يعرف أغلب العرب أن هناك خطةً إسرائيليةً ما لتقسيم الشرق الأوسط، هذه إحدى أهم ركائز العقلية العربية عمومًا، سواء كانت عقلية عامة أو سياسية، ويأخذ البعض الخُطة إلى أقصى يمين المؤامرة، ويأخذها آخرون إلى يسار النفي المطلق، ويقف بينهما فريق ثالث يحاول أن يحافظ على اتزان العصا، فلا هي بضخامة وعبقرية ما يشاع عنها، ولا هي مجرد غبار لا وزن له، بينما لا يملك أي شخص تفاصيلًا فعلية لتلك الخطة.

لإلقاء المزيد من الضوء، ربما علينا أن نعود إلى 26 أبريل (نيسان) لعام 2013، حيث يطل علينا «مركز بحوث العولمة» بمقال يبدو على شاكلة مؤامراتية، لكنه ليس كذلك، ذي عنوان معتاد نصه «إسرائيل الكبرى.. الخطة الصهيونية للشرق الأوسط». مقال يشرح الخطوط العريضة للخطة سالفة الذكر، والمعروفة إعلاميًّا بـ«خطة ينون»، كتبه للمركز بروفيسور الاقتصاد الشهير بجامعة أوتاوا الكندية، ذو الأصل اليهودي «ميشيل شوسودوفيسكي»، شارحًا فيه رؤية تل أبيب العامة للشرق الأوسط.

استمد المقال ثقله من الثقل الأكاديمي للبروفيسور، وقال فيه «شوسودوفيسكي» إن الخطة تعتمد على إعادة تشكيل البيئة الجغرافية السياسية العربية، ومن ثم «بلقنة» دول الشرق الأوسط، فلا يكفي تقسيمها فحسب إلى دول أصغر وأضعف، وإنما ينبغي أن تكون دولًا معادية لبعضها البعض، أشبه بدويلات متناحرة، ولذلك استخدم مصطلح «البلقنة» عوديد ينون، من يفترض به أن يكون العقل المدبر وراء ما سبق.

الحقيقة أن عوديد ينون نفسه شخصية مثيرة للجدل، سنجد أنه يحظى بشهرة عربية حقيقية، كأحد من يمثلون غموض التخطيط الإسرائيلي وعبقريته، وإن نظرنا إلى الإسرائيليين أنفسهم، فسنجد وصفًا عامًا للرجل بأنه «هامشي جدًّا»، لا تأثير له في مخرجات السياسة الإسرائيلية، والأهم أن معظم الإسرائيليين لم يسمعوا به قبلًا، على حد قولهم، وبين هذا وذاك تقع الحقيقة غالبًا، كما هي العادة.

رغم كل ما سبق، من الصدام العقلي العربي الإسرائيلي، فيما يخص خطة إسرائيل لتنفيذ حلمها الأزلي «من النيل للفرات»، إلا أن صحة ذلك من عدمه غير مهمة، بقدر أهمية الرصد الدقيق لاستفادة تل أبيب من التشقق الديموغرافي الواسع، الحادث حاليًا في سوريا تحديدًا، والمفضي إلى تشقق جغرافي بطبيعة الحال، وشبه بلقنة واقعية، وإن كانت غير رسمية، لقلب الشرق الأوسط، استفادة متواجدة بالتأكيد، وتتطلب رصدًا يبتعد عن المعطيات التقليدية، التي تتعامل مع السياسة الإسرائيلية في قوالب شديدة الجمود، والروتينية.

قواعد اللُعبة

يمكننا الانتهاء أولًا من الرسميات، وما يُسوق في محافل العالم الدولية العلنية، فبحكم القانون الإسرائيلي كلا البلدين، إسرائيل وسوريا، في حالة حرب متصلة منذ قتال الأيام الستة، عام 1967، وكلا البلدين لم يوقعا على أي معاهدة سلام رسمية حتى الآن، ويُعرّف البرلمان الإسرائيلي «الكنيست» سوريا بأنها «دولة معادية»، فلا يستطيع الإسرائيليون السفر إليها إلا بإذن أمني خاص، من السلطات الإسرائيلية، وتحظر القوانين الإسرائيلية أي علاقة تجارية مع دمشق، بينما تتجاهل تل أبيب كل قرارات الأمم المتحدة، على مدار ما يقارب النصف قرن، وتحتفظ بالجولان بقوة السلاح، محتلة إياها منذ ما بعد عام 1967.

خريطة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لمرتفعات الجولان المحتلة، أكتوبر (تشرين الأول) 1994

يشكل الجزء الرسمي نقطة ضئيلة في بحر أهمية هضبة الجولان الجيوسياسية لإسرائيل، وأهميتها الإستراتيجية بطبيعة الحال، فالهضبة تكشف الجنوب السوري كاملًا، حتى أطراف العاصمة دمشق، فضلًا عن كونها بوابة الشمال الشرقي الفلسطيني الرئيسة، ولذلك تدافع إسرائيل عنها بشراسة، أو عن الجزء الذي تسيطر عليه تحديدًا، كما فعلت طوال الخمسة أعوام السابقة، منذ قيام الثورة السورية.

في العام الماضي فقط، 2015، تعاملت تل أبيب مع قصف شهري شبه منتظم، تهبط قذيفة هاون، أو بضع قذائف، من الجانب السوري على الجانب الإسرائيلي المحتل، فترد إسرائيل بقصف صاروخي، أو غارات جوية، أو تهبط القذائف قرب الحدود الفاصلة، فتكتفي تل أبيب بصمت دبلوماسي، بناءً على معلومات استخباراتية، كما في 27 يناير (كانون الثاني) مثلًا، عندما سقطت قذيفتا هاون على حقل، قرب الخط الفاصل بين المساحتين، وحينها عزت تل أبيب الأمر للصراع الداخلي السوري، و17 يونيو (حزيران)، و28 سبتمبر (أيلول)، حين قصف الطيران الإسرائيلي مواقع عسكرية سورية لنفس السبب المتكرر، وحتى ليلة أمس، عندما استهدفت القوات الإسرائيلية مدفعية الجيش السوري في الجولان، بعد سقوط قذيفتي هاون قبيل العاشرة مساءً.

تأتي حرب الثورة السورية، بين ميليشيات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وفصائل المعارضة السورية المسلحة، لتمنح تل أبيب فرصة ذهبية لإبقاء الأوضاع في الجولان مستقرة لأطول زمن ممكن، وبينما يخوض الجميع في الداخل السوري حربًا دموية شاملة، لا يتوقع لها أن تنتهي قريبًا، تخوض إسرائيل معركةً أخرى، لكنها هذه المرة من طرفٍ واحدٍ، مع موارد الجولان، أو ما أطلقت مجلة الإيكونوميست عليه «مناجم ذهب غير مكتشفة».

في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أعلن يوفال بارتوف، كبير الجيولوجيين في شركة أفيك للنفط والغاز، أحد فروع مجموعة «جيني» الأمريكية للطاقة، عن أن شركته ربما اكتشفت منجمًا من الذهب في مرتفعات الجولان، حيث أجروا ثلاثة اختبارات، جاءت نتائجها جميعًا إيجابية، مع اعتقادهم في الشركة بأن الجولان ترتكز على خزان نفط عملاق، ربما تقدر احتياطاته بمليارات البراميل.

الاحتياطات النفطية المحتملة في هضبة الجولان باللون الأسود، والحدود الإسرائيلية السورية باللون الأحمر (مصدر الصورة: جويش برس)

ومن المهم معرفة أن رئيس «أفيك» الفرعية هو إيفي إيتام، جنرال الجيش الإسرائيلي السابق، وأحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وأن المجلس الاستشاري، للمجموعة بأكملها، والمتفرعة منها أفيك العاملة في الهضبة المحتلة، يضم ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، وإمبراطور الإعلام روبرت مردوخ، ومدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق جيمس وولسي، ولاري سمرز، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق في عهد بيل كلينتون، ومدير المجلس الاقتصادي القومي تحت إدارة باراك أوباما.

وبجانب النفط فإن الجولان هي أحد أهم مصادر المياه العذبة لإسرائيل، حيث تسقط مياه الأمطار على المرتفعات، وصولًا إلى نهر الأردن، الذي يغذي بدوره بحيرة طبرية، فيتوفر لإسرائيل من هذه الرحلة ثلث احتياجاتها السنوية من الماء العذب، لأكثر من ثمانية ملايين مستوطن للأراضي الفلسطينية المحتلة.

إذن، احتياطي نفطي محتمل بالغ الضخامة، ورافد مائي لا يمكن التخلي عنه بأي شكل، لذلك تمثل الحرب السورية فرصةً ذهبيةً، في ظل سيطرة تل أبيب على الجزء الأكبر من المرتفعات، وهي السيطرة غير المعترف بها من أي دولة في العالم، حتى الولايات المتحدة نفسها.

في السابق، وفيما قبل قيام الثورة السورية في مارس (آذار) لعام 2011، ومن ثَم الحرب، عرضت تل أبيب أكثر من مرة الانسحاب من الهضبة، مقابل اتفاق أمني وتسويات شديدة الخصوصية مع بشار الأسد، ومعاهدة سلام شاملة مع سوريا، على غرار معاهدة كامب ديفيد، وبالفعل كانت هناك وساطة تركية فيما بعد عام 2010، إلا أن كل ذلك توقف تبعًا لما حدث. ثم ظهرت مجموعة خاصة، أشبه بلوبي ضغط ينمو بثقة في أروقة الحكومة الإسرائيلية، لوبي يقوده تسفي هاوزر، السكرتير السابق لبنيامين نتنياهو، ويطالب باستغلال الفوضى الحالية، والمطالبة باعتراف دولي بأحقية إسرائيل في السيطرة على 1200 كيلومتر مربع، المساحة المحتلة من الجولان، ويحاول هذا اللوبي تسويق الفكرة على أنها تعويضٌ لإسرائيل، من واشنطن، عن الاتفاق النووي الإيراني. وفي كل الأحوال، فإن أي فهم للاستفادة الإسرائيلية من الفوضى السورية، لا بد وأن يعبر بالجولان، وبنقطتها المحورية: شركة أفيك.

حزب الله: البوصلة اختلت كثيرًا

«عندما اندلعت الحرب الأهلية السورية، في عام 2011، قررت إسرائيل تقليل تدخلها في مسار الأحداث لحده الأدنى.» – حاييم تومر، أحد كبار الضباط السابقين في جهاز مخابرات رئاسة الوزراء الإسرائيلية، المعروف بالموساد.

تشرح العبارة السابقة لحاييم الاتجاه العام الإسرائيلي، منذ بداية اشتعال أتون اللهب وحتى الآن، فعلى الرغم من العداء، المضخم علنًا، بين تل أبيب، ونظام بشار الأسد، فإن إسرائيل قررت التنحي حين اندلاع الحرب، وعدم التأثير في مسار الأحداث بشكل ظاهر، أو التورط في الصراع المسلح، كما فعلت روسيا مثلًا، وإنما عملت على الاستفادة من كافة الفرص المتاحة أمامها، وتعظيم مكاسبها مقابل تقليل خسائرها، في وقت يخسر فيه الجميع تقريبًا بشكل يجعل الربح باهظ الثمن.

في يوم الاثنين 20 يوليو (تموز) من العام الماضي، صرح أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي لصحيفة هآرتس العبرية، مخفيًا هويته ومنصبه، عن أن إسرائيل توقفت تمامًا، رسميًّا وعلنيًّا، عن علاج مقاتلي جبهة النصرة، والمعارضة السورية عمومًا، في مستشفياتها الشمالية، قائلًا إنه سيتم التدقيق في هويات الذين سيتلقون العلاج في المستشفيات، وسوف يُعالج الكل في مواقع الإصابات قدر الإمكان، إلا أن المستشفيات ستغلق أبوابها أمام مقاتلي المعارضة.

محمد، 20 عامًا، أحد مقاتلي المعارضة السورية المسلحة، أثناء معالجته من إصابته في إحدى مستشفيات الشمال الإسرائيلي (مصدر الصورة: الديلي ميل)

سبق ذلك اتهامات كثيرة ومتكررة، من حزب الله اللبناني، الذي تقاتل ميليشياته بجانب نظام بشار الأسد، لتل أبيب، بتقديم دعم مالي ولوجيستي لجبهة النصرة، ومقاتلي المعارضة، اتهامات قابلها نفي إسرائيلي متكرر، واتهامات معاكسة لحزب الله بمحاولته التغطية على ضعفه الحالي، واستنزافه الداخلي وخسائره في الصراع السوري الدائر.

لا شك أن بوصلتي حزب الله السياسية والعسكرية، قبيل الثورة ثم الحرب السورية، كانتا موجهتين بشكل كبير لتل أبيب، ومنهما صنع الحزب، على مدار سنوات طويلة، شعبيته في العالم العربي، واستمد قدرته على التوغل في الداخل اللبناني شعبيًّا وسياسيًّا، وكان يمثل عبئًا حقيقيًّا على الجبهة الإسرائيلية في لبنان، إلا أن كل ذلك تغير مع بداية الثورة السورية.

يحيا حزب الله حاليًا واحدة من فتراته التاريخية المُرهَقة، على المستويين العسكري والشعبي، فمن الجانب العسكري يبدو وكأن الحزب قد منح هدنة غير مكتوبة، وطويلة المدى، للقوات الإسرائيلية على الحدود الشمالية، عن طريق انخراطه القتالي المُركّز والعنيف في سوريا، والذي أدى، بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، إلى مقتل حوالي 1600 من عناصر ميليشياته، وإصابة أكثر من 500 آخرين، على مدار الأربعة أعوام السابقة من عمر الثورة السورية، ومن الجانب الشعبي، فإن الحزب يحيا انهيارًا شعبيًّا عربيًّا لا شك فيه، بعد انحيازه المطلق لجانب بشار الأسد، المتورط بشكل رئيس في عدد لا يحصى مما صنف على أنه «جرائم حرب» ضد الشعب السوري.

لا يرغب حزب الله بالتأكيد، في هذه المرحلة، في مواجهة أخرى مع إسرائيل، حيث إن فتح جبهتين شديدتي العنف في نفس الوقت ربما يكون «عملًا أحمق» من الناحية الإستراتيجية والعسكرية، وقد يستنزف حزب الله وصولًا إلى إنهائه إكلينيكيًّا، إلا أن الصورة ليست وردية لهذه الدرجة، ولا تصب في صالح إسرائيل بشكل كامل.

أحد مقاتلي حزب الله يشرح لمجندين جدد كيفية إطلاق الصواريخ، 2010 (مصدر الصورة: أسوشيتيد/ حسين ملا)

في 15 أغسطس (آب) الماضي، لعامنا الحالي 2016، نشر «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» دراسة هامة ومطولة، قام عليها الباحث المعروف ناداف بولاك، محلل مخابرات الجيش الإسرائيلي السابق، تكلم فيها عن تحول حزب الله، والآثار العائدة عليه من تورطه في الحرب السورية. وقال ناداف في دراسته إنه «ربما من الواضح عدم رغبة الحزب في خوض حرب ضد إسرائيل، إلا أن هذا لا يعني عدم قدرته على خوض حرب على جبهتين لفترة لا بأس بها»، وأن الحرب السورية ربما تكون أجهدته، واستنزفت جزءًا لا بأس به من قدراته، إلا أنه «لم يتم تركيع الحزب عسكريًّا بعد».

وفي وقت تورط الحزب في سوريا، يبدو في الأفق غبار خفيف، كأثر حركة في أروقة الجيش الإسرائيلي، حركة ضغط ناشئة وغير مؤثرة بعد، تريد من الحكومة الإسرائيلية القيام بحملة عسكرية على الجنوب اللبناني مرة أخرى، وانتهاز فرصة انخراط حزب الله القتالي في الداخل السوري، والإجهاز عليه مرة واحدة وللأبد، إلا أن الكثير من المحللين الإسرائيليين، وبعض الجنرالات أيضًا، يرون أن الأمر ليس بهذه السهولة على الإطلاق، وأن الحرب السورية ربما أجهدت الحزب، إلا أنها ساهمت في تطوير قدراته أيضًا، من ميليشيات، مرورًا بكونه حركة ضخمة، متخصصة في حرب العصابات، ليصل إلى ما أطلق عليه ناداف «منظمة نصف عسكرية ونظامية، ولاعبًا إقليميًّا مهمًّا، وشريكًا حيويًّا في الحلف السوري- الإيراني».

إسرائيل.. الفائز الوحيد من «الشتاء العربي»

في بدايات ما عُرف بـ«الربيع العربي»، منذ خمسة أعوام وينيف، برزت صورة تقليدية تمثلت في أن الخاسر الأكبر مما يحدث، ومن تحرك الصفائح التكتونية السياسية لمصر وليبيا وتونس وسوريا، هو إسرائيل بالتأكيد، الكيان الذي أصبح منبوذًا حينها أكثر من أي وقت مضى، بعد انهيار تحالفاته النظامية العربية القديمة، وهبوب رياح تغيير لا يعرف عن نتائجها شيئًا. وجهة نظر تبناها توماس فريدمان، الصحافي الأمريكي فائق الشهرة، واصفًا ما يحدث وقتها بأن «إسرائيل تواجه أكبر تآكل في محيطها الإستراتيجي منذ نشأتها»، وتبعه في ذلك كم لا بأس به من صحافيي وساسة أروقة واشنطن، وكذا عدد من الساسة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو بنفسه، إلا أن الحقيقة عكس ذلك، وكما كتب باحث العلاقات الدولية بجامعة جورج تاون الأمريكية، جابرييل شاينمان، فإن ما حدث ربما يحمل فوائد على المدى الطويل لإسرائيل.

يبدو الأمر وكأن إسرائيل في فقاعة معزولة عن كل ما يحدث، فبينما كانت قبلًا الهدف المفضل للتصويب، سواء من حركات عسكرية، أو حكومات عربية في عداء معها، أو منظمات بارزة، وليس كأن ذلك مثل تهديدًا وجوديًّا لها، إلا أنه كان يشغل حيزًا لا بأس به من مساحة الحركة المتاحة لتل أبيب، إلا أن ما حدث فرغ ضغطًا كبيرًا من على كاهلها، فأصبحت الدول العربية، عدائية أو غير، منشغلة بدواخلها وترتيب أوراقها المحلية الفوضوية بلا أمل، واهتز محور الممانعة، الإيراني السوري اللبناني «حزب الله» اقتصاديًّا وعسكريًّا بشدة، بسبب الحرب السورية، بينما تبدو تل أبيب في معزل عن كل الاضطرابات الإقليمية، بل وتستفيد من الوضع قدر المستطاع.

من اليمين: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

على الرغم من معارضة إسرائيل الدائمة، والعلنية، للأسد، إلا أنهم يخشون بديلًا أسوأ في حال سقوطه، وربما يلقي ذلك الضوء على تناقض مهم، يتمثل في الموقف الإسرائيلي السوري، وأمامه التنسيق الإسرائيلي الودود مع موسكو، الداعم العالمي الأكبر لنظام بشار الأسد، والعلاقات المتصاعدة باستمرار، والتي يلخصها قول نتنياهو، بعد اجتماعه مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 21 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي بالكرملين، عندما وصف الأجندة الإسرائيلية في سوريا قائلًا: «في سوريا حددت أهدافي، وهي حماية أمن شعبي وبلادي، لروسيا أهداف مختلفة، ولكنها لا ينبغي أن تتصادم مع أهداف إسرائيل».

مع رفع واشنطن، والقوى الغربية من ورائها، أيديهم عن الشرق الأوسط، وبرغم من تحالف روسيا الوثيق مع إيران، عدو تل أبيب اللدود، وتبني إيران الكامل لحزب الله، ذراعها الضاغط على إسرائيل، فإن تل أبيب لا تجد بدًّا من تهدئة الأمور مع بوتين وموسكو، والتعامل مع كل قطعة من الأحجية على حدة، وربما يتمثل ذلك في رفع درجة العلاقات الإسرائيلية الروسية، واتجاه البلدين لإلغاء التأشيرات بينهما، والأقاويل المثارة حول توقيع الاثنين لاتفاقية تجارة حرة ضخمة، نهاية العام الحالي. كلها مؤشرات دالة على القدرة الإسرائيلية على موازنة الكفة، والإيمان بأن صديق عدوي يمكن أن يصبح صديقي أيضًا، وعدم إعطاء أي فرصة لتكوين «كماشة جهادية» مفترضة، طرفيها سيناء والحدود السورية، فتعادي تل أبيب طهران، وتصادق بعض فصائل المعارضة، أو تساعدهم متى حتمت الحاجة، وتصادق روسيا، بينما تلوح من وقت لآخر ببيع أسلحة متطورة لأوكرانيا، وتحافظ على وتيرة علاقاتها الغربية، وتستمر في إقامة موقف حاد من نظام الأسد، إلا أنها لا ترغب على الأغلب في رؤية بديل «جهادي» له، تأخذ من كل طرف ما يفيد، وتعزل نفسها عن الأضرار الجانبية، والحقيقة؟ تربح إسرائيل من الفوضى السورية بالفعل، وبكل الأشكال.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!