أثار قرار الحكومة الفرنسية منع مسيرة مؤيدة للقضية الفلسطينية أثناء الاعتداء الإسرائيلي الأخير على القدس وغزة، جدلًا واسعًا ونقاشًا حول موقف فرنسا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وطبيعة العلاقة بين فرنسا وإسرائيل، وقد بررت الحكومة قرارها بخطر الإخلال بالنظام العام، لكن نظرة إلى الإعلام الفرنسي وتاريخ العلاقات بين إسرائيل والجمهورية الفرنسية، تعطي جانبًا آخر من الصورة حول العلاقة المتشعِّبة بين الدولتيْن، والتي قوامها التعاون العسكري والاستخباراتي.  

 مظاهرة مؤيدة للقضية الفلسطينية في باريس 

اعترفت الجمهورية الفرنسية بإسرائيل عام 1949، ومنذ ذلك الحين بدأت العلاقة بين الطرفيْن في التوسُّع، إلى أن بلغت تحالفًا إستراتيجيًّا شاملًا خلال عقد الخمسينيات، الذي شهد تعاونًا وثيقًا بين فرنسا وإسرائيل، تتوَّج بامتلاك إسرائيل للقنبلة النووية وتشغيل مفاعل ديمونة النووي بدعم مباشر من الخبراء الفرنسيين. 

القنبلة النووية والعداء لناصر.. عنوان تحالف فرنسا وإسرائيل

«العلم سيعطينا ما حرمتنا منه الطبيعة»، كان هذا شعار أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل، ومن خلاله سعى إلى امتلاك القنبلة النووية بأي ثمن، من أجل ضمان بقاء الكيان الجديد، وسوَّق لهذا الرأي في العالم بوصفه ضمانة لعدم تكرار الهولوكوست الذي تعرَّض له اليهود.

من جانب آخر كانت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي كينيدي غير متحمِّسة لتزويد إسرائيل بالتكنولوجيا النووية، وهو ما أثار امتعاض إسرائيل خصوصًا وأن بن جوريون تذمَّر من أن العلماء اليهود مثل آينشتاين وأوبنهايمر وتيلير لعبوا دورًا محوريًّا في تزويد الولايات المتحدة بالقنبلة النووية، لذلك جرى البحث عن حليف جديد في هذا المسعى. 

 رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بيريز مع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي 

وكانت فرنسا هي الخيار المثالي؛ إذ كانت هي الأخرى بصدد تطوير قنبلتها النووية، وذلك بالتوازي مع بروز العدو المشترك بينها وبين إسرائيل، متمثلًا في مصر بقيادة جمال عبد الناصر المساند للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي؛ والداعم للفدائيين الفلسطينيين والذي يرفع شعار تحرير الأراضي العربية، وهو ما شكَّل مصدر تهديد وجودي لإسرائيل. 

العداء تجاه نظام عبد الناصر الذي شكَّل مصدر تهديد للمصالح الإستراتيجية الإسرائيلية والفرنسية معًا، بالإضافة إلى رغبة فرنسا في محو «عار حكومة فيشي» الفرنسية التي تعاونت مع النظام الألماني النازي في ارتكاب محرقة اليهود.
وقد بلغ هذا التحالف أوجه خلال العدوان الثلاثي (فرنسا بريطانيا إسرائيل) على مصر في خريف 1956، بعد تأميمها لقناة السويس. بالإضافة إلى ذلك ساهمت فرنسا في التعاون النووي مع إسرائيل، وفي تسليح الجيش الإسرائيلي، فمقابل حصول الإسرائيليين على 200 دبابة من نوع «amx 13»، و72 طائرة حربية من نوع «ميستار»، طلبت الاستخبارات الفرنسية من الإسرائيليين المساعدة في تضييق نشاط جبهة التحرير الوطني الجزائرية في أوروبا والعالم، من خلال استغلال شبكتها من اليهود في التجسس على نشاطات الجزائريين.

المخابرات الإسرائيلية كانت حاضرة أيضًا في الحرب التحريرية الجزائريَّة من خلال أذرعها في الجالية اليهودية داخل الجزائر؛ إذ أنشأ الموساد الإسرائيلي مجموعات مسلَّحة «للدفاع الذاتي» في المنطقة المغاربية تُدعى «ميسجريت» (الإطار)، وقد نشطت هذه المجموعات في ثلاث مقاطعات جزائرية: العاصمة، وقسنطينة، ووهران.

في قسنطينة (مدينة جزائرية) كانت المجموعة مكوَّنة من حوالي 100 شاب يهودي جرى تدريبهم في كل من إسرائيل وفرنسا؛ وذلك بفضل امتلاكهم للجنسية الفرنسية كأغلب يهود الجزائر حينها، وكانوا أعضاء في جنود الاحتياط لدى الجيش الفرنسي، ويؤكِّد الباحث الإسرائيلي، مايكل لاسكير، في ورقته البحثية أن إسرائيل كانت قد درَّبت وحدات من يهود الجزائر في وهران، والذين مارسوا أعمالًا عنيفة ضد المسلمين، وتعاونوا مع «المنظمة السريَّة المسلحة» الفرنسية. 

شهر العسل بين فرنسا وإسرائيل سينتهي خلال الستينيات أثناء حرب 1967 بين إسرائيل والدول؛ إذ التزمت فرنسا بقيادة الرئيس ديجول بحظر للأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط وإسرائيل، في مساعٍ منها لالتزام الحياد في هذا الصراع، وهو ما قرأه البعض تقرُّبًا من طرف ديجول تجاه الدول العربية في تلك الفترة خصوصًا بعد استقلال الجزائر، وقد استمرَّت هذه الإستراتيجية خلال السبعينيات في ظلّ الرئيس الفرنسي بامبيدو، وهذا ما أثار امتعاض الإسرائيليين بشدَّة. 

وفي سنة 1982 زار الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران إسرائيل، بوصفه أول رئيس فرنسي يزورها منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في الخمسينيات، وشهد عهده انتعاشًا للعلاقات بين الطرفين. 

خلال الألفية الجديدة بدأ التعاون العسكري الفرنسي الإسرائيلي فصلًا جديدًا عنوانه الطائرات بدون طيَّار، وذلك في فترة الرئيس السابق جاك شيراك الذي كانت تربطه علاقة جيِّدة برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون. هذه العلاقة تعمَّقت أكثر أثناء فترة الرئيس ساركوزي الذي أطلق «الحوار الإستراتيجي» بين الطرفين، والذي يستند إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية من خلال اجتماعات دورية بين ضبَّاط المخابرات بين الجانبين، وذلك قبل أن تسوء العلاقة بين ساركوزي وبنيامين نتنياهو.

تكنولوجيا إسرائيلية لدعم الجيش الفرنسي في الساحل

عهد الرئيس ماكرون سيعرف فصلًا جديدًا في التحالف الفرنسي الإسرائيلي على الصعيد السياسي والعسكري، وقد أظهرت تصريحات ماكرون بشكل واضح اصطفافه إلى الجانب الإسرائيلي، خصوصًا تصريحه المثير للجدل الذي ساوى فيه بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية. 

وكان ماكرون قد أجرى زيارة إلى إسرائيل في سنة 2015 عندما كان وزيرًا للمالية خلال عهد الرئيس السابق هولاند، وقدَّم نفسه بصفته صديقًا متحمِّسًا لإسرائيل، وعبَّر عن رفضه الاعتراف بالدولة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك فقد عبَّر ماكرون عن رفضه لحركة «بي دي إس – BDS» التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل ومعاقبتها اقتصاديًّا، وقال إنها ليست فقط معادية للصهيونية، بل معادية للسامية أيضًا. 

وخلال احتفال تذكاري حضرته العديد من الشخصيات اليهودية، أشار ماكرون بكل وضوح إلى أن معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية، وقال إن فرنسا مصممة على محاربتهما معًا، وقد أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على هذه المساواة بين معاداة الصهيونية والسامية.

سوق السلاح هو أيضًا أحد أهم محددات التعاون بين فرنسا واسرائيل؛ إذ يتعاون الطرفان في تكنولوجيا العسكرية خصوصًا في المجال السيبراني والروبوتات والطائرات بدون طيار التي استطاعت إسرائيل تحقيق أشواط كبيرة في تطويرها، لكن هذا التعاون كثيرًا ما يصادم طموحات إسرائيل في دخول السوق الأفريقية، والتي كانت لوقت طويل حكرًا على الفرنسيين، خصوصًا في مستعمراتها السابقة. 

ويمثّل مشروع «سكوربيون» ذروة التعاون التكنولوجي العسكري بين إسرائيل وفرنسا، فهذا المشروع الذي تعتزم فرنسا الاعتماد عليه في حربها على الجماعات المسلَّحة في منطقة الساحل، من شأنه أن يدمج التكنولوجيا العسكرية التي تطوِّرها شركة «ألبيت» الإسرائيلية من أجل تخفيف حمولة القوَّات البريَّة، من خلال أنظمة ملاحة وتحديد مواقع بالاستناد إلى الطائرات بدون طيَّار والروبوتات، والتنسيق الاستخباراتي عبر مركز قيادة رقمي موحَّد، وذلك من أجل تقليل عدد الضحايا من الجنود الفرنسيين إلى الحد الأدنى عبر الاعتماد بشكل واسع على التكنولوجيا وتحقيق نوع من التكامل بين «دبابة، وسفينة، ودراجة نارية، وطائرة بدون طيار، وروبوت، وجندي على الأرض»، كما تشير إحدى الخبيرات المتخصصات لموقع «Orientxxi».

الصناعيون الفرنسيون المنتشرون في العديد من الدول الأفريقية مثل الكاميرون ونيجيريا وزيمبابوي ومالاوي، يتذمرون من هذا الزحف الإسرائيلي، وعلاقات إسرائيل المتمددة داخل هذه الدول، إذ تمثل بالنسبة لهم منافسًا جديدًا لا أكثر. على جانب آخر، هنالك مؤشر مهم جدًّا في طبيعة العلاقات بين الدولتين، فبينما كانت فرنسا تبيع السلاح لإسرائيل في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، انقلبت الصورة اليوم، وأصبحت فرنسا تستورد التكنولوجيا الإسرائيلية فيما يتعلق بالطائرات بدون طيار والروبوتات. 

تاريخ

منذ 5 شهور
هل يفسّر تاريخ الثورة الجزائرية عداء الجزائر لإسرائيل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد