في معادلة «مختلة» كأي معادلة يكون طرفاها الدول العربية وإسرائيل؛ تنفق الأولى ما يقارب 150 مليار دولار سنويًّا على تقنية المعلومات والاتصالات، لكنها لا تحظى بالعديد من مكاتب البحث والتطوير التابعة للشركات العاملة في هذا المضمار، مقارنة بإسرائيل التي تنفق ما لا يتعدى 10% من قيمة الإنفاق العربي في المجال نفسه، لكنها تستقطب عددًا كبيرًا من الشركات العالمية.

بل إن «شركة إنتل»، الأمريكية المتخصصة في صناعة الرقائق الإلكترونية، أغلقت في أبريل (نيسان) 2013، وحدة البحث والتطوير التابعة لها في مصر، وسرحت 120 موظفًا كانوا يعملون بها، بعد أربعة أشهر فقط على افتتاحها، بينما حافظت الشركة في الوقت ذاته على مقرها الكبير في تل أبيب، الذي يضم 10 آلاف موظف، يعمل 60% منهم في مضمار البحث والتطوير. 

وبصفة عامة، تنفق الدول العربية على تقنية المعلومات والاتصالات ما يقارب 150 مليار دولار سنويًّا، ما دفع معظم الشركات العالمية لافتتاح مكاتب لها في المنطقة، وخاصة في دولة الإمارات التي أصبحت مركزًا إقليميًّا لتلك الشركات. بيد أن هذا الحضور الذي يبدو واسعًا موجه في معظمه لمجال تسويق سلع وخدمات هذه الشركات، بينما اتجه القليل منه إلى الاستثمار في مجالات البحث والتطوير ذات الصلة.

Embed from Getty Images

في المقابل، تنفق إسرائيل نحو 10% فقط مما تنفقه البلدان العربية مجتمعة على تقنية المعلومات والاتصالات، لكن أكثر من 300 شركة عالمية أنشأت مراكز للبحث والتطوير فيها، بما في ذلك أكبر الشركات العاملة في المجال، مثل: «مايكروسوفت» و«آبل»، و«جوجل»، و«فيسبوك»، و«أمازون»، و«آي بي إم»، و«إنتل».

هذه المفارقة، أو «المعادلة المختلة»، تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول سلوك الشركات العالمية العاملة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، واتجاهها لتأسيس مراكز للأبحاث في إسرائيل، رغم ارتفاع تكاليف المعيشة والتشغيل، ووجود بدائل أرخص بكثير حول العالم.

سرقات إسرائيلية ممنهجة للتقنية الأمريكية

منذ عقود طويلة، يبدو وكأن شريان حياة أساسي يمتد من واشنطن إلى تل أبيب، سواء كانت تجري فيه مساعدات مالية، أو سرقات تكنولوجية واقتصادية، ما مكّن إسرائيل من تحقيق قفزات قوية في مجالات الطاقة النووية والتكنولوجيا مقارنة بدول المحيط العربي.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو قضية أبولو، حين سرقت إسرائيل اليورانيوم المخصب من الولايات المتحدة لبناء برنامجها النووي من خلال عميل للموساد يدعى زلمان شابيرو. لكن في الواقع، لا تذهب وسائل الإعلام أبعد من قضية أبولو، ولا تنشر تقارير عن السرقة الإسرائيلية الأعمق للتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة من خلال برنامج «تالبويت» و«وحدة 8200». وبصفة عامة، استطاعت إسرائيل أن تحصل على مكانة مرموقة في قطاع التكنولوجيا، وتملك تلك القدرات الفائقة، بسبب الولايات المتحدة.

ويمكن تفسير القدرة التنافسية الكبيرة للشركات الإسرائيلية في السوق العالمي، جزئيًّا، من خلال ما يعرف بـ«رأسمالية الدولة»، إذ تقوم الحكومة الإسرائيلية بدعم شركات التكنولوجيا بـ50% من تكلفة الإنتاج. هذا يمنح تلك الشركات القدرة على بيع منتجاتها وخدماتها بأسعار منخفضة مقارنة بالمنتجات والخدمات الأمريكية.

كما أن إسرائيل تملك ميزة إضافية توفرها السرقة الممنهجة للتكنولوجيا الأمريكية في القطاعات العسكرية والمدنية؛ إذ تطور الشركات الأمريكية التكنولوجيا، ثم تسرقها إسرائيل وتعيد تصديرها للولايات المتحدة بتكلفة أقل.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
لم تبتكر أسلحتها بل سرقتها.. تفكيك أسطورة التقدم الإسرائيلي

بل إن إسرائيل تبيع التكنولوجيا الأمريكية إلى الدول الأخرى. وعلى سبيل المثال، باعت تل أبيب أنظمة أسلحة متطورة إلى الصين خلال السنوات الماضية، تضمنت تكنولوجيا طورتها شركات أمريكية – بما في ذلك صاروخ «بيثون 3» – جو وصواريخ ديللا كروز.

وتغرق إسرائيل السوق الأمريكي بصادراتها التكنولوجية، معتمدة على اتفاق التجارة الحرة بين البلدين، الموقعة في 1985، والتي أزالت العوائق الجمركية من أمام الصادرات الإسرائيلية، وهذا يكون له أثر سلبي في الوظائف في القطاعات التكنولوجية في الولايات المتحدة.

ولا تتضمن اتفاقية التجارة الحرة بين تل أبيب وواشنطن فصلًا يحمي حقوق الملكية الفكرية الأمريكية في قطاع التكنولوجيا، ما يعني أن إسرائيل تستطيع الوصول الحر للثروة الفكرية الأمريكية بقوة القانون.

مؤسسة «Bird»: من هنا بدأ كل شيء

في سبعينيات القرن الماضي، أسست الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية مؤسسة «Bird» التي تعمل في مجال البحث والتطوير في القطاعات الصناعية، بتمويل مشترك. إذ يدفع دافعو الضرائب الأمريكيون 50% من رأس مال الشركة التي تخدم بالأساس الصناعة الإسرائيلية.

وتقوم الشركة منذ تأسيسها، بالترويج للبحث والتطوير الصناعي في إسرائيل، وتمنح تمويلًا بحد أقصى 1.2 مليون دولار لكل مشروع إسرائيلي في هذا المجال. وتسمح المشروعات المدعومة من الشركة، لشركات التكنولوجيا الإسرائيلية الرائدة بالوصول إلى مستوى الشركات ذات المستوى العالمي، وإقامة علاقات تجارية معها.

ومن ثم استغلت إسرائيل قدرتها على الوصول للشركات العالمية الرائدة في إقامة شبكة تجسس ضخمة في الولايات المتحدة لسرقة أسرار الدفاع الأمريكية السرية والتكنولوجيا العسكرية والمدنية في أوائل الثمانينيات.

Embed from Getty Images

ونجحت إسرائيل بالفعل منذ هذا التاريخ في سرقة العديد من المشروعات والأفكار في مجال التكنولوجيا التي طورتها وكالة مشروعات الدفاع البحثية المتقدمة الممولة بالكامل من قبل دافعي الضرائب الأمريكيين. وذكر تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في 2006 أن «الحكومة الإسرائيلية تتورط بنشاط في عمليات تجسس عسكرية وصناعية داخل الولايات المتحدة».

الأكثر من ذلك، أن هناك بصمات واضحة لإسرائيل في كل عمالقة التكنولوجيا الأمريكية مثل «جوجل»، و«فيسبوك.» و«جوجل» بالأساس يمولها يهودي أمريكي، يدعى أندي بيشتولشايم، مؤسس شركة التكنولوجيا، «صن ميكروسيستمز»، التي تملك مقرًّا رئيسيًّا للبحث والتطوير في إسرائيل. كما أن العديد من الشركات الكبرى مثل «جوجل» و«آبل» و«فيسبوك» و«موتوريلا»، و«مايكروسوفت» تملك مراكز للبحث والتطوير في تل أبيب.

تكاليف عالية وبيروقراطية.. فلماذا تل أبيب؟

تؤسس شركات تقنية المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، مراكز البحث والتطوير في تل أبيب، رغم أنها تاسع أغلى مدينة في العالم، بينما توجد بدائل أفضل لإنشاء مثل هذه المراكز مثل بنجلاديش، التي لديها معدل أجور منخفضة، وعدد كبير من العاملين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وكذلك سنغافورة.

ففي مايو (أيار) 2019، وضعت دراسة أجرتها مجلة «إيكونوميست» تل أبيب، تاسع أغلى مدينة في العالم، بالتساوي مع لوس أنجلوس الأمريكية، بعد أن كانت المدينة الإسرائيلية تحتل المرتبة 28 في الدراسة نفسها قبل خمس سنوات. ووفق الدراسة، فإن التكلفة المرتفعة لشراء السيارات، وإجراءات التأمين عليها، ساهمت في دفع تل أبيب إلى تلك المرتبة، بالإضافة إلى تكلفة التنقلات التي تزيد عن تكلفتها في نيويورك بـحوالي 64%، وارتفاع سعر العملة.

لا يتوقف الأمر عند ارتفاع تكاليف المعيشة فقط، بل توجد أيضًا العديد من العوائق والضرائب أمام الساعين لتأسيس شركات في إسرائيل، لا تجعل الأخيرة حاضنة للمشروعات الصغيرة أو حتى الشركات العملاقة، وفق صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية.

وفي تقرير نشرته عام 2016، سخرت الصحيفة من الوضع المعقد لإنشاء الشركات في إسرائيل، وقالت إن أي شخص يفكر في إنشاء شركة في تل أبيب، عليه أن يحصل على إحدى غواصات بيبي، في إشارة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، للغوص في بحر من الروتين والتراخيص، والتصاريح، والضرائب، والرسوم، والأوراق.

وفي 2016، شرح رئيس «بانك أوف إسرائيل»، كارنيت فلوج، قصة شركة في جنوب إسرائيل أرادت إنشاء مصنع جديد بدلًا من آخر أغلقته، لكنها لم تستطع إخراج المصنع الجديد للنور بسبب العقبات الحكومية.

وتتضمن القائمة التي لا نهاية لها من الأوراق المطلوبة لتأسيس شركة في إسرائيل تصاريح من مسؤولي الإطفاء وعدد من الوزارات، بما في ذلك الشؤون البيئية والصحة، وسلطة الآثار الإسرائيلية، وقيادة الجبهة الداخلية، والسلطات المحلية وغيرها. وكل واحدة من هذه الهيئات تشترط الإيفاء بمطالبها الخاصة. ويستغرق التعامل مع كل جهة وقتًا ومالًا، ولهذا السبب يلجأ رجال الأعمال في كثير من الأحيان إلى الوسطاء الذين يتعاملون مع هذه الإجراءات.

ووفق «هآرتس»، فإن تكلفة هذه البيروقراطية عالية جدًّا على الاقتصاد الإسرائيلي، فكلما زاد خنق قطاع الأعمال في البلاد، زادت صعوبة خلق فرص عمل وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، ما يؤدي في النهاية لارتفاع تكلفة المعيشة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة لتكاليف المعيشة، وعوائق الأعمال، تعاني إسرائيل من الفساد بشكل واضح، فقد حلت في المرتبة 35 من بين 180 دولة في تقرير الشفافية الدولية لعام 2019، وهو ترتيب متراجع لدولة يصنفها البعض واحة للشركات.

لكن وعلى الرغم من ذلك؛ فهناك أسباب معينة تدفع شركات تقنية المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، لإنشاء مراكز البحث والتطوير في تل أبيب.

أسباب سياسية.. «إسرائيل ستحكم العالم»

بصفة عامة يمكن القول بأن الشركات العملاقة تعمل في إسرائيل لأنها تسعى إلى جعل الأخيرة عاصمة التكنولوجيا الفائقة في العالم، وصولًا للهدف الأكبر المتمثل في أن تحكم إسرائيل العالم في حكومة عالمية واحدة من القدس، كما تنبأ رئيس وزرائها السابق ديفيد بن جوريون.

الأكثر من ذلك، أن هذه الشركات تستثمر بكثافة في البحث والتطوير بتل أبيب، وتؤسس مقرات كبيرة تحوي الآلاف من الموظفين، في محاولة لنقل أحدث التقنيات والأفكار للكيان الصهيوني، لحفظ تفوقه النوعي على محيطه العربي. كذلك فإن إسرائيل توظف التكنولوجيا الأمريكية التي تسرقها باستمرار، لتحقيق مكاسب مادية وتقوية اقتصادها، إذ تبيعها لمن يدفع، بما في ذلك روسيا والصين.

وفي 13 يونيو (حزيران) 1990، ذكرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأمريكية أن إسرائيل أصبحت أكبر مورد للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة للصين منذ أن حظرت الولايات المتحدة المبيعات العسكرية لتلك الدولة في 1989. وقال مسؤول أمريكي لم تكشف الصحيفة هويته إن إسرائيل كانت «الباب الخلفي للتكنولوجيا الأمريكية التي لن تبيعها الولايات المتحدة». 

أسباب اقتصادية.. سخاء الإنفاق على البحث والتطوير

على الجانب الآخر، لا يعود تفوق إسرائيل في جذب شركات تقنية المعلومات العالمية فقط لأسباب سياسية متعلقة بضمان تفوق تل أبيب، لكن هناك أسبابًا اقتصادية أيضًا.

فمن بين هذه الأسباب، المناخ المشجع على البحث والتطوير في إسرائيل، ووفرة المواهب، الأمر الذي يدفع شركة مثل «مايكروسوفت» لامتلاك مركز في تل أبيب يضم ألف باحث، بالإضافة إلى 800 في مركز «آبل»، و600 في مركز «جوجل». ويقول الشريك المطور بشركة «جوجل»، دون دودج، إن: «ما يقارب نصف مهندسي الشركة في إسرائيل من خريجي جامعة تل أبيب»، مضيفًا أن في إسرائيل  «مصدرًا مذهلًا من المواهب».

ويرى دودج أن المهندسين الأقل أجرًا في روسيا والهند والصين ليسوا بالجودة نفسها، والأمر حسب رأيه «يتعلق بالابتكار والإبداع، وأخذ المجازفات الكبيرة، وفهم كيفية الوصول إلى السوق، وهذا ما تفعله إسرائيل».

إسرائيل تحتل، ووفق بيانات «معهد اليونسكو للإحصاء»، المرتبة الثانية عالميًّا بعد كوريا الجنوبية من حيث الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تنفق 4.1%، في حين أن أفضل دولة عربية في هذا المجال كانت المغرب التي تنفق 0.7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وفق المصدر ذاته. وتنفق إسرائيل على البحث والتطوير أكثر مما تنفق البلدان العربية مجتمعة.

لكن تمتع تل أبيب بمثل هذه المكانة المرموقة في عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ما يزال يثير الكثير من الأسئلة، في ظل وجود ما ذكرناه سابقًا من المشكلات والعوائق  التي تقف أمام تأسيس شركات ناجحة وتشغيلها في المدينة

هل تستطيع سنغافورة منافسة إسرائيل في جذب المراكز البحثية؟ 

رغم أن الولايات المتحدة تملك أبرز مراكز التكنولوجيا وشركات تقنية المعلومات والاتصالات في العالم، بداية من «سيليكون فالي»، وحتى نيويورك سيتي ولوس أنجلوس، فإن هناك مناطق أخرى في العالم دخلت على خط المنافسة.

فوفق تقرير نشرته شركة «كومباس»، وهي شركة «سوفت وير» شهيرة تتخذ من سان فرانسيسكو مقرًّا لها، في عام 2015، فإن سنغافورة تحتل المرتبة العاشرة في قائمة أهم 20 مركزًا لتقنية المعلومات والاتصالات في العالم.

ورغم الإمكانيات الكبيرة التي تتمتع بها سنغافورة التي تعد واحدًا من أهم المراكز المالية في العالم، تتقدم تل أبيب عليها في تقرير «كومباس»؛ إذ تحتل الأخيرة المركز الخامس، ما يثير الكثير من التساؤلات.

وما يؤكد طغيان الأسباب السياسية على الاقتصادية والبشرية في تعزيز مكانة تل أبيب في قطاع تكنولوجيا المعلومات، هو تقدمها على بديل قوي ومركز اقتصادي وتجاري، مثل سنغافورة التي توفر تسهيلات مالية وبيروقراطية لتأسيس الشركات لا توفرها إسرائيل، فضلًا عن تراجع الفساد بشكل واضح مقارنة بالأخيرة، إذ يحتل البلد الآسيوي المرتبة الرابعة في ترتيب الشفافية الدولية. وتملك شركات عملاقة مثل «آي بي إم» و«إتش بي» و«جوجل» وغيرها على أراضيها.

دولي

منذ 4 شهور
خدمات تجسس «ديليفري».. من خبراء الموساد إلى باب منزلك

كذلك ذكر تقرير كومباس «الدعم الحكومي للشركات الناشئة ساهم في احتلال سنغافورة مرتبة عالية بين مراكز شركات تقنية المعلومات عالميًّا، وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي في البلاد».

وتابع: «الموقع الجغرافي لسنغافورة وعلاقاتها القوية مع الأسواق الآسيوية الصاعدة يعني أن الشركات الموجودة في البلاد تستفيد من ميزة الوصول إلى المستهلكين الأثرياء».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد