بدأت إسرائيل في السنوات الأخيرة حملة سياسية واقتصادية لتوسيع نفوذها داخل أفريقيا بشكل أوسع من السابق. وقد سعت إسرائيل من خلال الحملة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بعنوان «إسرائيل تعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلى إسرائيل» لإقامة مؤتمر قمّة بين أفريقيا وإسرائيل في دولة توجو سنة 2017؛ لكن هذه المساعي فشلت بسبب اعتراض بلدان أفريقية عليها. لكن رغم فشل هذه القمّة فإن الاختراق الإسرائيلي للساحة الأفريقية قد قطع أشواطًا عملاقة منذ تأسيسها. 

ولعل حضور 12 دولة أفريقية حفل افتتاح السفارة الأمريكية لدى إسرائيل في القدس، دلالة على حجم قوّة النفوذ الإسرائيلي في القارة السمراء، الذي بدأ ينمو بهدوء منذ خمسينات القرن الماضي؛ إشارًة على تراجع القضية الفلسطينية في سلّم أولويات أفريقيا، التي كانت إلى وقت قريب حاضنة لحركات التحرّر، خصوصًا في خمسينات وستينات القرن الماضي.

جاء التحوّل الرئيسي للنظرة الإسرائيلية اتجاه أفريقيا بحسب الباحث المصري عبده فايد منذ مؤتمر باندونج لدول «عدم الانحياز» سنة 1955، والذي شارك فيه وفد فلسطيني، وخرج البيان الختامي للقمّة مُساند للقضية الفلسطينية.

منذ ذلك الحين بدأت إسرائيل إستراتيجية في استمالة الدول الأفريقية لصالحها، وذلك من خلال مشاريع تنموية ومساعدات تقنية في مجالات الزراعة والمياه وتطوير المناطق القاحلة، بالإضافة إلى مساعدات عسكرية وتدريب لقوّات عدّة بلدان أفريقية من بينها جنوب السودان، وتنزانيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، لكن هذه الإستراتيجية لم تكن لدوافع خيرية أو دبلوماسية بحتة، فقد ساهمت أيضًا بصورة رئيسة في تنامي نفوذ الشركات الخاصة الإسرائيلية في العديد من البلدان الأفريقية. 

ويقود حاليًا هذه الجهود المستمرة في تعزيز النفوذ الإسرائيلي في القارة السمراء، والسيطرة على مصادر الثروات الطبيعية النادرة، من ألماس ومناجم المعادن الثمينة، ثلّة من رجال الأعمال الأعمال الذين يلعبون دور همزة الوصل بين الجهات الخاصة والحكومية في إسرائيل، وبين القيادات السياسية الأفريقية؛ وكثيرًا ما يضطلع هؤلاء المليارديرات بتجارة تجمع بين تصدير المعادن، وتجارة السلاح؛ وهو ما يجعلهم عرضة لانتقادات المؤسسات الحقوقية بتهمة إشعال بؤر التوتّر والحروب الأهلية. في الأسطر القادمة، سنتطرّق إلى بعض رجال الأعمال الإسرائيليين الناشطين في الساحة الأفريقية، وكيف توظف إسرائيل هذه العلاقات لتوسيع نفوذها في القارة. 

ليف ليفايف.. ملك الألماس 

أثارت مجموعة من ممثّلات هوليوود الشهيرات، موجة من الجدل بعد أن طالبن بنزع صورهن من موقع إلكتروني لشركة تبيع مجوهرات الألماس يمتلكها رجل الأعمال الإسرائيلي، ليف ليفايف، وذلك في خضمّ حملة تضامنية مع الشعب الفلسطيني. يُلقّب الملياردير الإسرائيلي ليف ليفايف بـ«ملك الألماس» بسبب شبكته الضخمة لصناعة الألماس التي يمتلكها.

ولد ليفايف في أزباكستان التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي حينها، ثم انتقل مع أسرته إلى إسرائيل في مطلع السبعينات من القرن الماضي، وفي سنوات التسعينات، دخل السوق الأفريقية وبدأ في استغلال المناجم في كل من أنجولا، والكونغو، وناميبيا.

 ليف ليفاييف (يسار) مع الممثلة الأمريكية سوزان سوراندون 

وتعد إسرائيل إحدى كبرى الدول المصدّرة للألماس في العالم؛ وذلك بفضل علاقات رجال الأعمال الإسرائيليين لدى القيادات السياسية في العديد من البلدان الأفريقية؛ وأشارت العديد من التقارير إلى وجود نوع من المقايضة بين الإسرائيليين وبعض السلطات الأفريقية، فيما يخص صفقات الأسلحة التي تحتاجها الأنظمة الأفريقية، والتي غالبًا ما تكون متورّطة في انتهاكات لحقوق الانسان، وفي المقابل يستفيد الإسرائيليون من استغلال مناجم الألماس وباقي المعادن النادرة في هذه البلدان، بأسعار أقلّ من سعر السوق بكثير.

وامتلك ليفايف، بالإضافة إلى علاقاته المشبوهة مع الرئيس الأنجولي خوسيه إدواردو دوس سانتوس، علاقات قويّة مع رؤساء مثل بوتين ودونالد ترامب؛ كما تشير مصادر فلسطينية إلى استخدام ليفايف ثروته في دعم إقامة المشاريع الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس.

يارفيدا أوفاديا.. خدمات صحية وصفقات سلاح

حين تبحث عن اسم يارديفا أوفاديا، امرأة الأعمال الإسرائيلية الناشطة في الساحة الأفريقية، لن تجد الكثير من المعلومات أو الأخبار حولها، سوى أنها شريكة مؤسِسة في شركة «الخدمات الطبية العالمية» (International medical services)، مما قد يلمّح إلى أن نشاطها مقتصر على القطاع الصحيّ وحده، وقد نالت بسبب هذا النشاط حسب الموقع الرسمي للشركة، لقب القنصل الشرفي لإسرائيل في غينيا الاستوائية. 

يارفيدا أوفاديا – مصدر الصورة: imsge.com

لكن النشاط الصحي لأوفيديا يبدو أنه قد يكون فقط قمة الجبل الجليدي؛ إذ أشار تقرير إسرائيلي قديم يعود لعام 2008 إلى أن ميدان نشاطها الرئيسي يكمن في الوساطة بين القادة الأفارقة وشركات السلاح الإسرائيلية، من بين هذه البلدان، غينيا الاستوائية التي وقّعت معها عقد شراء أسلحة بلغ 100 مليون دولار سنة 2017، حسب تقرير صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية، وتوسّطت امرأة الأعمال بين شركتيْ «إسرائيل شيبيارد» وشركة «الصناعات العسكرية الإسرائيلية»، وتضمنت الصفقة شراء سفن حربية، وبناء مرفأ، وتجهيزات عسكرية. 

 وأضافت الصحيفة أنها كانت حلقة الوصل الرئيسة بين الإسرائيليين وغينيا الاستوائية، وأن كل الصفقات بين الشركات الإسرائيلية، سواء كانت عسكرية أم مدنية تمرّ عبر يارفيدا أوفاديا، ورغم هذه الصفقات العسكرية والمدنية بين الإسرائيليين وغينيا الاستوائية، فإن رئيس البلاد ممنوع من زيارة إسرائيل، وذلك بسبب تورّطه في رشاوى متعلّقة بتسهيلات في مجال النفط في بلاده، إذ إن الأجهزة القضائية الأمريكية كانت قد كشفت عن امتلاكه حسابًا بنكيًا بمبلغ 700 مليون دولار في واشنطن، يرجّح أن يكون حصل عليها من خلال تروّطه في الفساد. 

وتداولت وسائل الاعلام الإسرائيلية عام 2013، خبر علاج جدّة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مستشفى إسرائيلي في غينيا الاستوائية، وهو المستشفى الذي بُني بأموال امرأة الأعمال الإسرائيلية ياردينا أوفيديا؛ وقالت وسائل الإعلام إن لافتات المستشفى مكتوبة بالعبرية، كما أن كل تجهيزاته الطبية قادمة من إسرائيل. 

دان جيرتلر.. يد إسرائيل في مناجم الكونغو الديمقراطية

ينحدر دان جيرتلر من عائلة احترفت تجارة الماس، وعند بلوغه الثالثة والعشرين من عمره وإكماله الخدمة العسكرية الإجبارية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، انطق جيرتلر إلى الكونغو الديمقراطية التي كانت تعرف آنذاك حربًا أهلية وفوضى أمنية انتهت بوصول الرئيس كابيلا الأب إلى السلطة.

استطاع جيرتلر نسج علاقة قويّة لدى القيادة الجديدة في الكونغو الديمقراطية، ليحصل في مقابل ذلك على سوق المعادن الغنيّة بها البلاد. وقد وثّقت العديد من المنظمات الحقوقة الكونغوليّة، كيف استطاع هذا الملياردير الإسرائيلي الحصول على امتيازات غير مشروعة، وبأسعار أقل بكثير من سعر السوق، وذلك بفضل الرشاوى والعلاقات التي يمتلكها في أعلى هرم السلطة. 

التقارير الصحافية أكدت أن جيرتلر كان يؤمّن للرئيس كابيلا صفقات أسلحة في الوقت الذي كان يحتاجها نظامه بشدّة بسبب الحرب الأهلية الدائرة في الكونغو الديمقراطية، في المقابل؛ يحصل جيرتلر على حق استغلال المناجم المعدنية. 

وخلال عقدين من الزمن، استطاع جيرتلر نسج علاقات داخل الكونغو الديمقراطية، سمحت له بالحصول على صفقات ضخمة غير مشروعة لتصدير الألماس والذهب والنفط، بالإضافة إلى معدن الكوبالت ومعادن نادرة أخرى؛ والتي وثّقتها هيئات حقوقية كونجولية وأفريقية؛ بالإضافة إلى منظمات بريطانية وأمريكية ودولية، وظهوره في «أوراق بنما» و«ملفات الجنّة».
استطاع رجل الأعمال الإسرائيلي تكوين ثروة خياليّة تقدّرها «فوربس» بـ1.2 مليار دولار من خلال استثماراته في قطاعات المعادن والفلاحة والبنوك، بفضل علاقاته المشبوهة مع هرم السلطة بالكونغو الديمقراطية وتحديدًا مع مسؤولين متورّطين في جرائم حرب، أبرزهم الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

بني شتاينميتز..قطب المعادن الإسرائيلي غارق في الفساد

بني شتاينميتز هو أحد أبرز الأسماء الإسرائيلية في قطاع المعادن والمناجم في أفريقيا، وتمامًا مثل دان غرتلر المتورّط في رشاوى في الكونغو الديمقراطية، فإن شتاينميتز سيطر على قطاع الحديد في كل من جمهورية غينيا وسيراليون، وتقدّر ثروة بني شتاينميتز حسب موقع «فوربس» بمليار دولار. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2019، جرى اعتقال شتاينميتز بتهم متعلّقة بالفساد ورشاوى مقابل الحصول على عقود استغلال في البلدان الأفريقية.

وقد اتهم شتاينميتز بدفع ملايين الدلارات رشوةً لمسؤولين حكوميين في غينيا من أجل الحصول على امتيازات، أبرزها شراء شركته BSGR لمنجم حديد بسعر شديد الانخفاض يقدّر بـ165 مليون دولار، ليبيع نصف هذا المنجم فيما بعد مقابل 2.5 مليار دولار. 

بني شتاينميتز 

الملياردير الإسرائيلي الفرنسي المتخصص في تجارة الألماس، متّهم بدفع رشاوى لزوجة رئيس غينيا الأسبق لانسانا كونتي وآخرين، وذلك من أجل الحصول على امتيازات تعدين في إقليم سيماندو بذات البلد، وهو الإقليم الذي يحتوى على أكبر مناجم الحديد غير المستغلّة في العالم.

وبحسب جريدة «أفريكان ريبورت» فإن رجل الأعمال الإسرائيلي يمتلك نسيجًا ضخما من المؤسسات يقدّر بأكثر من 130 شركة مسجّلة في مختلف القطاعات، كما أن له شبكة واسعة من المعارف من السياسيين في أفريقيا وأوروبا، إذ كان من المقربين من الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، بالإضافة إلى مجموعة كبير من الأفارقة، من بينهم الحسن وتارا رئيس ساحل العاج وموسى داديس رئيس جمهورية غينيا وألفا كوندي رئيس جمهورية غينيا. وتمتد إمبراطوريته الاقتصادية إلى عدّة بلدان أفريقية استطاع وضع يده على بعض مناجم الألماس فيها، من بينها بوتسوانا وجنوب أفريقيا مرورًا بأنجولا وسيراليون.

دولي

منذ شهر
شعب جائع عائم على بحر ألماس.. كيف أفقر ملياردير إسرائيلي الكونغو؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد