وصلت في مرحلة ما لدرجة مدهشة من تقمص الشخصية لدرجة أني كنت أحلُم باللغة العربية، الإنسان عندما يكذب كثيرًا وباستمرار فإنه في النهاية يصدق كذبته، هذا ما وصلت إليه، وكلمة واحدة أنطقها بالعبرية أثناء نومي كانت كفيلة بكشف أمري للفلسطينيين

(يورام بنّور، صحفي إسرائيلي استعرب لمدة ستة أشهر أثناء الانتفاضة الأولى التي اندلعت في عام 1987 منتحلًا هوية أردنية وألف كتابًا عن تجربته في تلك الفترة بعنوان “أنا، عَدُوِّي“)

للمجتمع الفلسطيني _ كأي مجتمع _ خصائصه وعاداته وتقاليده ولهجاته ونمط حياة يومي مشترك بشكل ما، ولأن المجتمع الفلسطيني أيضًا به نسبة لا يستهان بها من العشائر والبدو فإن امتزاج الإسرائيليين بهم كان أمرًا بالغ الصعوبة حيث يسهل تمامًا التفريق بين العبراني والفلسطيني القح، الاستثناء هاهنا للمستعربين حيث يتم تدريبهم لشهور طويلة في أجواء فلسطينية خالصة ليخرجوا مجيدين تمامًا للغة العربية مع معرفة دقيقة بعادات وتقاليد المنطقة أو المكان الذي سيعملون به بالإضافة إلى تقمصهم الروح الفلسطينية بكفاءة تؤهلهم لخداع المدققين من الفلسطينيين، وحسبما كانت وحدة المستعرب ومكانتها ومهمته يكون مستوى تدريبه ومهاراته، فمستعرب الشرطة الإسرائيلية أقل في كفاءته من مستعرب (دوفديفان) بالتأكيد.

في عام 2000 كان من المفترض أن يصل جنديان إسرائيليان إلى قاعدة (عوفر) العسكرية بجانب مدينة (رام الله) لكنهما ضلا الطريق ودخلا هناك عن طريق الخطأ بزيهما العسكري وبسيارتهما الخاصة مما أثار حفيظة الفلسطينيين حينها فتجمعوا حولهما مما أنذر بعنف وشيك ناحية الجنديين، بعد قليل ستصطحب شرطة (رام الله) الجنديين إلى المركز الرئيسي في محاولة لانتظار هدوء الأجواء ومن ثم إخراجهما في سلام، لكن ذلك لم يحدث وإنما تجمع عدد كبير من الفلسطينيين حول المركز ثم اقتحموه وقتلوا الجنديين، كان ذلك في بدايات الانتفاضة الثانية وبعض الأخبار حينها قالت أنهم ثلاثة جنود ووزارة الدفاع الإسرائيلية قالت إنهم أربعة.

ما يهمنا هنا هو رد الفعل بعد ذلك، أرسل الإسرائيليون بعضًا من جنود (دوفديفان) الذين تنكروا بشكل متقن ودخلوا المدينة لبضعة أيام ومن ثم قاموا بخطف واعتقال عدد من المشتبه بهم _ على حد تصريح ضابط عالي الرتبة في جيش الاحتلال حينها_ وهي العملية التي أصدرت محكمة إسرائيلية في ليلتها أمرًا بحظر النشر عنها، عملية احتفت بها أجهزة الأمن الإسرائيلية خصوصًا بعد ثورة من أهالي الجنود القتلى وتبادل عاصف للاتهامات بين الشاباك وجيش الاحتلال عن مسئولية ترك الجنود لمصيرهم في مركز الشرطة وهي اتهامات ما تزال متبادلة حتى الآن!

تنوع أسلوب عمل المستعربين وتنوعه يفرض أنماطًا معينة من الجنود المتخفين لكل نوع، فهناك المستعرب العادي وهو الذي يتدرب على مهارات وملاحة المدن والتحرك في التجمعات الكثيفة والحديث بالعربية لعدة دقائق بما يكفي لئلا ينكشف أمره، هذا النوع يكون في الغالب تابعًا للشرطة ويستخدم بكثرة في المظاهرات والاشتباكات التي تكون في الانتفاضات عمومًا، في هذا الشأن لن نجد أفضل مما حدث من شبان جامعة بيرزيت الذين وقفوا يرشقون قوات الاحتلال على المدخل الشمالي لمدينة (البيرة) بالحجارة وبأغراض معدنية، ثم سينقلب كل شيء فجأة عندما يتركهم المستعربون المسلحون الذين يقفون وسطهم في ملابس وأوشحة فلسطينية دقائقَ حتى يتخلوا عن حذرهم الغريزي مع صمت تام من قوات الاحتلال ثم سيبدؤون في إلقاء القبض على من تطاله أيديهم فجأة، وبالفعل ألقوا القبض على ثلاثة شباب وأحدهم أصيب برصاصة في رأسه واقتادوهم لمكان غير معلوم.

يمكن تصنيف أفراد المستعربين من الوحدات الخاصة لثلاثة أقسام، قسم يعمل في الضفة الغربية لمنع أي نشاط متصاعد ضد الاحتلال وقسم يعمل في قلب تل أبيب والمدن الصهيونية الأخرى لاختراق عائلات الجريمة المنظمة الإسرائيلية، الأول يتم على نطاق عملياتي يتراوح من مهمات يومية سريعة إلى المكوث تحت التخفي بهوية فلسطينية وحياة كاملة لبضعة أعوام إلى أن يتم الحصول على المعلومات، أما القسم الثاني فهو ما يعرف بالوحدة (433) والتي يطلق عليها وحدة (الشفرة) وهي التي تشكلت في العام 2008 وتعتبر هي المباحث الفيدرالية الخاصة بالكيان الصهيوني وتحوي في قلبها وحدة المستعربين السابقة التابعة للشرطة الإسرائيلية.

(مجموعة مستعربين تابعين لشرطة سلطات الاحتلال)

أما القسم الثالث فهو الأهم والأخطر ويكون غالبًا من وحدات (دوفديفان) _ التي ما زالت تعمل _ و(شمشون) سابقًا، وهو القسم الذي يقوم أفراده بعمليات نوعية تتمثل في التجسس رفيع المستوى وتتبع قادة المقاومة ومحاولة الوصول إليهم والقيام بعمليات الخطف الممنهج لناشطين بعينهم والقيام باغتيالات في الداخل الفلسطيني وأحيانًا في دول عربية محيطة أيضًا، هذا القسم يعمل في كل شبر من أرض فلسطين المحتلة ولا يعرف عدد المنتسبين إليه على وجه الدقة وإن كانت بعض التقديرات تشير إلى أن عددهم (300) مستعرب مقاتل، وتتدرج صعوبة مهماته من الاندماج السهل إلى الاندماج فائق الصعوبة وغالبًا لا يصطدم المستعربون بهذا إلا في قطاع غزة لإحكام المقاومة هناك قبضتها على القطاع مع تكيف عقيدة حماس القتالية مع أساليب المستعربين وفهمهم لهم مما يخفض من فرص نجاحهم في الانتحال الهوياتي بشكل كبير.

بالنسبة لنمط الحياة اليومي فهو خاضع دائمًا للخصوصية المطلقة، ويمنع الفرد المستعرب من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها تمامًا وتطبق هذه التعليمات بدقة بالغة، وتحاط هويته وعمله بسرية كبيرة لدرجة أن قوانين الوحدات الخاصة تمنع اطلاع أهل المستعرب على حقيقة عمله، وإنما يكتفي بتعريفهم بعمله في جيش الاحتلال بلا تفاصيل، حتى أنه في التسعينيات كانت هناك حادثة لمقتل أحد المستعربين من وحدة (الكرز) ونشرت بعدها إحدى الصحف الإسرائيلية تقريرًا ذكرت فيه امتناع جيش الاحتلال عن تسليم ملف القتيل لأهله، أو إعطاءهم أي معلومات عن عمله ومهمته لخضوعها لسرية أمن إسرائيل القومي، ويقومون دائمًا بارتداء الأقنعة آخذين في الحسبان تحين الفلسطينيين لأي فرصة لمعرفة وجوه الجنود والضباط واستهدافهم فيما بعد.

(3) ما بين النجاح والفشل.

(محمود أبو هنود)

في النصف الثاني من العقد التسعيني كان (محمود أبو هنود) هو رأس قائمة المطلوبين لدى سلطات الاحتلال وسط محاولات مضنية ومستمرة لمعرفة مكان اختبائه واصطياده وتصفيته بأي شكل، مثل أبو هنود كعادة قادة كتائب عز الدين القسام رقمًا صعبًا لدى أجهزة أمن الاحتلال وفي العام 1997 كان مسئولًا عن التخطيط لبضع عمليات استشهادية متعاقبة أدت إلى مقتل أكثر من خمسة وثلاثين مستوطنًا وإصابة ما لا يقل عن أربعمائة آخرين، بالتالي كان بديهيًا أن تضعه أجهزة أمن الاحتلال على رأس القائمة لاغتياله متى أتيحت الفرصة لهم.

بعد ثلاثة أعوام وتحديدًا في السابع والعشرين من أغسطس لعام 2000 توجه فريق من مستعربي (دوفديفان) إلى قرية (عصيرة) شمال نابلس في الضفة الغربية حيث وصلت للوحدة معلومات مؤكدة عن المنزل المتواجد فيه أبو هنود، كان الفخ محكمًا وقُسم الفريق إلى مجموعتين لضمان إحكام السيطرة على الهدف وتصفيته بنجاح، عملية مضمونة بنسبة تزيد على ال 95% على أي مقياس عسكري لكنها ستتحول بعد قليل لواحدة من أكبر النقاط السوداء في تاريخ وحدات المستعربين، في البدء انتشر المستعربون بشكل شعر به أبو هنود ومرافقيه في تلك الليلة مما أدى بالمقاومين إلى أن يبادروهم بالنيران أولًا، ثم قامت المجموعتان بفتح النيران على بعضهما البعض في ارتباك ليقتلوا بعضهما البعض، نجح أبو هنود في الفرار بكتف مصاب فقط أما جنود وحدة نخبة المستعربين (الكرز) لم تعد خالية الوفاض وإنما عادت بجثث ثلاثة جنود ورابع مصاب والجميع عن طريق نيران زملائهم أنفسهم!

مثلت هذه الحادثة صدمة للجميع الذين يؤمنون أن وحدة (الكرز) هي الأعلى تدريبًا في جيش الاحتلال وقدرة على التكيف واختراق الداخل الفلسطيني، وفتح تحقيقًا حينها أدى في نهايته إلى فصل قائد الوحدة وتغيير أسلوب العمل بها ورفع شروط القبول في الوحدة لمستوى أعلى من المعمول به وقتها، لكن على الجانب الآخر فإن وحدات المستعربين نجحت كثيرًا في عشرات المهمات التي تنوعت بين الحصول على معلومات واختطاف بعض العناصر الفلسطينية المطلوبة واغتيال البعض الآخر، وهم يعملون في كل مكان بلا صعوبات بالغة إلا في غزة حيث يصفون هم أنفسهم العمل فيها في السنوات الأخيرة كالسير وسط الضباب، وما بين الضفة وغزة وصولًا إلى بيروت ودمشق تبقى عمليات المستعربين درسًا مجسمًا على أهمية دراسة أي عدو وامتلاك القدرة على ممارسة ومحاكاة تفاصيل حياته بإتقان مما يسهل من هزيمته في الوقت المناسب.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد