في الفترة الأخيرة، برز اهتمام إسرائيل بالتوجه ناحية آسيا، وفي الحقيقة إن هذا التوجّه موجود منذ زَمن، وإن كان معتمًا، أو لم تُسلّط عليه الأضواء كما الآن، بخاصة في الفترة الأولى لتأسيس إسرائيل. فلدى إسرائيل علاقات تجاوزت الدبلوماسية، مع دول كالهند والصين، ثمّ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بات لها نفوذ واسع في جمهوريات آسيا الوسطى الغنية بالثروات النفطية والمعدنية.

العديد من الدراسات والتقارير، تتبعت تحركات إسرائيل في العمق الآسيوي، واضعةً تفسيرات لها، ما بين كونها من باب تأمين وجودها في قارتها، وبين اعتبارها هذا العمق امتدادًا جغرافيًّا للمنطقة التي تقبع بها وسط جيران مقلقين بالنسبة إليها.

وبالجملة، فإنّ سعي إسرائيل لخلق ظهير لها في آسيا، مع دول كالصين والهند، أو دول وسط آسيا التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي؛ هو أمرٌ مفهوم ومبرر، لما تتمتع به تلك المناطق من قوة اقتصادية، إما أنّها كامنة (دول وسط آسيا) وإما بادية، وفي طور النمو والصعود المستمر (الهند والصين). لكن العجيب، والداعي إلى التساؤل، هو تركيز إسرائيل جهودها الخارجية على مناطق أكثر فقرًا وأقلّ تأثيرًا، كنيبال وإقليم كشمير.. فما هي الدوافع الحقيقية، والأسباب غير المعلنة وراء ذلك؟

نطفٌ إسرائيلية في نيبال!

في شهر أبريل الماضي، ضرب نيبال زلزال بقوة 7.8 درجات بمقياس ريختر، ليُعد الزلزال الأقوى الذي تتعرض له البلاد منذ نحو 80 عامًا. هذا الزلزال، وفضلًا عن التدمير المهول الذي ألحقه بالبنية التحتية للبلاد، وأعداد الضحايا المهولة الذي تسبب في وقوعهم، إلّا أنه أيضًا كشف عن خبايا تتعلق بخطط إسرائيل للحفاظ على ثقلها في معركتها الديموجرافية مع العرب!

من آثار الدمار الذي تسبب به الزلزال

اقرأ أيضًا: الصراع الديموغرافي في فلسطين.. الأخطر على إسرائيل ولا تسحقه الميركافا

برز اسم إسرائيل في أعقاب الزلزال، كواحدة من أكثر الدول المشاركة في إرسال المساعدات الإنسانية، بتسيير قوافل طبية جوّية، بل إنشاء مستشفى ميداني لمساعدة منكوبي الزلزال الذي أودى بحياة ما يقرب من 10 آلاف شخص. وكانت إسرائيل تركّز دعايتها للتأكيد على أنّ المساعدات إنسانية بحتة، الأمر الذي أثار في البداية حفيظة بعض الحقوقيين والصحافيين، من بينهم إسرائيليون، تعجّبوا من إسراع حكومتهم نحو إرسال مساعدات “إنسانية” إلى نيبال، في نفس الوقت الذي تشدد الحصار فيه على مليون ونصف إنسان في قطاع غزّة!

لكن حين نعلم تحديدًا طبيعة العلاقات بين إسرائيل ونيبال تتكشف لنا تدريجيًّا هذه المبادرة الإسرائيلية السريعة، وأكثر من ذلك، لو راجعنا تاريخ تعاطي إسرائيل مع الكوارث حول العالم، ولو في دول عدوّة، أو تربطها بها علاقات متوترة. إنّها طريقة إسرائيلية تقليدية لفرض وجودها في العالم!

إسرائيل تسعى إلى استغلال إمكاناتها المختلفة التي تتمتع بها، من أجل بناء علاقات قويّة بينها وبين كافة الدول، ودفعها إلى طريق التطبيع معها – الباحث معتز أحمد.

اقرأ أيضًا: هآرتس: قتلٌ في غزّة ومدّ ليد المساعدة في نيبال: النفاق الإسرائيلي في أبهى صوره

بالإضافة إلى سعيها الحثيث للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية في نيبال، التي تعد الدولة الوحيدة في جنوب آسيا المعترفة بإسرائيل (بالإضافة إلى الهند)، وتربطها بها علاقات تطبيع تاريخية، تمتد من 1960؛ لدى إسرائيل نوع آخر من المصالح، متعلقة – كما ذكرنا- بمعركتها الديموجرافية مع العرب. التفاصيل تبدأ من إجلاء الرعايا الإسرائيلين في نيبال، إذ شملت عملية الإجلاء اصطحاب الإسرائيليين لأطفال نيباليين حديثي الولادة، مع رفض اصطحاب أمهاتهم، لتنكشف الحقيقة، وهي استخدام إسرائيليين لأرحام نساء نيباليات لتحمل نطفهم تسعة أشهر، حتى ميلاد الطفل. التقارير الصحافية كشفت أنّها ممارسة إسرائيلية شائعة، أن يقوم المثليون الإسرائيليون باستئجار أرحام النيباليات – والهنديات سابقًا- لحمل نطفهم، وخلال فترة الحمل قد تستقدم المرأة إلى إسرائيل لتلقى الرعاية حتى تضع الطفل، ثمّ يتمّ ترحيلها.

طبيب إسرائيلي يحمل رضيعًا نيباليًّا تم ترحيله (رويترز)

ومع ردود الفعل المشككة أصلًا في نوايا إسرائيل وراء مساهماتها الإغاثية، زادت هذه القضية الطين بلّة على إسرائيل، بخاصة وأنّ قانونها يمنع على المثليين استخدام “الأمهات البديلات” داخل إسرائيل، فيما يسمح به، للأزواج الطبيعيين. وما أثار الغضب حقًّا، هو أنّ الصور الأولى الملتقطة لإنقاذ رجال نجمة داوود الحمراء (هيئة الإسعاف الإسرائيلية)، لأطفال رضّع؛ روّجت لها إسرائيل تحت شعار “كلّنا نيبال”، مدّعية أنّها تأتي في إطار عمليات الإغاثة والإنقاذ التي تنفذها إسرائيل على الأراضي المنكوبة، قبل أن تكشف التقارير الصحافية الحقيقة.

ورغم أنّ رأي القانون النيبالي غير واضح فيما يتعلّق بتأجير أرحام النيباليات، إلى أن عددًا من تصريحات المسؤولين هناك، أوضحت تشجيعهم لما أسموه بـ”السياحة الطبية”، بخاصة بعد أن منع القانون الهندي ذلك، بعد أن كان يسمح به، لتعتمد نيبال على هذه الممارسة اقتصاديًّا. لذلك تحديدًا، فإنّ التقارير الحقوقية التي تناولت القضية، ذهبت إلى إدانة إسرائيل بالتعامل غير الإنساني مع كارثة البلاد، واستخدامها الإعلام لتشويه الحقيقة، بادعائها أن تلك كانت عمليات إغاثة إنسانية بحتة، كما أنّها لفتت إلى عدم سماح الطائرات الإسرائيلية إنقاذ أمهات الأطفال.

أخيرًا، يُشار إلى أنّ أقلّ من 30 ألف دولار أمريكي تكفي لاستئجار رحم امرأة نيبالية، فيما يتطلب الأمر 5 أضعاف هذا الرقم، على أقل تقدير، في بلد كأمريكا أو كندا! كان هذا أيضًا من أسباب الهجوم على إسرائيل.

لا يوجد ما يمنع تأجير الأرحام، لكن الطريقة الإسرائيلية تكشف التعامل مع الإنسان باعتباره مجرد جهاز، أو سلعة تجارية – موقع فيرست بوست الهندي.

إسرائيلي يحمل رضيعًا نيباليًّا (AFP)

كشمير.. القبيلة الإسرائيلية التائهة!

يُرجّح بعض الباحثين أن تكون لكشمير (شمال غرب الهند) خصوصية بالنسبة إلى إسرائيل، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك، باعتبارهم أن تلك الخصوصية قد تكون الدافع الأساسي لتمتين إسرائيل علاقاتها بالهند، وتأييدها لموقفها في الصراع الدائر بينها وبين باكستان حول إقليم كشمير، منذ أكثر من 60 عامًا.

تبدأ الحكاية مما يمكن تسميتها بـ”رعب إسرائيل الأوّل”، وهي الحرب الديموجرافية، أو حرب بقاء النّوع، التي يبدو واضحًا مدى تأثيرها على تحركات إسرائيل الخارجية من خلال – مثلًا- افتتاحها فرعًا لوكالة تنظيم الهجرة اليهودية في أوزباكستان، عام 1988، أي عقب سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرةً، ما يُدلل على وضع إسرائيل تلك القضية ضمن أولوياتها القصوى على الإطلاق، ولعل أيضًا ما يوضّح طبيعة التحرك الإسرائيلي وفق هذا الإطار، هو إبقاؤها – رغم ذلك- على أعداد بعشرات الآلاف لليهود في البلدان الآسيوية، لتنطلق منهم (أي هؤلاء اليهود) إلى توطيد العلاقات على كافة المستويات بما فيها الثقافية مع تلك البلدان.

هناك نظريّة أيدتها بعض المراجع التاريخية العربية، تُفيد بأنّ قبائل إسرائيل العشرة التائهة، اتجهت أغلبها إلى عمق آسيا، واستوطنتها. تلك النظرية باتت مفسّرة للعديد من الباحثين والمراقبين، الذين اعتبروها منطلقًا جيدًا لفهم طبيعة التحركات الإسرائيلية في تلك المناطق، والتي من بينها كشمير.

خصوصية كشمير ترجع إلى أنّ مصادر تاريخية، بينها العالم والرحّالة المسلم أبو الريحان البيروني؛ قالت إن إحدى قبائل اليهود العشرة التائهة، استوطنت تلك المنطقة، المعروفة بكشمير الآن، وأنّ الخصائص الجينية، والطبعية، وأحيانًا الثقافية، توضّح حقيقة القرب والشّبه بين سكان الإقليم، واليهود الإسرائيليين!

هذا ويبدو أن إسرائيل لا تتعامل بمزاح مع مثل هذه القضايا، إذ إنها تتحدث عن أن القبائل المكوّنة للمجتمع الكشميري يعود أصولها إلى العبرانيين التائهين في الأرض، بل إنها أيضًا، تبحث وتنقّب فيمن يُحتمل أن يكون ضمن تلك القبائل العشرة، عبر إجرائها مشاريع بحثية تنطلق غالبًا من الهند، من بينها واحدٌ أطلقته في 2010، للتّأكد من الأصول العبرانية لمقاتلي حركة طالبان بأفغانستان، والتي ينتمي معظمهم إلى قبائل البشتو، التي تزعم الفرضية الإسرائيلية أنها قبائل ذات أصول عبرانية.

كما أنّه يُمكن رصد تغلغل النفوذ الإسرائيلي في تلك المنطقة، عبر عدّة تجليّات، من بينها مثلًا الأسماء العبرية المنتشرة، التي تُطلق على الناس، أو على الأحياء، بالإضافة إلى ذلك، بعض التقارير الصحافية الأجنبية، وصفت الشعب الكشميري، بأنه أقل الشعوب المسلمة عداءً لإسرائيل، بل إنّه قد يكون متعاطفًا معها!

من جهة أخرى، تناولت عدة تقارير صحافية، الصراع بين باكستان والهند حول كشمير، انطلاقًا من الدور الإسرائيلي فيه، عبر علاقاتها مع الهند، الممتدة لتحالفات عسكرية، جعلت بعض المحققين الصحافيين يقاربون بين تكتيكات الشرطة الهندية والإسرائيلية، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حين قال:

يُمكن للكشميريين أن يتذوقوا ثمار التهدئة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني! – جيمي جونسون

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد