عبد الله كمال
عبد الله كمال

3,671

في عام 1988 أعلن ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية على بُعد آلاف الكيلومترات من فلسطين نفسها. تم الحدث في العاصمة الجزائر التي احتضنت هذا الإعلان التاريخي، حيث قرأ عرفات وثيقة إعلان الدولة التي كتبها الشاعر محمود درويش أمام أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني.

أتى هذا الإعلان من العاصمة الجزائر تأكيدًا على دعمها القوي للقضية الفلسطينية، وتحديًا سياسيًا لإسرائيل، بعد تحدّ عسكري شاركت فيه الجزائر بكل ثقلها سنة 1973 في حرب الدول العربية مع إسرائيل بقوة عسكرية قدّرت بأكثر من 50 طائرة وأكثر من ألفي مقاتل، إلى جانب الدعم السياسي والاقتصادي المطلق خلال الحرب والذي تجلى في وجهين أساسيين، الأول هو الالتزام بالموقف العربي الذي اتفق على وقف تصدير البترول للدول الداعمة لإسرائيل مع انطلاق الحرب واستعماله سلاحًا اقتصاديًا للضغط على القوى العظمى من أجل تعديل موقفها من دعم الاحتلال، والثاني هو الزيارة الشهيرة للرئيس الراحل هواري بومدين إلى السوفييت ليطلب منهم تسليح المصريين قبيل الحرب، في حين أن السوفييت كانوا مترددين وطلبوا من مصر الدفع المسبق، فأخرج بومدين صكًا على بياض ليضغط على القيادة السوفيتية من أجل إتمام الصفقة.

الموقف المتميّز للجزائر في حرب 1973 ضد الاحتلال جعل رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق سعد الدين الشاذلي يثني على الجزائر خيرًا في مذكراته ويقول عنها «كان دور الجزائر في حرب أكتوبر أساسيًا وقد عاش بومدين – ومعه كل الشعب الجزائري – تلك الحرب بكل جوارحه بل وكأنه يخوضها فعلًا في الميدان إلى جانب الجندي المصري»، واختار الشاذلي الاستقرار في الجزائر بعد أن ساءت علاقته بالنظام السياسي في بلده.

اقرأ أيضًا: كيف يرى سعد الدين الشاذلي ممارسات السلطة العسكرية في مصر؟

 
لكن إسرائيل لم تنس هذه الضربات القاسية من بلد بعيد جغرافيًّا عن هذا الصراع الحاصل في قارّة أخرى، والمفترض أن لا تهديد جوهريًا تمثله إسرائيل على أمنه القومي، ولم تُمح من ذاكرتها صور الطائرات الجزائرية وهي تقصف قوّاته في سيناء، فتعود بعد سنوات طويلة لتتوغل في أفريقيا ويبسط نفوذه على أغلب دولها وتنفذ بذلك ما هو أشبه بحصار جيوستراتيجي على الجزائر من جميع الجهات، بعد أن حاولت استدراج النظام السياسي الجزائري إلى إقامة علاقات دبلوماسية معه أكثر من مرّة، آخرها في بداية سنوات الـ2000، لكن كانت تبوء المحاولة في كل مرة بالفشل بسبب الرفض الشعبي القاطع الذي تقابل به.

استغلّت إسرائيل تراجع نفوذ الدول العربية (وبالخصوص مصر والجزائر) في القارة الأفريقية بعد وفاة قيادتها التاريخية  لتتوسّع في الفراغ الذي تركته وتنسج شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية باستخدام المنظمات الخيرية مع بلدان أفريقيا الفقيرة، وتنال بذلك اعتراف الأغلبية الساحقة من هذه البلدان التي كانت في السابق تمتنع عن ذلك بحكم النفوذ العربي من جهة وبحكم معاناتها السابقة من ويلات الاستعمار.

نركّز في هذا التقرير عن العلاقات الإسرائيلية مع الدول المجاورة للجزائر ونفوذها المتزايد في بلدان شمال أفريقيا والساحل، وبما أن الجزائر تملك حدودًا برية مع كل بلدان المغرب العربي، فهذا التقرير سيشكل أيضًا مدخلًا مختصرًا لعلاقات إسرائيل مع بلدان المغرب العربي تاريخيًا وأين وصلت تطورات هذه العلاقات في الوقت الحاضر. ولنبدأ شرقًا.

تونس: الموساد في قرطاج

«بلدنا كان مخترقًا من قبل الموساد بشكل رهيب» بهذه الكلمات المزلزلة يصف الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي حجم الاختراق المخابراتي الإسرائيلي لتونس ما بعد الثورة. كلمات تخرج من فم القائد الأعلى السابق للقوات المسلحة التونسية والمسؤول الأمني الأول في سياق إجابته عن ما إذا كان يشك في أن جهة ما كانت تتجسس عليه وهو على كرسي الرئاسة.

ولعل التونسيين أدركوا صحة هذا الكلام وأن ليس به شيء من المبالغة بعد حادثة اغتيال المهندس محمد الزواري في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2016 أمام منزله داخل الأراضي التونسية. اغتيال يحمل بلا شك بصمات الموساد الإسرائيلي باعتراف خبراء أمنيين إسرائيليين. الزواري كان مهندس طيران ومخترعًا وطيّارًا وعمل مع كتائب القسّام الجناح العسكري لحركة حماس على تطوير برنامج طائرات بدون طيار، وبالتالي يأتي اغتياله مؤشرًا قويًا على حجم الاختراق الأمني الإسرائيلي للداخل التونسي خاصة منذ 2010 بعد تراجع أداء الأجهزة الأمنية التونسية إثر سقوط نظام بن علي.

اقرأ أيضًا: مصادر إسرائيلية تكشف خفايا اغتيال المخترع التونسي الزواري

ولعل هذا الاغتيال ذكّر التونسيين بجراح الماضي القريب وبدمهم الذي سال على أيدي الإسرائيليين، فليست هذه أول ضربة عسكرية تنفذها إسرائيل في الداخل التونسي، ففي سنة 1985 انتهكت الطائرات الإسرائيلية الأجواء التونسية وقصفت مدينة حمام الشط مستهدفة ياسر عرفات وباقي أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية مما أدى إلى سقوط 50 فلسطينيًا و18 تونسيًا و100 جريح، ولعل هذه الحادثة واغتيال الزواري مؤخرًا تكشف أن المغرب العربي ليس بمعزل عن الصراع العربي الفلسطيني، وأنه حاضر في الحسابات الأمنية الإسرائيلية بوصفه مصدر تهديد دائم.

في تسعينيات القرن الماضي كان نظام بن علي يجري اتصالات مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي من أجل فتح علاقات اقتصادية وتسهيل السفر بين البلدين، توّجت هذه العلاقات بفتح «مكتب رعاية مصالح» في كل من تونس وتل أبيب. كان رئيس المكتب التونسي في تل أبيب شخصًا يدعى خميس جهيناوي، وهو نفس الرجل الذي حمل منصب وزير الخارجية في تونس ما بعد الثورة.

ليبيا: «شعب الله المختار» يعود إلى بلد عمر المختار

لم يكن وجود المفكر الفرنسي ذي التوجهات الصهيونية، المدافع عن إسرائيل بشراسة،  برنارد هنري ليفي، في واجهة الثورة الليبية ضد نظام القذافي مطمئنًا بالنسبة للكثيرين، خصوصًا حماسته الشديدة في إقناع الرئيس الفرنسي ساركوزي بالتدخل العسكري لصالح الثوّار ، فكثير من المراقبين لم يستبشروا خيرًا من حضوره المكثف في المشهد الليبي ونفوذه الواضح داخل المجلس الليبي الانتقالي، مخافة أن يكون مقدمة لتطبيع محتمل مع إسرائيل في ليبيا ما بعد الثورة.
ولعل الصعود السياسي للجنرال حفتر جاء ليؤكد تلك المخاوف بمغازلته لإسرائيل في أكثر من مناسبة، كما يشارك أحد أعضاء حكومته في لقاء تطبيعي كسابقة في تاريخ ليبيا مع أحد وزراء إسرائيل. وزير إعلام حكومة حفتر عمر القويري يسافر إلى إيطاليا للمشاركة في ما سمي «مؤتمر المصالحة» الذي تشارك فيه شخصيات يهودية تدعو إلى عودة اليهود إلى ليبيا في حضور وزير الإعلام الإسرائيلي إيوان قرا، فيتصافحان ويتبادلان الحديث والابتسامات ويأخذان صورًا للذكرى ولتوثيق الجريمة.

اقرأ أيضًا: بعد تطبيع العلاقات بين شرق ليبيا وإسرائيل.. ما الذي تريده «تل أبيب» من حفتر؟

ليبيا المنقسمة بين حكومتين تصف كلتاهما نفسها بالشرعية وبين أكثر من فصيل مسلح لا تبشر الأوضاع فيها بهدوء قريب، وبصمات التطبيع في الفصيل الأقوى عسكريًا والمدعوم دوليًا (الجنرال حفتر) معلنة بشكل واضح.

 النيجر ومالي: عبد القادر المالي لا يبالي

دول الصحراء الكبرى ترى إسرائيل كواحة ماء شروب وسط الرمال المقفرة، فهل يكون مجرّد سراب؟ البلدان الحدوديان للجزائر لم يخصّهما الرئيس بوتفليقة بأية زيارة خلال سنوات حكمه الطويلة، ولا يبدو أن بوتفليقة ينوي تصحيح ذلك قريبًا لأسباب بديهية. كانت النيجر على علاقات مع إسرائيل منذ استقلالها مع قطع لها في الـ73 بعد حربها مع العرب ثم إعادة ربط لها في التسعينيات.

توقفت العلاقات منذ 2002 في سنوات الانتفاضة الثانية لتعود مؤخرًا في فبراير (شباط) 2017، للمشهد من خلال زيارة الوزير الإسرائيلي السابق وعضو الكنيست مودي ساندبرغ لعاصمة النيجر نيامي واستقباله من طرف مسؤولين كبار في الحكومة النيجرية. النيجر تعد من أفقر بلدان العالم وتعاني من تبعات الجفاف الشديد الذي ضرب أراضيها كما تعاني من نقص تغذية الأطفال وندرة المياه الشروب وتراجع قطاع الزراعة ومشاكل تنموية عميقة، وبالتالي تحاول إسرائيل توسيع نفوذها من هذا المدخل عن طريق منظمات الإغاثة والمؤسسات غير الربحية التي تدخل النيجر بغطاء المساعدة الإنسانية.

حديقة الجزائر الخلفية تتقارب مع إسرائيل أكثر فأكثر مع مرض القيادة السياسية في العاصمة وانشغالها بأزماتها الاقتصادية والسياسية، وتصبح صورة رئيس مالي – التي لم تكن لها علاقات مع دولة الاحتلال من قبل – مع رئيس وزراء اليمين المتطرف لدولة الاحتلال الإسرائيلي أمام الكاميرات أكثر من عادية، فيتصافحان ويتفقان في السابع من أبريل (نيسان) 2017 في اجتماع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على «علاقات أكثر دفئًا» حسب نتنياهو. ثم ما الذي تفعله إسرائيل في اجتماع لدول غرب أفريقيا؟ لعل هذا السؤال يختزل الكثير من التراجع والضعف في الموقف العربي وتأثيراته في الساحة الأفريقية، حتى مع أقرب جيرانه ذوي الأغلبية المسلمة كالنيجر ومالي.

على الجزائر

المغرب: الرباط أمام الهيكل

العلاقات الإسرائيلية المغربية عميقة ومتشعبة وعلى أكثر من مستوى، فعلى الرغم من المعارضة الشعبية الواسعة التي تندد بمظاهر التطبيع معها في أكثر من مناسبة، إلا أن القصر الملكي المغربي يبدو ثابتًا على هذا النهج التطبيعي الذي بدأه الملك الراحل الحسن الثاني قبل أكثر من نصف قرن.

أعادت زيارة وفد من المملكة المغربية لإسرائيل للمشاركة في مؤتمر صداقة تسليط الضوء على العلاقات المغربية الإسرائيلية التي تمتد لسنوات مبكرة من قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي. حيث جرت في 1961 مفاوضات سرية بين الإسرائيليين والملك الحسن الثاني لتسهيل هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل.

وكشف الرئيس الأسبق لجهاز الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال شلومو غازيت في لقاء صحافي حجم التعاون المخابراتي المهول بين الطرفين حين صرّح أن الموساد تجسّس على أحداث القمة العربية التي جرت في الرباط سنة 1965 بالتعاون مع المخابرات المغربية، فقد وصل وفد إسرائيلي قبل القمة إلى الرباط وحصل على تسجيلات مداولاتها أولًا بأول، القمة التي شارك فيها وزراء دفاع الدول العربية وقادة جيوشها وكبار قادتها الأمنيين وأعطوا خلال القمة استعراضًا مفصّلًا عن حجم ونوع القوات العسكرية التي يمتلكونها، كانت قبل سنتين فقط من هزيمتهم في حرب 1967.

كما ذكر محمد حسنين هيكل في كتابه «مدافع آية الله» أن الرباط أشرف على أول لقاء مصري إسرائيلي سنة 1977 تمهيدًا لاتفاقية السلام بكامب ديفيد 1978. واستضاف الحسن الثاني وولي عهده (الملك الحالي) محمد السادس رئيس الحكومة الإسرائيلية شمعون بيريز سنة 1986 كدليل على متانة العلاقات المعلنة بين الطرفين.

العلاقات شهدت برودًا ودفئًا حسب الأوضاع الإقليمية والسياسية بالنسبة للبلدين، فبعد اتفاقية أوسلو، افتتح المغرب مكتب تمثيل له في تل أبيب، كما فُتح مكتب مماثل لإسرائيل في الرباط، لكن الانتفاضة الفلسطينية الثانية اضطرت النظام المغربي إلى قطع هذه العلاقات تحت الضغط الشعبي والمظاهرات التي عمّت البلاد.

في جنازة الملك الحسن الثاني بيوليو (تموز) 1999 مثّل إسرائيل رئيسها شمعون بيريز بالإضافة إلى رئيس وزرائها إيهود باراك، ويبدو أن القصر لا ينسى من يحضرون أحزانه ويعزّونه عليها، لذلك عندما توفي شمعون بيريز سنة 2016، كان مستشار الملك المغربي أندري آزولاي في الصفوف الأولى للجنازة ممثّلًا لجلالته.

وتبقى العلاقة بين الطرفين مقطوعة ومتوتّرة في العلن، دافئة ومسكوتًا عنها في السرّ، فالسياح المغاربة يزورون إسرائيل كل سنة بالآلاف، ونفس الشيء ينطبق على الإسرائيليين، كما أن التجارة بينهما في ازدهار كل سنة، وقد قدّرت بـ53 مليون دولار سنة 2013.

موريتانيا: مليون ونصف مليون شاعر بالغضب

في بلاد شنقيط تخرج الجموع بعد كل اعتداء إسرائيلي على الفلسطينيين، فيملؤون الشوارع ويهتفون ضد إسرائيل وممارساتها وداعميها، لكن القصر الجمهوري في نواكشوط له رأي آخر.

كانت موريتانيا ثالث دولة بعد مصر والأردن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل على مستوى السفراء سنة 1999، وبدأت العلاقات الرسمية عندما سمحت نواكشط بفتح مكتب إسرائيلي في سفارة إسبانيا بموريتانيا سنة 1996، كما شارك إسرائيليون في أحداث علمية بجامعة نواكشوط في السنوات التالية.

وتتهم المعارضة حكومة الرئيس ولد الطايع بدفن نفايات نووية إسرائيلية في الصحراء الموريتانية، اتهامات أدت إلى سجن قيادات في المعارضة أبرزهم أحمد ولد داداه. وتبادل الطرفان الإسرائيلي والموريتاني زيارات رسمية كان آخرها في 2005 حين زار وزير الخارجية السابق سيلفان شالوم نواكشوط، ليستقبل بمظاهرة ضخمة من الطلبة الجامعيين المحتجين على الزيارة.
وبقيت العلاقات على حالها رغم الاعتراض الشعبي والسياسي من أحزاب المعارضة والموالاة حتى العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية 2008، لتُجمد بفعل الضغط الشعبي الواسع، وتغلق السفارة الإسرائيلية في العاصمة.

فيديو لمظاهرات مناصرة لغزة في موريتانيا، 2012.

لكن نية الرئيس محمد ولد عبد العزيز لا تبدو مختلفة عن معاوية ولد الطايع الذي سنّ سنّة التطبيع، فالبعض يرى أن استعانته بالسفير السابق في تل أبيب في حكومته أحمد ولد التكدي، ترسل إشارات برغبته في عودة العلاقات مع إسرائيل، كما أن اجتماعات ممثلين عن الحكومة الموريتانية والإسرائيلية مع وزير الخارجية الإسبانية (نفس الدولة التي احتضنت سفارتها مكتبًا إسرائيليًا في نواكشوط) قد يشير إلى وجود تقارب بين الطرفين قد يفضي إلى إعادة العلاقات المجمّدة منذ 2009.

تغريدة وزارة الخارجية الإسبانية عن اللقاء.

يرى السياسي المعارض ولد داداه أن نظام معاوية ولد الطايع اتجه إلى إقامة علاقات مع إسرائيل في تلك الفترة حتى تكون مدخله لتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة التي كانت لها ملاحظات قاسية حول وضع حقوق الإنسان في ظل حكمه.

حتى الصحراء الغربية!

في يونيو (حزيران) الماضي نشر وزير الإعلام الإسرائيلي أيوب قرا صورة له مع رئيس وزراء «الجمهورية الصحراوية» المعترف بها جزئيًا عبد القادر طالب عمر في الإكوادور خلال حفل تنصيب الرئيس الجديد.

واعترضت الحكومة المغربية رسميًا عند الإسرائيليين – الذين لا تملك معهم علاقات دبلوماسية! – ليسارع الوزير الإسرائيلي بحذف الصورة والاعتذار.

والمثير للانتباه هو الطريقة التي وصف بها معاملة رئيس الوزراء الصحراوي له بقوله: «تفاجأت من التعامل العلني والدافئ الذي أبداه تجاهي وتجاه سفير إسرائيل رئيس جمهورية الصحراء العربية عبد القادر طالب عمر، الذي تعهد بدفع علاقات علنية مع إسرائيل»، فهل ستلعب إسرائيل على وتر دعم الحركات الانفصالية/ التحررية حتى تساوم المغرب والجزائر على دفع العلاقات – المقطوعة رسميًا – من جديد؟

عندما زلّت يد بوتفليقة ولسانه

عندما انتُخِب بوتفليقة رئيسًا للدورة الـ29 للأمم المتحدة سنة 1974، سمح لياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك بالصعود إلى منصة الأمم المتحدة وإلقاء أول خطاب تاريخي له للعالم، بعد أن كان هو ومنظمته في قائمة الإرهاب.

وهو نفسه الرئيس بوتفليقة الذي تورّط في المصافحة الشهيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك خلال جنازة الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، حيث أمسكته الكاميرات وهو يصافح باراك قائلًا «نحن مستعدون لخدمتكم» أو على الأقل هذا ما تسرّب من التسجيل، مصافحة أتت بعد ثلاثة أشهر فقط من انتخابه رئيسًا للجزائر.

وسببت تلك الحادثة موجة غضب شديدة في الأوساط الشعبية والسياسية مما جعل الرئاسة تطمئن أن الحادثة كانت فخًّا مدبّرًا من أجل توريط الرئيس الجديد، وأن موقف الجزائر من إسرائيل لن يتزحزح. سنة واحدة بعد الحادث، زار وفد من الصحافيين الجزائريين إسرائيل بدعوة من وزارة الخارجية الإسرائيلية، وقد اغتنمت الرئاسة الفرصة حتى تمحو من الأذهان آثار المصافحة التطبيعية في الجنازة الملكية، وحرصت على أن تهاجم هذه الزيارة علانية إلى حد وصفها بالخيانة.

خاتمة

أعلنت الجزائر قبل شهور تفكيكها شبكة تجسس تعمل لصالح إسرائيل في مدينة غرداية التي شهدت قبل سنوات قليلة موجة عنف طائفي، ويجري الحديث هذه الأيام عن استضافة قيادات حركة حماس الفلسطينية في الجزائر، خصوصًا بعد الحصار القطري والتقارب الخليجي الإسرائيلي، أي أن البلد الذي انطلقت منه الدولة الفلسطينية قبل 30 سنة، قد يعود إليه أبناؤها بعد أن ضاقت بهم السبل في تصديق تاريخي للمقولة المتداولة شعبيًا في الجزائر عن الراحل ياسر عرفات حين خاطب رفاقه قائلًا «لو ضاقت بكم الدنيا ولم تجدوا مفرًّا فعليكم بالجزائر».

تبدو الجزائر كبلد وحيد تحاصره أمواج التطبيع والاختراق الأمني الإسرائيلي من كل الجهات، وكأن إسرائيل تعود بعد سنوات طويلة في ثوب جديد للانتقام من كل من دعم القضية الفلسطينية يومًا أو يفكر في استمرار دعمها بجدية، يأتي هذا وسط العديد من التغيرات التي حدثت في كل تلك السنوات، والتي تصب أغلبها في الصالح الإسرائيلي.