أحداثٌ متسارعة شهدتها سوريا خلال الأيام القليلة الماضية، بين الطرفين الأهم؛ إسرائيل وإيران، اللذين يشهدان حربًا وصفتها جريدة «تايم» البريطانية بأنها حرب سرية مستمرة منذ بداية الحرب في سوريا التي أصبحت ساحة القتال الرئيسية بين إيران وإسرائيل، والتي شهدت مقتل 12 شخصًا خلال الأسبوع الماضي فقط بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا التي تستهدف مواقع إيرانية.

ويبدو أن الأيام القادمة ربما تشهد بعض التصعيدات من الطرف الإسرائيلي، وهو ما يتوقَّع أن يكون الرد الإيراني عليها انتقاميًا؛ إذ يأتي ذلك في الوقت الذي حذرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها إسرائيل بعدم التصعيد ضد إيران؛ خوفًا من أن يكون الرد الإيراني انتقاميًا، وهو ما سيتسبب في حربٍ كبيرةٍ في المنطقة، بحسب ما قاله دان كوتس، مدير المخابرات القومية في «وكالة الاستخبارات الأمريكية» أمس الأول.

هل ستنجح مقايضة إسرائيل الأخيرة؟ رحيل «الممانعة» مقابل بقاء الأسد

لطالما ظن الجميع أن كل ما تريده إسرائيل من سوريا هو الخروج الإيراني من الأخيرة بغض النظر عن بقاء الأسد من عدمه، ولكن هل هذا فقط هو ما تريده إسرائيل؟ أم أنها لا تريد نظام الأسد أيضًا؟

حرب الشرق الأوسط الكبرى

ذكر المحلل السياسي، ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، مايكل آيزنشتات، في تحليله المنشور على موقع المعهد، بالتعاون مع نداف بين حور، الذي يعمل رائدًا في جيش الدفاع الإسرائيلي، أن هناك مخاوف عدة، قد تتحول إلى توقعات حول اندلاع حرب في الشرق الأوسط في عام 2019، وهي الحرب التي أطلقا عليها اسم «حرب الشرق الأوسط الكبرى» أو «حرب الجبهات الثلاث»؛ غزة ولبنان وسوريا.

غير أن سوريا تعتبر هي ساحة القتال الرئيسية فيها؛ إذ توقع المحللون أن تكون بين إسرائيل وحزب الله باعتبارهما طرفين رئيسيين، مع انضمام أطراف مختلفة وفاعلين آخرين إلى كل منهما؛ فقد لا تقتصر الحرب على المشاركين الأصليين فحسب، بل قد تشمل مجموعة من المليشيات الشيعية وحتى نظام الأسد نفسه، كما يمكن أن تمتد إلى كافة أرجاء المنطقة.

ويأتي هذا في سياق التوترات التي ازدادت خلال شهر أغسطس (آب) من العام المنصرم 2018، وذلك على الحدود الشمالية لإسرائيل؛ إذ أُثيرت مخاوف بشأن مواجهة أخرى بين إسرائيل وحزب الله، أو اندلاع حربٍ بين إسرائيل وإيران في سوريا، بحسب المحللين.

التخوفات الإسرائيلية تأتي بسبب عاملين رئيسيين؛ يتمثَّل العامل الأول في الجهود التي يبذلها حزب الله وسوريا، وبمساعدة إيرانية، وذلك لإنتاج صواريخ عالية الدقة في لبنان وسوريا، والتي يمكن لها أن تُعطِّل البنية التحتية الحيوية لإسرائيل.

Embed from Getty Images

وأمَّا العامل الثاني فيتمثَّل في جهود إيران لتحويل سوريا إلى نقطة انطلاق للعمليات العسكرية ضد إسرائيل، ومنصة لإبراز القوة في بلاد المشرق من جهة أخرى، بحسب المحللين.

وبالرغم من تأكيد المحللين أن إسرائيل عازمة على تجنب الحرب، إلا أنه في الوقت نفسه يمكننا أن نجد أن أفعالها تظهر أنها مستعدة لقبول خطر التصعيد لمواجهة هذه التهديدات الإيرانية في أي وقت، مستشهدين بما حدث من قبل؛ فمنذ عام 2013، نفذت إسرائيل أكثر من 130 ضربة في سوريا ضد شحنات من الأسلحة الموجهة لحزب الله، ومنذ أواخر عام 2017، عملت إسرائيل أيضًا على استهداف المنشآت العسكرية الإيرانية في سوريا.

«الإيكونومست»: حربٌ محتملة أحدها.. أهم مخاطر عدم تشكيل حكومة لبنانية في 2019

إسرائيل «تلعب على المكشوف»

يبدو أن الوقت قد حان لتطبيق المقولة الشهيرة «اللعب على المكشوف»؛ فقد بدأ كل طرف في التكشير عن أنيابه للأطراف الأخرى المختلفة، وذلك في إشارات واضحة إلى احتمالات اندلاع الحرب قريبًا.

السر الأبرز في اللحظة الحالية هو ذلك الذي أعلنه رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، جادي إيزنكوت، في أيامه الأخيرة في منصبه؛ حين صرح لأول مرة أن إسرائيل دعمت فصائل المعارضة السورية بالتسليح المباشر، وذلك من أجل محاربة بشَّار الاسد ونظامه، خاصةً في منطقة الجولان. ليس هذا فقط، بل أعلن قائد الجيش نفسه عن لقائه بكبار رجال المعارضة المسلحة وقادة العمليات المسلحة في الداخل السوري.

تصريحات قائد جيش الدفاع الإسرائيلي تأتي في سياق توجيه رسالة قوية وتهديدية إلى نظام الأسد، وإلى إيران وحلفائها المختلفين؛ سواء حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني أو غيرهم، وذلك في إطار تطبيق خطة «اللعب على المكشوف» كما ذكرنا.

الجدير بالذكر أن إسرائيل ظلت لسنوات تؤكد أنها ملتزمة بسياستها في المنطقة، والتي تعتمد بالأساس على عدم التدخل في الشؤون المحلية المتعلقة بدول الإقليم، إلا أن الأيام القليلة للجنرال الإسرائيلي في منصبه منحته بعض الشجاعة للإعلان عن هذا السر؛ أو لعله لم يقصد الإعلان عنه من الأساس.

«داعش» وإسرائيل.. أعداء في العلن و«أشباه حلفاء» في السر 

ولطالما أصرت إسرائيل أنها لم تقدم أية مساعدات لأي أطراف في سوريا إلا المساعدات الإنسانية التي قدمتها للمدنيين؛ وذلك من خلال المستشفيات الميدانية التي تم إنشاؤها في مرتفعات الجولان، أو من خلال مرافق الرعاية الصحية الدائمة في شمال إسرائيل، مع نفيها تقديم أي نوع آخر من المساعدات للمدنيين أو حتى غيرهم، وهو ما يعني أن الجانب الإسرائيلي كذب على الرأي العام في بلاده.

وعن هذا الأمر، وصف الكاتب والمحلل في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، دانيال ليفي، أن تصريح رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، كان خطأً فادحًا.

Embed from Getty Images

كيف حاربت إسرائيل نظام الأسد على مدار 6 سنوات؟

ربما كان إعلان إسرائيل أنها كانت أحد مصادر التسليح للمعارضة السورية مفاجئًا للكثيرين، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لمن يتابعون الساحة السورية عن كثب منذ سنوات، فقد أثيرت الشكوك حول علاقة إسرائيل بالمعارضة المسلحة منذ فترة.

وقد ظهرت أولى التقارير بهذا الشأن في نهاية عام 2014، والتي جاء فيها أن مسؤولي الأمم المتحدة شاهدوا المتمردين السوريين ينقلون المرضى المصابين إلى إسرائيل، بالإضافة إلى تسليم صندوقين من جانب جنود الجيش الإسرائيلي لأعضاء المعارضة السورية المسلحة. كما ذكر نفس التقرير أن مراقبي الأمم المتحدة قالوا إنهم شاهدوا جنديين إسرائيليين على الجانب الشرقي من السياج الحدودي يسمحان بدخول شخصين إلى إسرائيل.

الورقة الرابحة.. كيف استغل بشار الأسد وإسرائيل قضية يهود سوريا بعد الثورة؟

منذ ذلك الحين، تدفقت بانتظام تقارير مماثلة ومفصلة عن اتصالات إسرائيلية مع المعارضين السوريين، وجاء في أحد التقارير، في فبراير (شباط) 2014، أن لواء «فرسان الجولان» وفرقة «أحرار نوى» استفادتا من الدعم الإسرائيلي، عبر شخص يدعى إياد مورو من منطقة بيت جن، وهو الشخص الذي مثَّل حركة الوصل بين المعارضة السورية المسلحة والجيش الإسرائيلي في هذا الوقت، بحسب ما أشارت إليه صحيفة هآرتس الإسرائيلية، مشيرةً إلى أن الدعم كان عبارة عن أسلحة وذخائر ونقود.

استمرت التقارير عامًا بعد الآخر، إلى أن جاء رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي ليعلن الخبر ويؤكد الشكوك. وفي تقرير أصدرته الأمم المتحدة أيضًا خلال عام 2017، ذكر التقرير أن أفرادًا من جيش الدفاع الإسرائيلي قاموا بتمرير إمدادات عبر الحدود الإسرائيلية السورية إلى عدد من المسلحين المجهولين الذين اقتربوا من الحدود الإسرائيلية بقوافل من البغال، إلا أن التقرير أكد عدم قدرته على تفسير وجود أسلحة مع هؤلاء الأفراد المجهولين، خاصةً أن إسرائيل أعلنت حينها أن ما حدث كان في سياق الدعم الإنساني للمدنيين.

أمَّا صحيفة «فورين بوليسي» فكانت قد نشرت في عام 2018 أن إسرائيل تدعم المعارضة المسلحة السورية؛ مشيرةً إلى أن الدعم جاء في صورة بنادق ومدافع رشاشة، وقذائف هاون، وسيارات نقل. هذا وقد ذكرت الصحيفة أن هذه الأسلحة تم تسليمها للمعارضة السورية من خلال ثلاث بوابات على الحدود بين مرتفعات الجولان وسوريا، وهي نفس البوابات والمعابر التي تستخدمها إسرائيل لنقل المساعدات الإنسانية لسكان جنوب سوريا الذين يعانون من الحرب منذ سنواتٍ طويلةٍ، مشيرةً إلى أنه من المحتمل أن تكون تدعيمات إسرائيل للمعارضة السورية قد بدأت منذ عام 2013.

Embed from Getty Images

إسرائيل تهدد باغتيال الأسد

يبدو أن الصراع الإسرائيلي الإيراني حول نفوذ الأخيرة في سوريا بدأ يظهر للعلن منذ الأسبوع الماضي. حيث ظهرت بعض إرهاصاتها من قصف استهدف مناطق في العاصمة دمشق، إلى تهديد واضحة ومباشرة إلى الأسد ونظامه.

مسلسل التصريحات استمر؛ إذ هدد وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتس، بوضع الرئيس السوري بشار الأسد، على قائمة الخطر، في تلميح باغتياله، وذلك في حال استمرت التسهيلات التي يقدمها الأسد ونظامه للإيرانيين، من أجل تمركزهم وتحركهم في سوريا.

صحيفة «يديعوت أحرنوت» نشرت تصريحات شتاينتس، والتي جاء فيها أنه «في حال تنفيذ القوات الإيرانية هجمات على إسرائيل من سوريا، فسيجد الأسد نفسه ونظامه في دائرة الخطر»، مؤكدًا على أنه «من غير المقبول أن توجه إيران هجمات على إسرائيل بينما يجلس الأسد بهدوء في قصره».

Embed from Getty Images

وزير الطاقة الإسرائيلي شتاينتس

وقد ألمح شتاينتس إلى أن التصريح العلني من إسرائيل بالقيام بهذه الهجمات سيشعل جدلًا في إيران حول جدوى الثمن الذي ستدفعه.

من ناحية أخرى، وبحسب تقييم سنوي حول التحديات الأمنية، يجريه «المعهد الوطني للدراسات الأمنية» في إسرائيل؛ فقد تواجه إسرائيل حروبًا مختلفة في المنطقة، وذلك من ثلاث مناطق حدودية رئيسية؛ هي غزة ولبنان وسوريا، وهي جبهات متقلبة ومختلفة؛ وبالرغم من المناوشات المستمرة على مدار فترات طويلة، إلا أن احتمالات التصعيد العسكري تبقى قائمة دائمًا، وهي ما قد تؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة تضر الجميع.

المعهد أشار إلى أنه حال تم التصعيد العسكري ضد إسرائيل في سوريا؛ فإن على تل أبيب أن تستلزم استنفار كافة قطاعات الجيش الإسرائيلي؛ حيث سيواجه قوات عسكرية على طول الحدود الشمالية، مكونة من قوات النظام السوري، وحزب الله، وميليشيات إيرانية، وهو ما أطلقوا عليها لقب «حرب الحدود الشمالية»، والتي اعتبرها المعهد أخطر التحديات التي قد تواجهه إسرائيل خلال العام الجديد 2019.

وبحسب المعهد فعلى الرغم من الضربات التي وجهتها إسرائيل إلى إيران في سوريا، إلا أنها ترفض مغادرة البلد؛ وذلك في الوقت الذي تضاءلت حرية العمليات الإسرائيلية منذ أن بدأت روسيا بتسليح النظام، إثر استعادة قواته مناطق واسعة من سوريا.

وبعد انتعاشة النظام السوري بقيادة بشَّار الأسد في الآونة الأخيرة، قررت إيران صب تركيزها على العراق ولبنان أكثر من سوريا، فضلًا عن دعمها لحزب الله الذي لم يتراجع؛ بل تم دعم دفاعاته الجوية، بالإضافة إلى تزويده بصواريخ بعيدة المدى، وذلك بحسب المعهد الإسرائيلي.

«فورين بوليسي»: الحرب السورية انتهت لصالح الأسد.. لأي مدى خسرت أمريكا؟

هل بدأت الحرب إذًا؟

وفي مقطع مُصوَّر، نشره «المعهد الوطني لدراسات الأمن القومي الإسرائيلي»، أمس الأول، حول آراء المحللين والخبراء الإسرائيليين حول الحرب الإسرائيلية في سوريا في الوقت الحالي؛ ذكرت إحدى المحللات أن العائق الأكبر أمام إسرائيل في سوريا في الوقت الحالي هو روسيا، وليس نظام الأسد؛ إذ قالت إن روسيا لن ترحل من سوريا في الوقت الحالي، وستبقى مدافعة عن الوجود الإيراني في سوريا حتى لو كلفها ذلك الكثير من الأموال، والوقت.

بينما يرى آخرون أن إيران مستعدة لفعل أي شيء لتجنب الحرب مع إسرائيل في سوريا؛ مشيرًا إلى أن إيران ليست مستعدة لمواجهة تل أبيب على الأراضي السورية، مؤكدًا أن هذا هو الوضع خلال هذه الأيام، ولكن في الوقت نفسه يرى أنه عندما تستعد إيران، وتختار الوقت المناسب، والخطة والاستراتيجية المناسبة للحرب، ستبدأ الحرب فورًا بكل تأكيد.

وتذهب آراء أخرى إلى أن إيران الآن تستعد للحرب بأسلحتها النووية؛ مشيرًا إلى أنها بدأت في ذلك في الوقت الذي انشغل فيه العالم والمجتمع الدولي بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003. وقد أوضح أحد خبراء المعهد أنه برغم الاتفاق النووي الإيراني الذي جرى توقيعه قبل بضعة أعوام، والذي قام ترامب بإلغائه منذ بضعة أشهر، أودى إلى وقف بعض العمل «ظاهريًا» في البرنامج النووي الإيراني، إلا أن طهران قد أخفت العديد من مواقع العمل على برنامجها الإيراني عن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما قد تستخدمه في وقتٍ قريب ضد إسرائيل، وخاصةً من سوريا.

الجدير بالذكر أن كل هذا يأتي في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قبل نحو شهر، أنه يستعد للانسحاب بقواته الأمريكية من سوريا، وهو ما لم يعجب إسرائيل بالطبع، خاصةً أن الداخل السوري سيكون تحت تحكم نظام الأسد وحلفاءه، وعلى رأسهم إيران، العدو الأول لإسرائيل.

«نيويورك تايمز»: تعرَّف إلى المستفيدين والمتضررين من الانسحاب الأمريكي في سوريا

المصادر

تحميل المزيد