تعد التمور عنصرًا أساسيًا في المائدة الرمضانية بالمغرب، وتلقى إقبالًا واسعًا من لدن المستهلكين، خلال شهر رمضان، غير أن المغاربة فوجئوا هذا العام بتسلل تمور من إنتاج الكيان المحتل، إلى الأسواق التجارية المغربية؛ ما حفز مجموعة من المنظمات المدنية لشن حملة شعبية وسياسية؛ لمقاطعة «التمور الإسرائيلية»، حملة لاقت تأييدًا لدى الرأي العام المغربي والعربي.

التمور الإسرائيلية تصل قبة البرلمان المغربي

بدأت حركة «مقاطعة إسرائيل» في المغرب، المعروفة اختصارًا بـ«بادس»، حملتها الميدانية التوعوية، منذ مايو (أيار) الماضي، بعدد من المدن المغربية، مثل «الدار البيضاء» و«طنجة» و«سلا» و«الرباط»؛ بغرض توعية التجار المغاربة، ومطالبتهم بالكف عن بيع هذه التمور؛ لما لها من مساهمة في تمويل الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز ميزانية الجيش العسكري لدولة الاحتلال.

ويتزعم هذه الحركة الناشط الحقوقي، اليهودي الأصل، «سيون أسيدون»، الذي صرح لـ«رويترز» بأن «حملة مقاطعة التمور الإسرائيلية بدأت رمضان العام الماضي، وسجلت هذا العام نجاحًا مهمًا جدًا، لكنه يبقى نسبيًا»، مضيفًا بأن الهدف من الحملة هو إقناع السلطات العمومية، باتخاذ موقف واضح من القضية، والقيام بالإجراءات القانونية اللازمة؛ من أجل منع دخول هذه التمور إلى الأراضي المغربية.

الناشط المغربي، المعروف بدفاعه عن القضية الفلسطينية، على الرغم من أصوله اليهودية، يدعو أيضا إلى مقاطعة جميع السلع الإسرائيلية، ويلفت إلى أنهم سيتجهون إلى شن حملة ثانية قريبة؛ لمقاطعة منتجات إسرائيلية أخرى، لم يُكشف عن أسمائها.

في نفس السياق، يقول «خالد السفياني»، منسق «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين»، المشاركة في هذه المبادرة، « هناك العديد من التجار، لم يكونوا على علم بما يجري، وأصبحوا يرفضون المتاجرة في التمور الإسرائيلية»، منبهًا إلى أنه بقدر ما أن هناك مبادرات للتطبيع، هناك أيضًا مقاومة لكل هذه الأشكال، من تنظيمات مغربية، تعمل ـ بحماس ـ في الاتجاه المعاكس.

أما على الجانب السياسي، فقد وجدت«الحملة المدنية لمقاطعة التمور الإسرائيلية» طريقها إلى البرلمان المغربي، من خلال النائب البرلماني عن «حزب الاستقلال»، «عادل تشيكيطو»، موجهًا رسالة كتابية، لوزير الفلاحة والصيد البحري، «عزيز أخنوش»، يقول فيها « صنف التمور الذي يجري بيعه، في أسواقنا الداخلية، تحت اسم «MEDJOUL»، يدخل في باب المنتجات المسروقة من الشعب الفلسطيني، الرازح تحت الاحتلال، وترويجها في بلادنا يعد تواطؤًا تجاريًا مبطنًا مع الاحتلال الصهيوني». وطالب البرلماني المعارض الحكومة المغربية، بمنع إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق المغربية تحت مسميات ملتوية.

من جهته، يقر الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، «مصطفى الخلفي»، بانتشار تمور «المدجول» الإسرائيلية، في السوق المغربي، لكنه ينفي أن تكون الحكومة قادرة على منع دخولها؛ مبررًا ذلك بأنه «يصعب مراقبة دخول مثل هذه المواد إلى السوق المغربية؛ بسبب وجود وسطاء، يدخلون السلع تحت مسميات مختلفة، وبطرق ملتفة».

وكان اتحاد المزارعين الفلسطينيين، واتحاد نقابات المهندسين الزراعيين، ومجلس النخيل الفلسطيني، وائتلاف الدفاع عن الأرض، قد أشادوا بجهود حركة مقاطعة إسرائيل في المغرب، وعبروا عن دعمهم لحملة مقاطعة التمور الإسرائيلية، التي أطلقتها الهيئات المدنية المغربية.

إسرائيل تصدر تمورها للعرب وأوروبا بطرق مقنعة

على الرغم من أن النشاط الزراعي ليس أساسيًا للاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن الإنتاج الزراعي الإسرائيلي، يتفوق بكثير، على دول عربية مجتمعة، تصنف على أنها دول زراعية؛ وذلك لأن الزراعة الإسرائيلية تُركز دائمًا على الجودة، وتستعين بالتكنولوجيا، كما تجيد تسويق منتجاتها في الأسواق العالمية.

تساهم إسرائيل بنحو 40 ألف طن سنويًا، في سوق التمور العالمي، البالغ حجمه ثمانية ملايين طن، يأتي معظمها من المستوطنات الإسرائيلية، في الضفة الغربية، وعلى رأسها «الغورن». وتنتج إسرائيل 30 ألف طن سنويًا، من تمر «المجدول»، المعروف أيضًا بـ «المجهول»، أي 75% من الإنتاج العالمي، لهذا النوع فائق الجودة، وتمر «المجدول» هو أحد أجود أنواع التمر، ذات القيمة الاقتصادية العالية، فيما يتهم البعض إسرائيل بقرصنته من المغرب؛ إذ ينتشر بكثرة في المناطق الشرقية، لكن دون أن تكون له نفس الجدوى الاقتصادية، كما هو الحال مع إسرائيل.

بيد أن تسويق هذا الإنتاج الثمين من التمور، لن يكن سهلًا بالنسبة لدولة الاحتلال، بالنظر إلى أن 55 دولة عربية وإسلامية وغربية، ترفض رسميًا التعامل التجاري مع مستوطنات الاحتلال، في الضفة الغربية، باعتبارها أرضًا محتلة من قبل الكيان، منذ عام 1967، علاوة على أن الاتحاد الأوروبي أقر مؤخرًا قانونًا، يقضي بوضع ملصقات واضحة، تميز المنتجات القادمة من المستوطنات، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد عام 1967.

لكن كل هذه المعوقات، لم تمنع إسرائيل من تصدير منتجات التمور لديها، إلى الأسواق العربية والعالمية، حيث تلجأ إلى طرق «ملتوية»، تتيح لها بيع منتجاتها تحت مسميات مختلفة وغير حقيقية.

على سبيل المثال، تدخل التمور الإسرائيلية المغرب، من خلال دول وسيطة، كجنوب إفريقيا، وبالاستعانة بمستوردين محليين، يسهلون عملية دخولها، مما يصعب مهمة الكشف عن مصدرها الأصلي.

وفي تحقيق استقصائي، أعدته مؤسسة «أريج» الإعلامية، يفضح كيفية تبييض التمور الإسرائيلية، من قبل التجار الفلسطينيين والإسرائيليين، ويكشف انتشار تمور المستوطنات الإسرائيلية، في الأسواق الفلسطينية المحلية نفسها، بواسطة إدخالها عن طريق مهربين فلسطينيين.

تقمص معد التحقيق دور التاجر المهرب، وجال في ثلاثة مصانع إسرائيلية؛ باعتباره أحد تجار التمور، وهم مصنع «ريمون إكسبورت»، في مستوطنة «تومر»، ومزرعة «راميكفير»، قرب مستوطنة «مسواة»، و«ميشك أرافيل»، قرب مستوطنة «جلجال»، مدعيًا رغبته في اقتناء خمسة أطنان من تمر «المجدول»، مشترطًا على مسؤولي مزارع التمر الإسرائيليين، أن تكون التمور محضرة في عُلب، بعلامات تجارية عربية، وليست عبرية، فأخبروه «لا مانع لدينا من ذلك، لكن الأهم الحصول على المال وجني الأرباح».

وهكذا تستطيع دولة الاحتلال تصدير تمورها لفلسطين، والبلدان العربية وأوروبا، عبر وسائط مقنعة، قد تكون على شكل شركات أو دول أو مهربين.

ويسعى كيان الاحتلال إلى بلوغ أسواق جديدة في آسيا، والهند تحديدًا؛ للحد من تأثير حملات المقاطعة العربية والأوروبية المتزايدة تجاه منتجاته الزراعية.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!