كيف تتعامل دولة الاحتلال الإسرائيلي مع جارتها سوريا باعتبارها منطقة تخوض صراعًا عنيفًا ولا يبدو أنه قابل للتحكم به؟ وهل تعدّ النظام السوري أحد حلفائها أو طرفًا مهددًا لها في هذه المعادلة؟ وكيف كانت العلاقات الإسرائيلية السورية في فترة تسلم بشار الأسد السلطة بشكل عام وحتى الآن؟

شكل العلاقة بين إسرائيل وسوريا في عهد بشار الأسد ما قبل 2011

منذ استلم الأسد السلطة خلفًا لأبيه في عام 2000، سارع للتأكيد في خطابه الأول أنه سيتابع نهج أبيه بخصوص القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي وأن هذه القضية ستبقى الأولوية بالنسبة للحكومة السورية, متحدثًا فيما بعد عن كون سوريا هي “قلعة الممانعة” العربية الأبرز والتي تقف “شوكةً في حلق إسرائيل” منذ عقود.

في عام 2004 أبدى نظام الأسد بوادر استعداده لاستئناف التفاوض مع إسرائيل بدءًا من النقطة التي توقفت عندها المفاوضات في عام 2000, وكانت تجري هذه المفاوضات بشكل غير مباشر عبر الوسيط التركي, وخلالها تحدثت الصحف العبرية مرارًا عن آفاق هذه التفاوضات واحتمالاتها بينما كان الطرف السوري أشد اقتضابًا وإنكارًا وبشكل عام كان الإعلام السوري مستمرًا في نمط تصريحاته الخطابية المصحوبة بتعتيم دبلوماسي, وكان الرئيسان السوري والإسرائيلي يتجاوزان بعضهما بعضًا بالحديث عبر الصحافة أو من خلال أطراف ثالثة.

تعثّرت هذه المفاوضات أيام العدوان الإسرائيلي على غزة، ليعاود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2009 التصريح أن حكومته مستعدة لاستئناف مباحثات السلام مع سوريا دون أي شروط مسبقة، ويفضل أن تتم بطريقة مباشرة, حسب ما نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية, أو عبر الوسيط الفرنسي عوضًا عن التركي لو وافق نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي آنذاك على هذه الخطوة.

الانتهاكات للسيادة السورية في هذه الفترة

:

قامت إسرائيل بغارات جوية في عام 2003 كانت أولها طلعات جوية لطائرات حربية إسرائيلية قامت بالتحليق فوق منزل الأسد في خطوة حملت رسائل سياسية عدة, ثم تبعها بعد قرابة الشهرين غارات قام بها سلاح الاحتلال الجوي على موقع تدريب فلسطيني في منطقة قرب دمشق، بعد عملية تفجيرية في مدينة حيفا شمالي إسرائيل, ولاحقا في عام 2007، أغارت إسرائيل جوًّا على ما اعتبرته “مفاعلًا نوويًا سريًا” قيد الإنشاء في محافظة دير الزور شرق سوريا, وقد احتفظت سوريا بحقّ الرد تجاه هذه الانتهاكات جميعها.

“الأسد يتباحث مع الرئيس الفرنسي ساركوزي 2008، بشأن استئناف مباحثات السلام مع إسرائيل”

تدخلات إسرائيل خلال فترة الحرب السورية

قامت إسرائيل بانتهاكات تجاه سوريا تزيد عن الـعشرة حوادث متفرقة منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 حتى الآن, بدأت بشكل بسيط وذلك حين أطلقت المدفعية الإسرائيلية نيرانها على مواقع قريبة للجيش السوري عند الحدود بعد أن تحدث الإعلام الإسرائيلي عن سقوط قذائف هاون داخل الجولان المحتل, وتم اعتبار ذلك الهجوم المحدود ردة فعل اعتبارية.

انتهاكات 2013

: غارتان رئيسيتان جرتا في عام 2013 وذلك في شهريْ يناير ومايو, وكانت الغارة الثانية صادمة ومفاجئة للأوساط المعنيّة المختلفة, حيث هزّت العاصمة دمشق سلسلة انفجارات ضخمة في 5 مايو 2013, وصرّح التلفزيون الرسمي السوري أن الانفجارات وقعت في جمرايا قرب منطقة الهامة بريف دمشق، وهي ناجمة عن قصف صاروخي إسرائيلي. وبيّن لاحقا أنها غارات استهدفت مركزًا للبحوث العلمية، وقد أفادت الأنباء بوقوع ضحايا.

لكن هذه كانت رواية التلفزيون السوري, أما “رويترز” فقد أفادت أن الغارة الإسرائيلية استهدفت شحنة أسلحة مقدمة من إيران إلى “حزب الله”. ونقلت “رويترز” عن مصدر غربي أنه تمت مهاجمة مخازن لصواريخ “الفاتح – 110”, وقد أكّد ذلك لاحقا أحد المسؤولين الإسرائيليين في مقابلة له في صحيفة عبرية.

وقد زاد التكهنات بشأن هذه الغارة أنه قبل يومين تمامًا في 3 مايو ذكرت بعض التقارير الإعلامية الإسرائيلية والأمريكية عن قيام الطيران الإسرائيلي بغارة جديدة على الأراضي السورية. وقال مسؤولون أمريكان إن الطائرات الإسرائيلية قصفت موقعًا في سوريا دون أن يوضّحوا ما هو هذا الموقع, ونفت دمشق وقوع أي غارات إسرائيلية على سوريا هذه المرة، فيما التزم الجانب الإسرائيلي الصمت بشأن هذه المعلومات على المستوى الرسمي.

“أكثر من 10 انتهاكات إسرائيلية صارخة منذ 2011 كان موقف النظام السوري منها: الاحتفاظ بحقّ الرد”.

انتهاكات2014

: كان عامًا حافلًا بالنسبة للتطورات بين البلدين, حيث قامت إسرائيل بغارات جوية على أهدافٍ سورية عسكرية وإدارية عدة بالإضافة إلى استهداف قوافل أسلحة داخل الأراضي السورية قالت أنها كانت ذاهبة لحزب الله.

وتوزعت هذه الغارات على 5 حوادث متفرقة استهدفت مواقعَ في ضواحي العاصمة دمشق ومحافظتيْ ريف دمشق والقنيطرة جنوبي سوريا, وقد أحاط بمعظمها الغموض والروايات المتعددة من حيث الهدف المقصود, حيث رفضت الجهات الإسرائيلية غالبًا التعليق على هذه الغارات, بينما تداولت وسائل الإعلام الغربية والعربية روايات عدة.

ويُضاف إلى تلك الغارات اعتبار إسرائيل منطقة مرتفعات الجولان الحدودية “منطقة عسكرية مغلقة” بعد أن كانت في فترة سابقة قد نشرت بطاريات صواريخ للدفاع الجوي على حدودها مع سوريا ولبنان, وكذلك الهجوم الذي قام به الجيش الإسرائيلي في شهر مارس على مواقع سورية، ردًا على انفجار عبوة ناسفة في شمالي الجولان أدت إلى إصابة 4 جنود إسرائيليين.

“بروجردي, رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني, يقّدم التعازي لوالد عماد مغنيّة”

انتهاكات2015

: مع بداية العام الجاري قامت إسرائيل بعملية عسكرية استهدفت فيها جنرالًا إيرانيًا وكوادرَ من فصيل حزب الله اللبناني, من بينهم جهاد ابن عماد مغنيّة أحد رموز حزب الله, وذلك عبر غارات جويّة استهدفت الموقع الذي كانوا يتواجدون فيه في محافظة القنيطرة جنوب سوريا.

تضاعفت سخونة الجبهة السورية الممتدة من هضبة الجولان, إلى أقصى شمال الحدود الشرقية مع لبنان في شهر أبريل, حيث استهدف السلاح الجوّي الإسرائيلي خليّة مكونة من 4 مسلحين كانوا يتواجدون على الجانب السوري من الحدود السورية الإسرائيلية, ويقومون بوضع عبوة ناسفة بغية تحقيق هجوم إرهابي حسب الرواية الإسرائيلية, وقد أدت الغارة إلى مقتل ثلاثة منهم وإصابة الرابع, ورفع بعدها الجيش الإسرائيلي درجة التأهب على طول الحدود.

وفي وقت آخر قامت مقاتلة تابعة للسلاح الإسرائيلي بإجراء طلعات جويّة مكثفة في أجواء سوريا, حسب موقع “روترنت” الإسرائيلي, وذلك بعد إعلان مصدر أمني إسرائيلي لوكالة الصحافة الفرنسية أن قذيفتيْ هاون من القذائف الطائشة العائدة لجولات القتال في سوريا, سقطتا على المنطقة المحتلة من قبل إسرائيل في هضبة الجولان دون وقوع إصابات أو أضرار.

وفي الأسبوع الأخير من أبريل 2015 وردت تقارير عن عدة غارات إسرائيلية قامت باستهداف قواعد عسكرية سوريّة أبرزها ألوية الصواريخ الإستراتيجية في القلمون, يشمل ذلك لواء 155 ولواء 65, بالإضافة إلى أهداف تابعة لحزب الله (قوافل أسلحة ومستودعات في الجهة السورية من الحدود اللبنانية السورية), وقد نفت مصادر رسمية إسرائيلية أن تكون مسؤولة عن هذه الاستهدافات, بينما امتنع الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي عن التعليق على الحادثة مؤكدًا أنهم لا يقومون بالتعليق على تقارير أجنبية.

التعامل الإسرائيلي

امتنعت إسرائيل عن التعليق بشكل رسميّ حول معظم الغارات والطلعات الجوية التي قامت بها فوق الأراضي السوريّة, ولكن المسؤولين الإسرائيليين قاموا بالتصريح مرارًا وفي مواضع متفرقة أن “إسرائيل لن تتردد في منع وصول أي أسلحة متطورة إلى حزب الله في لبنان”, وخصوصًا بعد زيادة التوتر على الحدود السورية اللبنانية, وتتحدث مصادر إسرائيلية عن كون إسرائيل مهتمّة بمنع وصول الأسلحة المتطورة إلى حزب الله لكونِها تزعزع “الاستقرار” في المنطقة أو تخلق تهديدًا, ولكنها غير مهتمة بالتدخل في ديناميّات الحرب السورية.

ويرى الخبير العسكري اللبناني وهبة قاطيشا أن إسرائيل «تنفذ سياستها بمنع تزويد النظام السوري لحزب الله بالأسلحة الإستراتيجية، كما تعمل على منع حصول أي تغيير في التوازن التسليحي، وهو ما يدفعها للتدخل، بهدف ضرب صواريخ يمكن للنظام السوري أن يمتلكها، مثل شحنة صواريخ الياخونت التي دمرتها إسرائيل في مستودعات في اللاذقية قبل عامين، بعد توفر معلومات عن وصولها من روسيا إلى سوريا». ويضيف أن إسرائيل أيضًا، «المسرورة باندلاع الأزمة في سوريا وانخراط النظام وحزب الله بها»، تعمل على «منع أي تغيير في قواعد الاشتباك المعمول بها في هضبة الجولان منذ عام 1974، عبر تدخلها لضرب أي محاولات لفتح الجبهة، ومنع التوتر في المنطقة الحدودية معها».

نظرية المؤامرة في الخطاب السوري وحلفاء النظام

لعل أبرز عنصر مشترك استمرّ في الخطاب السوري وخطاب الجهات السياسية الموالية له هو تكرار فكرة أن الانتهاكات الإسرائيلية ليست إلا بسبب رغبتها في المساهمة في دعم الثوار المناوئين للأسد “العملاء لها” و”رفع معنوياتهم”, ولتقويض قلعة الممانعة والصمود السوريّة ممثلة بنظام الأسد.

فقد جاء في بيان الجيش السوري تعليقًا على الغارات الإسرائيلية في أول 2014 أن هذا العدوان: “يؤكد ضلوع إسرائيل المباشر في دعم الإرهاب في سوريا إلى جانب الدول الغربية والإقليمية المعروفة لرفع معنويات التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها جبهة النصرة ذراع القاعدة في بلاد الشام وتنظيم داعش الإرهابي وخاصة بعد الضربات المتلاحقة التي تلقتها من جيشنا العربي السوري“.

بينما علّقت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية، مرضيّة أفخم، بعد إحدى الغارات الجوية التي نفذتها طائرات إسرائيلية على سوريا، أن “هذا العدوان يؤكد تعاون الكيان الصهيوني مع الجماعات الإرهابية الرامية إلى تدمير سوريا وقتل الأبرياء“، وفقا لما نقلته عنها وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا).

أما موقف فصيل حزب الله اللبناني فيتلخص منذ بدايته بما أشار إليه نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم, عن كون تواجدهم في سوريا بهدف مقاومة إسرائيل, حيث صرّح في عام 2013 أن: “مقاومتنا في كل المواقع تصل في نهاية المطاف إلى مقاومة العدو الإسرائيلي، لأن العدو تارة يقاتلنا بالمباشر وأخرى يقاتلنا بجماعته وزبانيته وأولئك الذين يعملون لمشروعه“, ويقصد بذلك الفصائل المعارضة للأسد والمتواجدة على الأرض السورية.

ويضيف لاحقًا: “نحن قلنا من اليوم الأول أن ما يحصل في سوريا هو محاولة لضرب مشروع المقاومة من البوابة السورية، بعد أن عجزوا عن ضربه من البوابة اللبنانية والبوابة الفلسطينية والبوابة الإيرانية، ولذلك هذا المشروع هو مشروع شرق أوسط جديد من بوابة سوريا لتغيير معادلة المنطقة بما يريح إسرائيل، ويجعلها متربعة على عرش هذه المنطقة وإمكاناتها، فلا يمكننا أن نتفرج والمقاومة تضرب ويخطَّط لها“.

“جنازة لمقاتلين من حزب الله سقطوا في غارة إسرائيلية على أراضٍ سورية 18/يناير/2015”

رد فعل سوريا تجاه الانتهاكات

بعد الغارة الإسرائيلية الأولى عام 2013, عاد إلى الأذهان تصريح المعلّم, وزير الخارجية السوري في شباط 2010 موجها كلامه للإسرائيليين “لا تختبروا عزم سوريا، تعلمون أن الحرب في هذا الوقت ستنتقل إلى مدنكم, إذا اندلعت الحرب بين سوريا وإسرائيل ستكون شاملة، سواء أصابت جنوب لبنان أو سوريا, عودوا إلى رشدكم وانهجوا طريق السلام”, وذلك في لقاء له مع وزير الخارجية الإسباني.

لجأت سوريا تجاه الغارات المتتالية إلى “الاحتفاظ بحق الردّ, بالتوقيت والطريقة المناسبين لسوريا”, حسب تصريحات رسمية سورية, ومن ثم قامت سوريا بالشكوى للأمم المتحدة في أول العام الماضي, حيث وجهت وزارة الخارجية السورية رسالتين متطابقتين إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيس مجلس الأمن الدولي جاء فيهما أن “إسرائيل ارتكبت عدوانًا إجراميًا جديدًا على حرمة أراضي الجمهورية العربية السورية وسيادتها وذلك عندما قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف منطقتين آمنتين في ريف دمشق في كل من الديماس ومطار دمشق المدني”, فيما امتنعت عن التعليق تمامًا في أحيان أخرى.

كما أكّد الأسد في مقابلة له في أول العام الجاري أنه “لم يحدث قط عملية ضد إسرائيل عند مرتفعات الجولان منذ وقف إطلاق النار في عام 1974“, وأن إسرائيل تخترع مبررات غير حقيقية لتقوم باغتيال أشخاص من حزب الله داخل سوريا.

خريطة الجولان, الحدود الإسرائيلية السورية, المصدر: بزنس إنسايدر

التخوّف الإسرائيلي تجاه تطورات الصراع السوري

تراقب الجهات الإسرائيلية تطورات الصراع السوري عن كثب بشكل دائم حيث تعتبرها تغيرات تؤثر عليها كيفما مالت. على سبيل المثال أوردت الصحف العربية مؤخرًا أنباء تقدم المعارضة في شمال البلاد بعد انضوائها تحت “جيش الفتح” والضعف الذي أصاب معنويات وبنية الجيش السوري, حيث خسر الجيش السوري نصف قواته من المقاتلين خلال الحرب الأهلية السورية حسب النيويورك تايمز, وتحدثت عن وجوب التفكير باحتمالية سقوط الأسد, حيث يعيدها هذا إلى مسألة الاختيار ما بين صعود داعش والتنظيمات الجهادية، وبين محور إيران – الأسد – حزب الله, حيث يتم الحديث عن نظام الأسد عادة باعتباره “أهون الشرين”.

وبشكل عام يرى محللون إسرائيليون أن الصراع الجاري في سوريا صبّ في مصلحة إسرائيل من خلال تورّط كل من إيران وحزب الله به بشكل مباشر, واستنزاف الأخير حيث خسر حزب الله من مقاتليه في سوريا ما لم يخسره في مواجهاته مع الجيش الإسرائيلي عام 2006 كما تذكر إحصائيات أخيرة, بالإضافة إلى ما جلبته التطورات السوريّة من كفّ النظام السوري عن احتضان ودعم حركة “حماس” الفلسطينية واستهدافه لبعض عناصرها الذين تبقوا في سوريا.

بالمقابل أدى الصراع السوري إلى صعود فصائل إسلامية لا ترغب بها إسرائيل وتنامي قوتها, وهو أكثر ما تتخوّف منه إسرائيل في حال ضعف أو سقوط الأسد, مما حدا “بمركز يروشلايم لدراسة المجتمع والدولة” الذي يديره دوري غولد، كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو, إلى الدعوة مؤخرًا إلى تقسيم سوريا إلى دويلات, معتبرًا أنه الحل الأفضل لإسرائيل والغرب, ولأن بقاء سوريا بدون تقسيم يعني تحويلها إلى “قوة سنية كبيرة”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد