تجاوزت صادرات أسلحة إسرائيل 7.5 مليار دولار في عام 2018، بحسب «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام». توجهت معظم الأسلحة الإسرائيلية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي استحوذت على 46% من إجمالي «الكعكة» الدفاعية، فيما ذهب 26% من الصادرات إلى أوروبا، و20% إلى أمريكا الشمالية، و6% إلى أمريكا الجنوبية، و2% إلى أفريقيا، وفق الأرقام التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية في 17 أبريل (نيسان) الماضي.

خلال الفترة ما بين 1954 حتى 2018، بلغ متوسط مبيعات الأسلحة الإسرائيلية 295 ألف و85 مليون دولار، فيما وصلت المبيعات إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق عام 2016 بواقع 1441 مليون دولار، بينما بلغت المبيعات أدنى مستوياتها بواقع 4 مليون دولار عام 1957 وفق بيانات «تريدينج إيكونوميكس».

المصدر: TRADING ECONOMICS / SIPRI

ورغم انخفاض إجمالي المبيعات من 9.2 مليار دولار في عام 2017، حين كانت إسرائيل خامس أكبر مورد للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا، إلا أن المتحدث باسم وزارة الدفاع وصف نشاط الأسلحة الإسرائيلية في عام 2018 بأنه كان «قويًا بشكل استثنائي».

وتفاخر ميشيل بن باروخ، رئيس إدارة التعاون الدولي بوزارة الدفاع، بـ«توقيع عشرات العقود مع دول مختلفة حول العالم خلال العام الماضي»، فيما تزود شركات الدفاع الإسرائيلية 130 دولة حول العالم بالأسلحة، وتشكل مبيعاتها الدفاعية 10% من صادرات إسرائيل الصناعية.

في العادة لا تعلن الحكومة الإسرائيلية عن تفاصيل عقود الأسلحة، لكن هذه المرة حرصت وزارة الدفاع على الترويج لأنظمة الدفاع الصاروخي والجوي التي شكلت 24% من مبيعات عام 2018، إلى جانب المركبات الجوية بدون طيار وأنظمة الطائرات بدون طيار التي كان نصيبها 15% من الصادرات، والرادارات وأنظمة الإنذار المبكر التي بلغت نسبتها 14%، والطائرات وإلكترونيات الطيران بواقع 14%، بالإضافة إلى الذخيرة والأنظمة البرية والبحرية والاستخباراتية والسيبرانية.

غرام الأفاعي.. ماذا نعرف عن العلاقات الروسية الإسرائيلية العسكرية؟

القانون الإسرائيلي.. بين الشعارات والتطبيق

في عالم الشعارات يشترط قانون صادرات الدفاع الإسرائيلية على مقاولي الدفاع التدقيق في ملابسات استخدام الأسلحة الإسرائيلية، من حيث الدوافع والمناطق؛ بهدف منع الشركات من بيع أسلحة إلى دول تنوي استخدامها لارتكاب فظائع. ورغم أن المقاولين الإسرائيليين ملزمون قانونيًا بأخذ انتهاكات حقوق الإنسان المحتملة في الاعتبار، إلا أن هذا الشرط يمكن التغاضي عنه لأسباب سياسية أو أمنية؛ ما يعني أنه غير موجود على أرض الواقع.

صحيحٌ أن القانون الإسرائيلي يمنع صراحة بيع الأسلحة إلى دول تخضع لحظر رسمي من «مجلس الأمن» التابع لـ«الأمم المتحدة»، لكن نادرًا ما يُطبِّق مقاولو الدفاع الإسرائيليون مثل هذا الحظر. ولا أدل على ذلك من أن «الأسلحة الإسرائيلية وصلت إلى مختلف دول العالم، والمنطقة الوحيدة التي لا تنشط فيها صناعة الدفاع الإسرائيلية، بتشجيع من الحكومة، هي الشرق الأوسط، خاصة بعد أن تدهورت علاقاتها مع تركيا»، على حد قول محرر تقرير «معهد ستوكهولم»، بيتر ويزيمان، لصحيفة «جلوبز».

الحقيقة أن القوانين الإسرائيلية بصيغتها الحالية لم تنجح في وقف تصدير الأسلحة إلى سريلانكا، التي ذبحت الكثير من مواطنيها، وإلى جنوب السودان، حيث ارتكب النظام والجيش عمليات تطهير عرقي وجرائم خطيرة ضد الإنسانية، مثل الاغتصاب الجماعي لمئات النساء والرجال والفتيات. وإلى ميانمار، حيث ارتكب الجيش إبادة جماعية، ورئيس الأركان الذي عقد صفقة الأسلحة مع إسرائيل متهم شخصيًا بارتكاب هذه المذابح وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، وإلى الفلبين حيث أعدم النظام والشرطة 15 ألف مدني دون أي تهم أو محاكمات.

تجنبًا للمراقبة الدولية، وتحايلا على القيود الإسرائيلية؛ تصل هذه الأسلحة إلى وجهتها بعد سلسلة من المعاملات المعقدة. لذلك تطالب المنظمات الحقوقية الدولية – التي لا تملك من الأمر شيئًا – الحكومة والكنيست ووزارة الدفاع، مراقبة صادرات الأسلحة بشكل أكثر صرامة، وتطبيق إرشادات الشفافية التي تعتمدها الدول الغربية الأخرى التي تنخرط في صادرات الأسلحة على نطاق واسع.

الشكاوى الحقوقية «تحت الحذاء الإسرائيلي»

لا تأبه إسرائيل بالشكاوى الحقوقية الدولية، التي تبنتها «الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية» في تقريرها حول «دور إسرائيل العالمي في القمع» خلال حقبة السبعينات، والتي تنتقد فيه تسليح إسرائيل للنظام العسكري الوحشي في الأرجنتين، الذي ظل يمارس إرهاب الدولة طيلة سبع سنوات، وتوفير إسرائيل الأسلحة التي استخدمها ديكتاتور نيكاراغوا أناستاسيو سوموزا في العام الأخير من حكمه الدكتاتوري لقمع الثورة، في صراعٍ أودى بحياة عشرات الآلاف من النيكاراغويين.

Embed from Getty Images

وحين أصدر الفرع الإسرائيلي لـ«منظمة العفو الدولية» تقريرًا باللغة العبرية مؤخرًا، ينتقد استمرار تصدير الأسلحة إلى الدول التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي، حتى أصبحت الأسلحة الإسرائيلية في أيدي الجيوش والمنظمات التي ترتكب جرائم حرب؛ أفرد له آموس هاريل مساحة كبيرة في صحيفة «هآرتس»، لكن كل الدلائل التي ساقتها المنظمة الدولية لم تقنع مسؤولي الدفاع الإسرائيليين الذين لا يعدمون التبريرات.

المفارقة أن صادرات الدفاع الإسرائيلية تتزايد باستمرار، بينما لا تهدأ الانتقادات الموجهة لبيع الأسلحة والخدمات العسكرية لمنتهكي حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم منذ عقود، بما في ذلك تسليح نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وتسليح رواندا أثناء الإبادة الجماعية عام 1994، وتسليح جنوب السودان في السنوات الأخيرة على الرغم من الحظر المفروض على مبيعات الأسلحة.

وفي الآونة الأخيرة اتُّهِمَت إسرائيل بتزويد ميانمار بـ«الأسلحة المتقدمة» التي استخدمت في حملة التطهير العرقي ضد مسلمي الروهنجيا. واعترفت وزارة الخارجية العام الماضي ببيع أسلحة ميانمار في الماضي، لكنها أعلنت تجميد جميع العقود في وقت مبكر من عام 2017، ليس لأسباب إنسانية، ولكن استجابة للضغوط الأمريكية.

يُلاحَظ بالرغم من كم الضغط الحقوقي، أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية على مدار العقدين الأخيرين اتجهت إلى ثماني دول تتهمها المؤسسات الدولية بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، هي جنوب السودان وميانمار والفلبين والكاميرون وأذربيجان وسريلانكا والمكسيك والإمارات العربية المتحدة. وبينما أنكرت إسرائيل في بعض هذه الحالات أنها صدرت أسلحة إلى هذه البلدان في الأوقات المذكورة على وجه التحديد، اكتفت في أحيان أخرى برفض إعطاء تفاصيل.

مبيعات الأسلحة الإسرائيلية.. بلا قيود قانونية أو ضوابط أخلاقية

لم يخجل رئيس الفلبين المثير للجدل رودريغو دوترتي، أن يبلغ نظيره الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في عام 2018 بأن مانيلا لن تشتري الأسلحة من الآن فصاعدًا إلا من تل أبيب؛ بسبب تحرر مبيعاتها من القيود، بعد أن رفضت الولايات المتحدة ودول أخرى تزويد النظام الفلبيني بالأسلحة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

ولأن أذربيجان تشترك في الحدود مع إيران – عدو إسرائيل اللدود – وهي أحد الدول القليلة ذات الأغلبية المسلمة التي تتمتع إسرائيل بعلاقة علنية دافئة مع تل أبيب، لا تأبه إسرائيل بالانتقادات الحقوقية الموجهة لتعاونها مع أذربيجان، ولا يُخفِي رئيس أذربيجان، إلهام علييف، تفاخره بشراء أسلحة وأنظمة دفاع من إسرائيل بمليارات الدولارات.

وكان الدفء الذي خيم مؤخرًا على العلاقات بين إسرائيل وتشاد مشروطا برغبة تل أبيب في بيع الأسلحة إلى الدولة الواقعة في وسط أفريقيا، وتلاحقها ثلاث تهم حقوقية رئيسة: الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن، وظروف السجن القاسية، والتمييز والعنف ضد النساء والأطفال.

Embed from Getty Images

وزير الدفاع الإسرائيلي خلال معرض هندي للأسلحة

وحين تحسنت علاقات الهند مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، كان للتعاون العسكري وتطوير الأسلحة النصيب الأوفى، فقد تبادل الجانبان عقود دفاع بمليارات الدولار. لكن الجانب الاقتصادي لم يكن هو الهدف الوحيد، وظهر ذلك جليًا بعدما استخدمت الهند القنابل الذكية الإسرائيلية في فبراير (شباط) لشن غارة جوية على الجهاديين الباكستانيين عبر حدود كشمير المضطربة؛ ما أدى إلى تصاعد التوترات بين الخصمين النوويين.

وبموازاة اصطياد إسرائيل في المياه العكرة بتحريض نيودلهي على إسلام أباد، ارتفعت صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند في الفترة ما بين 2014 و2018، وسلمت إسرائيل منظومة الدفاع الجوي «باراك-8» (المحمولة على السفن) إلى الهند في عام 2016. وتلقت طلبًا في عام 2009 لتوريد النسخة البرية من المنظومة الدفاعية، على أن يبدأ التسليم في عام 2020.

الدعم في المنتديات الدولية مقابل مبيعات الأسلحة

أزعج هذا السلوك الإسرائيليين أنفسهم؛ ما دفع المحامي الحقوقي إيتاي ماك، الذي ناضل في السنوات الأخيرة لفضح صفقات الأسلحة الإسرائيلية المشبوهة، إلى تقديم مجموعة التماسات إلى المحاكم في محاولة لوقف المبيعات العسكرية الإسرائيلية للأنظمة التي ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لكن ماذا يفعل ماك، ولا يؤيد مسعاه سوى قلة من المشرعين والناشطين الإسرائيليين؟

Embed from Getty Images

ولأنه لا صوت يعلو فوق صوت الأموال، حاول ماك إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن حوالي 4% فقط من صادرات الأسلحة الإسرائيلية تباع إلى دول في أفريقيا وإلى أنظمة مارقة، كما أن البنادق الآلية منخفضة التقنية والأسلحة البسيطة الأخرى التي تبيعها إسرائيل لديكتاتوريات العالم الثالث لا تجلب أرباحا باهظة.

ولأن هذه الدول في الغالب فقيرة، ونطاق صادرات الدفاع إليها صغير مقارنة بباقي صادرات إسرائيل؛ فإن وقف الصادرات إليها لن يؤثر على أرباح متعاقدي الدفاع الإسرائيليين بشكل كبير، وبالتأكيد لن يكون له تأثير عام على إجمالي الصادرات الإسرائيلية، وبالتالي «لا يوجد مبرر – اقتصادي أو دبلوماسي أو أمني أو استراتيجي – لتصدير الأسلحة إلى هذه البلدان»، كما ترى «منظمة العفو الدولية».

لكن برغم أن العواقب المالية المترتبة على التخلي عن هذه المبيعات ضئيلة للغاية، تصر إسرائيل على هذه المبيعات. ويمكن إرجاع ذلك جزئيًا إلى أن إسرائيل تبيع هذه الأسلحة من أجل شراء الأصوات في «الأمم المتحدة». فمنذ بدأ مصدرو الدفاع الإسرائيليون التسويق الخارجي للأسلحة في التسعينات، استخدمت تل أبيب سلطتها لتفضيل الدول التي تخدم مصالحها.

بيدَ أن مبيعات الأسلحة لا تضمن لإسرائيل دائمًا الدعم في المنتديات الدولية، وأكبر ثلاثة مستوردين للمعدات العسكرية الإسرائيلية خلال فترة 2014 – 2018، الهند وفيتنام وأذربيجان، لا يجدون غضاضة في التصويت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، في بعض الأحيان.

الجيش الإسرائيلي بدون الدعم الأمريكي «قذيفة فارغة»

في البدء كانت «الصناعة العسكرية الإسرائيلية تعتمد غالبًا على المدخلات التكنولوجية الأمريكية، لذلك تمنع الولايات المتحدة إسرائيل من تصنيع أسلحة ثقيلة أساسية، مثل الطائرات المقاتلة، من أجل استمرار سيطرتها على تل أبيب»، كما يقول الباحث ماكس عجل، المرشح لنيل درجة الدكتوراة من «جامعة كورنيل». وفي المقابل، كانت إسرائيل على الدوام تتولى تنفيذ الأعمال القذرة التي لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل مسؤوليتها علنًا.

Embed from Getty Images

بحلول العقد الأول من الألفية الثانية، أصبح المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي يمتلك صناعة قادرة على المنافسة عالميًا في مجال الأسلحة الصغيرة وتكنولوجيا الأمن المتقدمة، بحسب آنا باديلو، وهي محللة الأبحاث في «كنديون للعدالة والسلام في الشرق الأوسط» ومقرها مونتريال – كيبيك، وناشطة في مجال العدالة الاجتماعية ومدافعة عن حقوق الإنسان ينصب تركيزها على الشؤون الفلسطينية – الإسرائيلية والقانون الدولي.

بيد أن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة لا يقتصر على المساعدات المالية ومبيعات الأسلحة، بل توفر الولايات المتحدة أيضًا تقنيات متقدمة لتطوير أنظمة أسلحة فريدة من نوعها تحتاجها إسرائيل، مثل منظومة القبة الحديدية ونظام السهم الدفاعي المضاد للصواريخ الباليستية، كما تدير واشنطن الرادار المنتشر في إسرائيل، نظرا لارتباطه بالأقمار الصناعية الأمريكية.

حتى أن تشارلز دي فريليتش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، يقول: «ببساطة لا يوجد بديل للأسلحة الأمريكية، واعتمادنا على الولايات المتحدة يكاد يكون كاملًا. الحقيقة المرة هي أنه بدون الولايات المتحدة، سيكون جيش الدفاع الإسرائيلي مثال القذيفة الفارغة».

انفوجراف: نصفهم عرب.. أكثر 10 مستوردين للسلاح في العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد