يبدو أن العلاقات التركية الإسرائيلية قد تعود قريبًا، بشكلها القديم الطبيعي، بعد ست سنوات من الانقطاع، مع امتثال إسرائيل لبعض الشروط التركية، وسط وجود مواطن اختلاف، لم تُحسم بشكل نهائي بعد، ولكن المصالح المشتركة، بين البلدين، قد تحسم الأمر في النهاية.

بداية الانقطاع وجهود التطبيع

بدأت القصة في يوم 31 مايو (أيار) من عام 2010، عندما كانت سفينة «مافي مرمرة» التركية مُتجهة إلى قطاع غزة، لفك حصاره الطويل، من قبل السلطات المحتلة، من خلال تزويده بمساعدات إنسانية، قبل أن تعترض البحرية الإسرائيلية السفينة، في المياه الدولية، ثم يعتليها عدد من القوات الخاصة، من الجيش الإسرائيلي، ليقتلوا 10أشخاص، بينهم تسعة أتراك. مما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تمامًا، مع الإبقاء على العلاقات التجارية المدنية بينهما، وعلى اتفاقية «التجارة الحرة» أيضًا.

وخلال سنوات الانقطاع، استمرت جهود التطبيع بين البلدين، والتي كانت في كثير من الأحيان برعاية أمريكا، الساعية دائمًا لرأب الصدع، بين اثنين من أهم حلفائها في الشرق الأوسط. وفي عام 2011، اتفق الطرفان على وضع شروط أساسية، لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، وفي عام 2013، امتثل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لأحد هذه الشروط، عندما اعتذر عمّا وصفها بـ«أخطاء عملياتية»، عند اقتحام الجنود الإسرائيليين للسفينة، ما أدى لخسائر في الأرواح التركية.

كما أعلنت إسرائيل استعدادها لدفع تعويض، تبلغ قيمته 20 مليون دولار، لعائلات الضحايا، في مقابل سحب ذوي الضحايا الدعاوى القضائية، المرفوعة ضد الضباط والموظفين الإسرائيليين، في المحاكم التركية والدولية، بسبب مقتل ذويهم. واتفق الطرفان على ذلك.

وفي 19 مارس (آذار) الماضي، ضرب إسطنبول تفجير دموي، أدى لمقتل ثلاثة سائحين إسرائيليين، من بين ضحايا آخرين، فانفك الجمود الدبلوماسي نسبيًا، عقب التفجير، بين الطرفين، فأرسل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه آنذاك، أحمد داود أوغلو، رسائل تعزية للجانب الإسرائيلي، الذي أشاد بطريقة إخلاء تركيا للضحايا الإسرائيليين. كما اتصل الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، بنظيره التركي أردوغان، في أول محادثة هاتفية رئاسية بين البلدين، منذ ست سنوات.

وخلال الشهور الأخيرة، عقد الجانبان اجتماعات، لبحث سبل إعادة العلاقات بينهما لسابقها، وقبل يوم من الذكرى السادسة للهجوم الإسرائيلي، على السفينة التركية، أبلغ نتنياهو وفدًا من الكونجرس الأمريكي، في 30 مايو (أيار) الماضي، إن المصالحة الإسرائيلية مع تركيا «باتت قريبة جدًا». وبعد ذلك التصريح بأسبوع، قال وزير الخارجية التركي، مولود أوغلو، في السابع من يونيو (حزيران) الجاري، إن تركيا «يفصلها اجتماع أو اثنين للتطبيع مع إسرائيل».

ما هي الشروط التركية؟ وما الذي طبقته إسرائيل منها؟

وضعت تركيا عددًا من الشروط الأساسية، أمام إسرائيل للتطبيع معها، وتتمحور هذه الشروط بشكل أساسي حول: اعتذار إسرائيل على مهاجمة السفينة التركية، ودفع تعويضات لأهالي الضحايا، ورفع الحصار على قطاع غزة، حتى تعود العلاقات الإسرائيلية التركية كما كانت عليه، قبل الهجوم الإسرائيلي على «مافي مرمرة».

وبالفعل نفذت إسرائيل الشرط الأول، وتعهدت بتنفيذ الشرط الثاني، ولكن الشرط الثالث، والمتمثل في رفع الحصار عن قطاع غزة، لم تعلن إسرائيل تنفيذه بشكل رسمي، بل وأبدت اعتراضها عليه، باعتبار أن مئات الشاحنات، المحملة بالمواد الغذائية والدواء، والمواد اللازمة لإعادة الإعمار، تعبر يوميًا من إسرائيل إلى قطاع غزة، من وجهة النظر الإسرائيلية. وفي المقابل، تؤكد أنقرة ضرورة السماح بتنفيذ مشاريع للإسكان، والبنية التحتية والكهرباء، في القطاع.

وتجدر الإشارة إلى وصول الهلال الأحمر التركي، إلى قطاع غزة، عبر معبر بيت حانون «إيريز»، يوم الأربعاء الماضي، في زيارة تستغرق يومين، تستهدف توزيع 17 ألف طرد غذائي، لمئات الأسر بالقطاع المحاصر، ومساعدات نقدية لـ 500 أسرة هناك. وذكر رئيس منظمة الهلال الأحمر التركي، أن قيمة مساعدات المنظمة، المقدمة لفلسطين هذا العام، تبلغ 12 مليون دولار أمريكي.

هل تعوق حماس ومصر «التطبيع» التركي الإسرائيلي؟

أحد أبرز مواطن الخلاف، بين إسرائيل وتركيا، يتمثل في حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، المصنفة على رأس قوائم «الإرهاب» الإسرائيلية، والمالكة لمكتب سياسي في مدينة إسطنبول التركية، بضوء أخضر وإذن تركي، وقد ضغطت تل أبيب على أنقرة لغلق مكتب حماس، إلا أن ضغوطها واجهت جدارًا تركيًا صلدًا، حتى الآن. في الوقت الذي أفادت فيه دراسة لمعهد واشنطن للشرق الأوسط، بأن العمل في المكتب الحمساوي التركي لا يزال جاريًا، ولا يزال صالح عاروري، مدير المكتب هناك، يتردد على تركيا، ولم يتركها بشكل تام.

وقد حسم مولود أوغلو، وزير الخارجية التركي، هذا الأمر، عندما قال في مؤتمر صحافي، جمعه مع نظيره القبرصي الشمالي، يوم الأربعاء الماضي، إن تركيا لا تقبل بشرط قطع العلاقات مع «حماس»، من أي طرف كان، مُضيفًا: «علاقتنا معها غير قابلة للنقاش». ولفت إلى علانية الاجتماعات التي تجريها تركيا مع «حماس»، وعلم إسرائيل بها، وقال أوغلو إن العلاقة مع حماس «لا تُمثل عائقًا» في وجه تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مُشددًا على أن رفع الحصار على غزة «شرط أساسي» لعودة العلاقات مع تل أبيب.

ويتمثل أحد أبرز مصادر الخلاف، بين أنقرة وتل أبيب، في نظرتيهما للنظام المصري، عقب بيان القوات المسلحة المصرية، في الثالث من يوليو (تموز) لعام 2013، إذ تعتبره أنقرة «انقلابًا عسكريًا»، مما أدى لتوترات دبلوماسية كبيرة مع القاهرة، في ظل رئاسة عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية، للبلاد، في الوقت الذي تتوطد فيه العلاقات «المصرية-الإسرائيلية»، بشكل كبير، لتظهر بشكل جلي في التنسيق الأمني بين البلدين، في محاربة الجماعات المسلحة في سيناء، وتضييق الخناق على قطاع غزة، وهدم الأنفاق.

ووصل التنسيق، بين القاهرة وتل أبيب، إلى «تساهل» إسرائيلي في بعض بنود معاهدة «كامب ديفيد» للسلام، لذلك ترفض القاهرة تطبيعًا بين تركيا وإسرائيل، لأنه قد يصب في مصلحة حركة حماس وتركيا، ولكن محللون يرون إن التطبيع التركي الإسرائيلي قد يُمهد لمصالحة، بين مصر وتركيا، في المستقبل.

المصالح المشتركة تحكم!

يجمع البلدان عدد من القضايا والملفات السياسية والاقتصادية، المعززة لفرص التطبيع بينهما، ومن أبرز تلك القضايا: نظرة البلدين العدائية تجاه إيران، فلا تزال المخاوف الإسرائيلية من إيران قائمة، وقد تبلورت بشكل واضح، مع رفض إسرائيل الاتفاق النووي الإيراني، العام الماضي، بالرغم من تأييد معظم دول العالم الكبرى له.

وفي السياق ذاته، ترفض أنقرة تصاعد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وتنتقد سياستها في المنطقة، واصفة إياها بـ«السياسية المذهبية»، وتختلف تركيا وإيران في رؤيتهما للأوضاع في سوريا واليمن والعراق، إذ تدعم إيران القوى الشيعية في تلك المناطق، على النقيض من تركيا.

أما الملف الاقتصادي، الذي يبدو أنه الأكثر تأثيرًا في العلاقات، بين أنقرة وتل أبيب، يتمثل جزء رئيس منه في «الغاز الطبيعي»، إذ تستخدم تركيا الغاز الروسي، لتوفير الجزء الأكبر من احتياجاتها، ولكن توتر علاقات روسيا وتركيا، بسبب إسقاط الأخيرة طائرة عسكرية للأولى، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، يُحتم على تركيا إيجاد بديل ملائم وآمن للغاز الطبيعي، لتنفك من قبضة الضغط الروسي في هذا الصدد.

وفي المقابل، تحتاج إسرائيل لكسب عقود طويلة الأجل، لتصدير الغاز المتوافر لديها، والاستفادة من تركيا باعتبارها مستوردًا له، وبوابةً لصادرتها من الطاقة إلى أوروبا. وفي هذا الصدد، أفادت وكالة «رويترز» إن إسرائيل وقبرص تمتلكان حوالي 3450 مليار متر مكعب من الغاز، في حقل «ليفياثان»، الكائن في شرق البحر المتوسط، والمتواجد في منطقة متنازع عليها، بين قبرص وإسرائيل ومصر، الحقل المتسبب في موجة من الاتهامات، للنظام المصري الحالي، بالتفريط في الحقوق المصرية هناك.

وتبلغ قيمة الاحتياطات المؤكدة فقط، في هذا الحقل، حوالي 700 مليار دولار، كما أفادت دراسة حديثة، لشركة استشارات فرنسية، بأن إسرائيل وحدها قد تمتلك ثلاثة أضعاف كمية الغاز، التي أظهرتها الدراسات الأولية، وتسعى إسرائيل لضمان تعويض تكلفة استخراج الغاز، من خلال تصديره لتركيا، البالغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، ويمثل الغاز الطبيعي العمود الفقري لاستهلاكها من الطاقة.

ويبدو أن المصالح المشتركة، بين أنقرة وتل أبيب، تفوق الخلافات بينهما، فوفقًا لصحف تركية وإسرائيلية ، فإن إسرائيل وافقت على الشروط التركية للمصالحة، بما في ذلك تخفيف الحصار على غزة، من خلال السماح بوصول جميع المساعدات التركية إلى القطاع، عبر ميناء أسدود الإسرائيلي، والسماح لتركيا ببناء مستشفى في القطاع، وإنشاء محطة لتحلية مياه البحر أيضًا، وبناء محطة لتوليد الكهرباء فيه، بمشاركة ألمانية.

وتفيد الصحف بأن وفدي البلدين سيجتمعان الأحد المُقبل، لإعلان الاتفاق، على أن يدخل حيز التنفيذ، ويُبرم رسميًا، مطلع يوليو (تموز) القادم، وإن صحت تلك التقارير الصحافية، فإن التطبيع التركي الإسرائيلي أصبح بالفعل مسألة «وقت» لا أكثر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد