“الأكثر ضعفًا” و”الأكثر قابلية للابتزاز في تاريخ إسرائيل”، “كارثة سياسية واجتماعية وخطر حقيقي”، تلك بعض من المصطلحات التي وصفت بها حكومة بنيامين نتنياهو الرابعة الجديدة التي تشكلت الأسبوع الماضي.

فهذه الحكومة التي تشكلت بعد مفاوضات عاصفة مع تحالف أحزاب المستوطنين “البيت اليهودي” هي في المحصلة حكومة يمينية متشددة ضيقة، وهشة ترتكز على 61 نائبا، من أصل 120 نائبا في الكنيست.

وعلى الصعيد الخارجي، ستواجه هذه الحكومة عدة تحديات منها أزمة غير مسبوقة في العلاقات مع الولايات المتحدة ومواجهة قضائية على الساحة الدولية مع الفلسطينيين بالإضافة إلى الاتفاق الدولي حول البرنامج النووي الإيراني والتوتر مع الاتحاد الأوروبي بسبب الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كيف تشكلت حكومة نتنياهو الرابعة؟

تحت ضغط الوقت والفشل، بلور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ائتلاف حكومي قبيل ساعة واحدة من انتهاء مهلة تكليفه، لقد خرج نتنياهو بائتلاف سيعتمد على 61 عضو كنيست من بين 120 نائبًا في الكنيست، وهذا يعني أن انسحاب أي حزب في أي لحظة سيؤدي إلى انهيار حكومته حيث يكفي أن يصوت عضو كنيست واحد من الأحزاب المشاركة بالائتلاف لصالح أي مشروع لحجب الثقة عن الحكومة لإنهاء عمرها.

نتنياهو اضطر إلى هذا الخيار “الهش” بعد رفض الأطراف الأخرى الانضمام إليه، وكانت الصفعة الأكبر تلك التي فجرها وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان بإعلانه عدم الانضمام لحكومة نتنياهو، بينما كانت الأحزاب التي وافقت على الانضمام لحكومة نتنياهو الجديدة، لديها خطوط حمراء وضعتها لنتنياهو في كل ملف من الملفات.

وبذلك بدا نتنياهو أكثر عرضة لطلبات وابتزازات كل واحد من الأحزاب، والتي من المرتقب أن تهدّد بتفكيك الائتلاف إذا لم يستجب نتنياهو لها، بل سيصبح نتنياهو أسير مزاج كل عضو كنيست من الـ61 الذين تستند إليهم الحكومة، كونه قادرًا على إحداث أزمة ائتلافية عبر التهديد بالتصويت مع المعارضة لصالح حجب الثقة عن الحكومة، أو لصالح قانون حل الكنيست نفسه بما يؤدي إلى انتخابات مبكرة، فعلى سبيل المثال زعيم حزب البيت اليهودي نفتالي بينت والذي لم يكن من دون تأييده قادرًا على تشكيل حكومته، لديه مخططات تتعلق بتوسيع الاستيطان بالضفة الغربية وتحسين ظروف المستوطنين الاقتصادية الذين صوتوا لحزبه.

ويعتقد المحللون الإسرائيليون أن نتنياهو لن يقبل الاستمرار طويلا مع حكومة ترتكز على هذه الأغلبية الهشة، ولذا سيسعى إلى توسيع قاعدة الائتلاف، وسط أحاديث عن ضم كتلة “المعسكر الصهيوني”، التي في صلبها حزب “العمل”. إلا أن انضمام المعسكر الصهيوني الذي يسيطر على 24 مقعدا، سيؤدي تلقائيا إلى إخراج “البيت اليهودي” (8 مقاعد) من الائتلاف الحاكم.

كيف ستتوزع الحقائب داخل هذه الحكومة ؟

على الرغم من الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة في دولة الاحتلال الإسرائيلي إلا أن توزيع الحقائب ما يزال غير واضح كليا، فالخاسر الأكبر من الائتلاف المتشكّل، هو نتنياهو، وأعضاء حزبه الذين خرجوا بعد انتصارهم في الانتخابات بربع مقاعد الكنيست، حيث فرغت الحكومة الجديدة حزب الليكود من معظم ممتلكاته، وبقي أعضاء الليكود مع عدد أقل من الحقائب، بالإضافة إلى عدد أقل من الحقائب الكبرى.

في هذه الحكومة سيتولى نتنياهو رئاسة الوزراء، ومعها عدة حقائب، أهمها وزارة الخارجية، التي كان سيسندها لليبرمان، وقد يقرر نتنياهو إسنادها مؤقتا لأحد وزراء الليكود، وسيتولى نتنياهو حقيبة “الصحة”
وببقاء حقيبة الخارجية الكبيرة شاغرة من المتوقع أن ينشأ صراع على هذه الحقيبة بين أعضاء الليكود الذين سيجدون أنفسهم يتوسّلون أمام نتنياهو.

في هذه الحكومة، اضطر نتنياهو للموافقة على مطالب ابتزازية، من تحالف أحزاب المستوطنين “البيت اليهودي”، الذي طالب بحقائب إضافية، حيث حصل حزب المستوطنين على حقيبة “القضاء” التي لها أهمية متشعبة في المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة. وأسندت للنائبة العنصرية الشرسة أييليت شكيد، من أبرز وجوه مبادرات القوانين العنصرية في الدورة البرلمانية السابقة.

وسيبقى موشيه يعلون في منصبه وزيرا للحرب، بينما سيتولى رئيس حزب “كلنا” موشيه كحلون، حقيبة المالية، وجرى إسناد حقيبة الاقتصاد الموسعة، لزعيم حزب “شاس” الديني المتزمت، آرييه درعي، وسيتولى زعيم تحالف أحزاب المستوطنين “نفتالي بينيت” حقيبة التعليم.

هل ستتغير السياسية الإسرائيلية تجاه إيران؟

خوف “الإسرائيليين” من تنامي نفوذ إيران في المنطقة، هو السبب وراء فوز نتنياهو في الانتخابات، فالإسرائيليون مؤمنون أن نتنياهو “رجل يؤمن بقوة بحماية شعبه وهذا هو ما تريده إسرائيل الآن.”

نتنياهو اهتم بملف إيران خلال حملته الدعائية حيث لم يتوانَ عن الإعراب عن مخاوفه من أن يلتزم النظام الإيراني بالاتفاق التزامًا كاملًا وبذلك يصعب ضبطه متلبسا بالخداع أمام الرأي العام العالمي، ويتمثل موقف نتنياهو الثابت كما تنقله صحيفة “هآرتس” أنه بعد تحرر إيران من العقوبات وتحولها بعد 10 ـ 15 سنة، إلى دولة طبيعية وذات شرعية دولية لا تستدعي القلق، سيكون من الصعب أو حتى من المستحيل إقناع المجتمع الدولي بضرورة فرض رقابة على نشاط إيران النووي أو تجديد العقوبات عليها.

وتكشف وثيقة سرية صاغها وزير الخارجية الإسرائيلية “أفيغدور ليبرمان” وعممها سرا على سفراء إسرائيل في أرجاء العالم سعي الخارجية الإسرائيلية لرفع مستويات التنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد البرنامج النووي الإيراني وتنظيم “داعش” وضد المبادرات الهادفة لعزل إسرائيل على الساحة الدولية.

كيف سيتعامل نتنياهو مع الإدارة الأمريكية التي تمنت تغييره؟

بخلاف السنوات الماضية، لم يسارع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الاتصال والمباركة لنتنياهو على انتخابه، ويرجع ذلك إلى فتور العلاقة بين الاحتلال والولايات المتحدة، فالإدارة الأمريكية تمّنت تغيير حكم نتنياهو، وإيجاد فرصة لإصلاح العلاقات التي تقوّضت مؤخرا بشكل خاصّ، ولكن عندما اتضح أن نتنياهو هو الذي سيشكّل الحكومة القادمة اضطرت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات لتخفيف الأضرار.

ويتضح تعامل الموقف الإسرائيلي من خلال الوثيقة الإسرائيلية السرية التي كشف عنها مؤخرًا، حيث ظهر فيها حرص الخارجية الإسرائيلية على تعزيز وتوثيق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وجاء فيها “هناك مصلحة إسرائيلية عليا في الحفاظ على التعاون الاستراتيجي وعلى القيم والحرارة في العلاقات التي تربط بين الدولتين وزعمائها فهناك حاجة ملحة للتنسيق بين الدولتين فيما يتعلق بالملف الإيراني ومستقبل العملية السياسية الإسرائيلية-الفلسطينية والمعارك المشتركة خاصة في ساحة الأمم المتحدة، وكذلك العمل على ضمان الدعم السياسي الأمريكي الفعال خاصة على الساحة الدولية.

ماذا عن التعامل مع السلطة الفلسطينية وحركة حماس؟

لا تستبشر السلطة الفلسطينية خيرا من وراء حكومة نتنياهو الرابعة، فالحكومة السابقة له كثيرا ما منعت عن هذه السلطة الضرائب المستحقة واحتجزت أموالها، ويكاد يتفق المحللون السياسيون الفلسطينيون على أن المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والاحتلال انتهت بعد فوز حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو، اعتماد على تصريحات نتنياهو قبيل الانتخابات، فهي لم تبق أي مجال للتوصل إلى تسوية سلمية مع السلطة الفلسطينية.

فللمرة الأولى منذ عشرين عاما، وللمرة الثانية فقط منذ قيام دولة الاحتلال – المرة الأولى في حكومة نتنياهو الأولى 1996 – لم يتم ذكر عملية السلام، والمفاوضات مع الفلسطينيين وترسيم حدود البلاد، فنتنياهو سيعمل على تقليص هامش المناورة أمام قيادة السلطة الفلسطينية، وقد يجبرها على اتخاذ خطوات أكثر جدية في المحافل الدولية ضد (إسرائيل)، وما قد يترتب عليه من قيام تل أبيب بفرض مزيد من العقوبات على السلطة قد تفضي إلى اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية.

أما عن العلاقة مع حماس، فيرى المحلل السياسي صالح النعامي، أن تشكيل حكومة نتنياهو يعني للوهلة الأولى بدء العد التنازلي لمواجهة جديدة مع حماس في غزة، وأضاف النعامي، أنّ حكومة الاحتلال ستدين بالفضل في بقائها إلى الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفًا، مثل: “البيت اليهودي”، الذي يقوده وزير الاقتصاد نفتالي بنات، و”يسرائيل بيتنا”، برئاسة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. فكل من بنات ليبرمان يتنافسان فيما بينهما في تقديم التعهدات للجمهور الإسرائيلي بالاندفاع إلى جولة قتال “حاسمة” ضد حماس.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد