بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» يوقع صفقاته مع موقعي «فيسبوك» و«يوتيوب»، لحذف عشرات الصفحات الفلسطينية، بهدف «إيقاف التحريض»، تفجرت موجة جديدة من العمليات الفردية لانتفاضة القدس، لتستمر بذلك سلسلة عمليات إطلاق النار والطعن؛ انتقامًا مما ينظر إليه بوصفه انتهاكات إسرائيلية بحق الفلسطينيين.

هذه الانتفاضة التي أشعل شرارتها الأولى الشاب المقدسي مهند الحلبي، عندما أراد الانتقام لعائلة دوابشة، والفتى أبو خضير، الذين أُحرقوا على أيدي المستوطنين، وانطلقت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2015، أسقطت كافة المسوغات التي راهنت على إفشالها، فالانتفاضة في صورتها الفردية لم تنقطع، لذلك كانت هذه الموجة الجديدة من العمليات الفدائية التي شهدتها القدس والضفة الغربية في الأيام الأخيرة الماضية.

«بعد تنظيمي» قد يقود إلى انتفاضة شاملة

توسعت دائرة العمليات الفدائية ضد الإسرائيليين، وأخذت تشمل اقتحام مستوطنات وخلايا منظمة، وكذلك اشترك أكثر من فلسطيني في عملية واحدة. هذه التطورات تؤكد أن ما يحدث من عمليات طعن، ليس له علاقة بالبعد الاجتماعي أو السيكولوجي أو الاقتصادي، أو كما يقول لنا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر-غزة، ناجي شراب: «لا يمكن تفسير عمليات الطعن بأنها ناتجة عن حالة يأس أو إحباط للشباب، خاصةً أن الشهداء لم يعانوا من هذه الأمور، وكانوا مثالًا للنماذج الناجحة في المجتمع».

ويؤكد شراب أن ارتفاع وتيرة العمليات، هو ردة فعل تلقائية وطبيعة لما تقوم به إسرائيل من عمليات إعدام، وعمليات تصعيد وإهانة للفلسطينيين، مشيرًا إلى بُعدٍ آخر يسميه «البعد التنظيمي»، بمعنى أن هناك دورًا لبعض التنظيمات لجعل هذه العمليات أكثر دقةً، وأكثر إعدادًا، لذلك يتوقع شراب أنه في حالة استمرار هذه العمليات بنفس الوتيرة، قد تتحول إلى مواجهة شاملة يغلب عليها البعد العسكري قبل نهاية العام، خاصةً أن الوضع السياسي والاقتصادي الفلسطيني قد يدفع نحو السير إلى هذه الانتفاضة الثالثة، وهذا ما يتوقعه الإسرائيليون أيضًا، حسب شراب.

ويشدد شراب خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، على أن الاستسلام سمة لا يمكن أن تلصق بالفلسطينيين، فالشخصية الفلسطينية تقوم على رفض الاحتلال، مضيفًا: «هناك علاقة مباشرة بين ارتفاع وتيرة التصعيد التي تقوم بها إسرائيل من إعدامات وعنف واعتقال، وبين ما يحدث الآن. هناك علاقة طردية، هذه المرة هناك بعد تنظيم يقف وراء هذه العمليات، هذا البعد قد يقود إلى انتفاضةٍ شاملةٍ».

شكل انتفاضي أعم وأشمل بسبب ظروف الضفة الغربية

تعيش الضفة الغربية ظروفًا اقتصاديةً صعبةً، وحالة جمودٍ سياسي، شجعت المزيد من الشباب الفلسطيني على القيام بعمليات فدائية، فالسلطة الفلسطينية، التي فَرض عليها التنسيق الأمني مع الاحتلال، أن يحذر ضباطٌ تابعون لها الإسرائيليين من تجدد موجة العمليات، والتي تعجز حتى الآن عن إجراء انتخابات البلدية -كان من المفترض أن تجرى في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي- يرى البعض أنها تتحمل أيضًا مسئولية دفع الشباب الفلسطيني الفاقد للأفق السياسي لمواجهة الاحتلال.

يقول الكاتب الصحفي ساري عرابي: «تستمر انتفاضة القدس في حلقة من سلسلة ممتدة، منذ يونيو (حزيران) عام 2014، أي منذ أسر المستوطنين الثلاثة وحرق الطفل محمد أبو خضير، واتخذت شكلًا متصاعدًا منذ عام، أي منذ عملية «إيتمار» التي وقعت شرق نابلس».

ويرى عرابي أنه نتيجة الظروف الصعبة التي تعاني منها الضفة الغربية، وانتفاء الشروط الموضوعية التي تسمح بشكل انتفاضي أعم وأشمل وأوسع وأقوى، كان مقدرًا لهذه السلسلة أن تستمر على شكل حلقات وفراغات، ويكون ما بين كل حلقة فعل، وأخرى حلقة فارغة، ويضيف خلال حديث لـ«ساسة بوست»: «هذا يذكرنا بالمرحلة النضالية التي وقعت ما بين توقيع اتفاق أوسلو، والانتفاضة الثانية، حيث اتسمت تلك المرحلة بنمط متقطع من العمليات العسكرية، ولكن الفرق الآن في كون عمليات الطعن ما تزال فرديةً وغير تنظيمية، وهو أمر خطير، يشير إلى استمرار عجز فصائل المقاومة عن النهوض واغتنام اللحظة».

استمرار انتهاكات الاحتلال

عجلت قوات الاحتلال بفرض المزيد من القيود على المقدسيين، ومنعت دخول المصلين من الشباب للمسجد الأقصى، وقررت نشر قناصة في أرجاء القدس، إلى جانب تدشين بوابات الفحص الإلكتروني، كما زرعت آلاف الكاميرات لمواجهة العمليات الفدائية، وأيضًا دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة في محيط البلدة القديمة بالقدس.

يؤكد الصحفي والكاتب السياسي المقيم بمدينة الناصرة «برهوم جرايسي» أن حركة الجماهير الفلسطينية لا يستطيع أحد أن يسيطر عليها، ويضيف جرايسي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «الاحتلال الإسرائيلي يوهم نفسه أنه بالإمكان إسكات شعب كامل واقع تحت الاحتلال، والشعب وإن بدا في بعض الأحيان في حالة سبات فهذه الحالة لا تستمر، لذلك نحن أمام ردة فعل طبيعية لشعب تحت الاحتلال، وقد لا تقتصر على عمليات الطعن، أو تفجير، هناك سلسلة من الأشكال».

ويعتبر جرايسي أن التفسيرات الإسرائيلية، التي تقود إلى اتجاه واحد، وهو أن الاحتلال ليس المسبب لهذه العمليات، وإنما الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون، تدلل على أن الاحتلال لا يعترف بأثر ما يرتكبه من انتهاكات بحق الفلسطينيين.

وفي تعقيبه على جدوى مواجهة مواقع التواصل الاجتماعي من قبل إسرائيل، قال جرايسي: «عند النظر إلى الجوهر نقول إن الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية استعمارية، خلقت مصطلح اللاسامية، وهو بدعة صهيونية موجهة ضد كل من ينتقد سياسة إسرائيل الدموية، من ينتقد الإرهاب الإسرائيلي فهو لا سامي. نحن لا نستغرب من تجاوب مسؤولي شبكات التواصل مع الاحتلال، وهو أمر لا جدوى منه، والدليل تجدد موجة العمليات».

إسرائيل على موعد «مع الأسوأ»

توهمت إسرائيل أن الهدوء الذي شهدته الضفة الغربية خلال الأسابيع الماضية، ناجم عن رضوخ الفلسطينيين لما فرضته عليهم من إجراءات، ضمن خطتها لمواجهة انتفاضة القدس، أو لنجاح التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.

ورغم أن قراءات المحللين والساسة في إسرائيل، لم تستبعد انفجار موجة جديدة من عمليات المقاومة الفردية، إلا أنها تفاجأت بالتصعيد من قبل الشباب الفلسطيني، حتى وصل الأمر لحد إقدام شابين أردنيين بتنفيذ عمليتي طعن، إحداهما في القدس المحتلة، والأخرى في منطقة «غور الأردن».

يؤكد معلق الشؤون الاستخبارية «يوسي ميلمان» أن تفجر موجة العمليات دليل على «أنه لا يمكن إجبار الفلسطينيين على التعايش مع الاحتلال وقبوله»، ويشير ميلمان في مقاله المنشور بصحيفة «معاريف» العبرية إلى أن: «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تخشى أن تكون إسرائيل على موعد مع الأسوأ في المستقبل.« ويوضح الخبير الأمني ميلمان أن تجدد موجة العمليات الفلسطينية، يمنح الإسرائيليين تقديرًا بأن تصاعدها الإضافي بات شبه مؤكد في الفترة القريبة القادمة، قائلًا: «تجدد هذه العمليات يذكر إسرائيل بأن موجة الهجمات الفلسطينية لم تذهب بعيدًا، وإنما فقط تقوم بتغيير شكلها بين حينٍ وآخر، لا سيما في ظل السياسة الاستيطانية، والضائقة الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون، رغم نشر الجيش ما يقرب من 40% من قواته في الضفة الغربية، وهو بصدد زيادة إضافية لقواته، وسيغلق المعابر الحدودية بين إسرائيل والفلسطينيين».

من جانبه، يرى  الخبير العسكري «يوآف ليمور» أن الوضع الأمني في الضفة الغربية مرشح للتصعيد في الفترة القريبة القادمة، رغم ما أسماه نجاح الجيش الإسرائيلي في لجم موجة الهجمات الفلسطينية في الفترة الأخيرة، ويعزي ليمور في صحيفة «إسرائيل اليوم» اندلاع موجة التصعيد الجديدة إلى عدة أسباب، منها «الانتخابات المحلية في الأراضي الفلسطينية، أو الخطاب المتوقع إلقاؤه من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الأمم المتحدة، والأهم الزيادة المتوقعة في أعداد المستوطنين اليهود الذين سيزورون الحرم القدسي خلال فترة الأعياد اليهودية».

وتابع القول: «هناك شكوك كثيرة تحيط بآمال توقف موجة العمليات الفلسطينية، لأن أسباب اندلاعها لم تتغير، خاصةً الظروف الاقتصادية الصعبة لسكان الضفة الغربية، والجمود السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتحريض المتواصل في الشارع الفلسطيني. ومع اقتراب الأعياد اليهودية تزداد الفرص في تصعيد أمني لا تريده إسرائيل والسلطة الفلسطينية معًا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد