ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

تلاحق إسرائيل اللاجئ الفلسطيني الذي هجرته من مدنه وقراه منذ العام 1948 إلى أبعد الحدود، فهاجس عودته إلى حيث تستقر من أراض فلسطينية يؤرقها دائمًا، ومن ضمن استهداف هذا اللاجئ كان استهداف «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) التي تُعنى بشؤونه، فهذه المؤسسة الدولية تستهدف إسرائيل مهامها التي وجدت من أجلها، إذ تقود الآن مشروعًا دوليًا لتخفيف دورها، وتقليص تمويلها، والحد من مهامها، فبدأ بالاعتراض على المناهج الفلسطينية التي تدرس في مناهجها، وليس انتهاء بالعمل على سحب قرار منح صفة اللاجئ للمواليد الجدد، بغية القضاء على حق العودة الذي يقلق إسرائيل.

العام 2017.. إسرائيل تكثف جهودها لتقليص دور الأونروا

كثفت إسرائيل من تحركاتها في الضغط على «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا) خلال العام 2017، ويسجل في آخر تلك التحركات زيارة نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية «تسيفي حوتوبيلي» إلى العاصمة الأمريكية، واشنطن للقاء المسؤول الأمريكي المكلف بهذا الملف السيناتور «تيد كروز» السبت الماضي.

أطفال يتلقون مساعدات من الأونروا بغزة

يقول الكاتب الإسرائيلي في موقع «أن آر جي» العبري، أريئيل كهانا، إن هدف الزيارة هو العمل على فرض رقابة على التبرعات المالية الموجهة للأونروا، والعمل على تغيير تعريف صفة اللاجئ، وعدم منحها لكل فلسطيني يولد في مخيم للاجئين، ويشير الكاتب إلى أن: «إسرائيل ترغب من خلال مبادرتها لإجراء التغيير المطلوب في الأونروا باستغلال موقف واشنطن القاسي من الأمم المتحدة وباقي المنظمات التابعة لها، واعتبار عدد من موظفي الأونروا على أنهم (حماس) وأن مقار المنظمة الدولية تستخدم لتخزين الأسلحة».

سبق زيارة «حوتوبيلي» الحالية، وتحديدًا في يونيو (حزيران) الماضي دعوة صريحة من رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» بتفكيك الأونروا بذريعة «عملها على تأبيد الصراع وعدم المساهمة في حله»، ليؤكد «نتنياهو» على أنه طرح تفكيك الوكالة خلال لقاء جمعه بسفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، التي قالت في وقت سابق إن: «الأمم المتحدة تتصرف بعدائية تجاه إسرائيل، لكننا اليوم بتنا نرى تغييرًا في هذا السلوك، لأنه لا يمكن الاستمرار بهذا النهج»، وقد استغل «نتنياهو» الحديث عن اكتشاف نفق يمر أسفل مدرستين تابعتين للوكالة في قطاع غزة، فقال إن: «حماس تستغل المدارس وتستعملها كدروع بشرية، فهذه جرائم حرب مضاعفة، إذ تقوم الحركة باستهداف المدنيين وأيضا التستر وراء الأولاد».

«نتنياهو» و«ترامب»

ولم يكتفِ «نتنياهو» بتصريحاته السابقة، ففي يوليو (تموز) الماضي، كشف مراسل القناة الإسرائيلية السابعة للمستوطنين «موشيه كوهين» عن تشكيل مجموعة ضغط جديدة هدفها الرقابة على عمليات (الأونروا) والمطالبة بإجراء تغييرات جوهرية على صلاحيتها، ونقل عن عضوة الكنيست، شارين هاسكيل، التي ترأس المجموعة أن: «أهداف المجموعة تتمثل في العمل على تجنيد وتجييش أطراف المجتمع الدولي ممن يؤمنون بضرورة إجراء إصلاحات عميقة في الأونروا، فالمطلوب هو تفعيل المزيد من الضغط لإقرار الإصلاحات اللازمة، في ظل وجود مجموعة ضغط مشابهة في الكونغرس الأمريكي»، ووصل الأمر بالسفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة «داني دانون»، في العاشر من يونيو (حزيران) الماضي، بالادعاء في رسالة وجهها لمجلس الأمن الدولي، بـ«وجود علاقات بين أفراد في الأونروا وحماس، وبدلاً من استخدام المدارس كمراكز للتعليم، فقد حوّلتها حماس إلى معسكرات لتنفيذ هجمات ضدّ إسرائيل».

لماذا تريد إسرائيل إعادة تعريف صفة اللاجئ الفلسطيني؟

يقول الكاتب والصحفي الأمريكي «دانيال غرينفلد»: «اللاجئون الفلسطينيون الأصليون، التي كانت الأونروا قد أُنشئت لرعايتهم، ماتوا بغالبيتهم.. هكذا تحوّلت الوكالة إلى منظمة مشبوهة وفضائحية من منظمات الأمم المتحدة، التي توفر الدعم لدولة الرفاه التابعة لـ(مخيّمات اللاجئين) – القديمة والمتطورة أكثر من مدن كبيرة في الشرق الأوسط»، ويضيف: «آن الأوان لنزع الأقنعة ووضع الأمور على الطاولة، في غزة، لا فرق بين الأونروا وحماس؛ هكذا يوفر الأمريكيون غطاءً عالميًا للإرهاب، ويقومون بخرق قوانينهم».

احتجاجات ضد تقليص مساعدات الأونروا

يلخص القول السابق لـ«غرينفلد» الموقف الإسرائيلي والأمريكي من الأونروا، فناهيك عن أن إسرائيل تروج دائمًا لأن الوكالة تحرض على الكراهية والعنف، وبعض موظفيها نشطاء في التنظيمات الفلسطينية وتستخدم مؤسساتها كمخازن ومستودعات للأسلحة، تُشغل أيضًا بالقضاء على «كابوس» حق العودة، وبشطب القرار 194 من أجندة الأمم المتحدة، ولذلك ارتبطت ضغوطاتها على الأونروا بالعمل على إعادة تعريف صفة اللاجئ الفلسطيني، بحيث يصبح اللاجئ هو من خرج من فلسطين سنة 1948 وأن صفة اللجوء لا تورّث، وهو ما يعني حينها أن اللاجئ الذي يتمتع بأي جنسية أو إقامة دائمة في أي بلد ستسحب منه صفة اللاجئ، وبذلك تصبح الأونروا مسؤولة فقط عن حوالي 30 ألف لاجئ فلسطيني، تزيد أعمارهم عن 67 سنة، وتتخلى عن الخمسة ملايين وخمسمائة ألف لاجئ المسجلين في سجلاتها.

عامل في مركز توزيع مساعدات تابع لأونروا (رويتزر)

يعقب على ذلك مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين «علي هويدي» بالقول: «الموضوع خطير جدًا، وخطورته سياسية وأمنية بالدرجة الأولى؛ إذ يهدد مصير نحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجل في سجلات الأونروا؛ بحرمانهم من حقهم في العودة، وهم الذين يعيشون حاليًا أوضاعًا إنسانية صعبة في 58 مخيمًا معترفًا به من قبل الأونروا والدول المضيفة، وفي تجمعات متناثرة في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا والأردن ولبنان»، ويضيف هويدي في مقاله المعنون بـ «ضرورة التصدي الرسمي لمحاولات استهداف الأونروا»، «كذلك، فإنه يهدد بتفريغ القرار 194، لتاريخ 11 ديسمبر 1948، من محتواه، الذي أكد حق العودة والتعويض واستعادة الممتلكات، وارتباطه بقرار تأسيس وكالة الأونروا تجاه ما تضمّنه القرار 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتاريخ 8 ديسمبر 1949، في ديباجته والفقرة الخامسة والفقرة العشرين، الذي أشار إلى تطبيق القرار 194».

ويؤكد مدير أكاديمية دراسات اللاجئين «محمد عمرو ياسر»: «تريد إسرائيل وقف منح صفة اللاجئ لأبناء اللاجئين بحيث لا يصبح هناك لاجؤون جدد، فكون الجد لاجئ لا يعني أن يكون الحفيد لاجئًا حسب الإسرائيليين، كما تعتبر إسرائيل أن الهدف الذي أنشئت من أجله الأونروا لم يتحقق وهو استيعاب وتوطين اللاجئين»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «تمثل الأونروا عمر النكبة وهي باعتبار شاهد عليها، لذلك تريد إسرائيل تقويض عملها لإبعاد شاهد حي وقوي».

من جانبه، يرى الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي خلال حديثه لوكالة «سبوتنيك» الروسية أن: «هناك محاولة إسرائيلية لإخفاء جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل عام 1948 والتي أدت إلى تهجير ثلثي الشعب الفلسطيني، نتنياهو يريد أن يطمس قضية اللاجئين والتاريخ ويظن أنه بحل وكالة الأونروا سينجح في ذلك ولكن هذا الكلام مرفوض بكل المعايير الإنسانية والقانونية والدولية».

إسرائيل تعمل لوقف المال عن الأونروا

اعتمدت إسرائيل نهج التأكيد على أن الأونروا تستخدم الأموال التي تصلها من المنظمات الدولية والإنسانية لأعمال وفعاليات معادية لها، ولذلك كانت تدعو دائمًا لإيجاد رقابة صارمة للتأكد من أن الأموال التي تصل يتم تخصيصها للمشاريع الإنسانية.

مركز توزيع مساعدات تابع لأونروا (الجزيرة)

في العام 2015، استغلت إسرائيل الأزمة المالية للأونروا، وأصدرت تقريرًا يطالب بإنهاء عمل المؤسسة في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل سريع، ليظهر بوضوح تراجع في إيفاء المانحين – وخاصة الولايات المتحدة – بالتزاماتهم نتيجة لرغبة إسرائيل بالحد من عمل الوكالة، ودفعها نحو إنهاء خدماتها.

وضوعفت تخوفات الأونروا من فقدان التمويل والدعم مع وصول الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» للحكم، فهي تدرك مدى خطورة وصول تلك الشخصية مع استمرار الحملة الإسرائيلية التحريضية ضدها، إذ تصر إسرائيل على دفع واشنطن التي تقدم ربع موازنتها على تقليص الدعم لها، خاصة أنه بإمكان إسرائيل استصدار قوانين من المؤسسة التشريعية الأمريكية في الكونغرس.

وقد تحقق جزء من هذه المخاوف عندما نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي بإحباط مشروع في الأمم المتحدة يطالب بزيادة موازنة (الأونروا)، حيث شطبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جدول أعمالها مشروع قرار قدمه الفلسطينيون وتحالف الدول النامية لزيادة موازنة الأونروا، لتمكينها من القيام بأنشطتها لصالح اللاجئين الفلسطينيين.

يقول مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، «علي هويدي» لـ«الأخبار» اللبنانية أنّ: «المجتمع الدولي لديه رغبة في إنهاء الأونروا، التي تحوّلت مع الوقت إلى شوكة في حلق كلّ مَن هو ضدّ حق العودة، لكن علينا دائمًا أن نُذكّر بأن الأمم المتحدة تتحمل مسؤولية تشريد الشعب الفلسطيني، ولذلك هي معنية بدعم الأونروا الدائم، ولهذا هناك خشية لدينا مِن نيات لشطب الوكالة وتحويل اللاجئين الفلسطينيين إلى جداول المفوّضيّة الدوليّة لشؤون اللاجئين، حيث يضيع حق العودة في برامج الترحيل إلى دول مختلفة».

الضغط على الأونروا لتحقيق حلم إسرائيل بالتواجد في المناهج الفلسطينية

«تم تعيين الهندي من جباليا في شمال غزة في موقع سياسي بارز إلى جانب أعضاء آخرين تم انتخابهم في المكتب السياسي، وفي ضوء خطورة الموقف دعا رئيس وكالة كوغات، الجنرال يوآف مردخاي، الأونروا لإنهاء عمل الهندي بشكل فوري»، هذا ما جاء في بيان وكالة كوغات، التابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية والمسؤولة عن الشؤون المدنية في المناطق الفلسطينية المحتلة.

مدرسة تابعة لأونروا (الجزيرة)

أصدر البيان في فبراير (شباط) الماضي لمطالبة (أونروا) بطرد مدير مدرسة فلسطيني بمبرر أن الفلسطيني «سهيل الهندي» ناشط في حركة حماس، وقد اضطرت الأونروا التي تتلقى اتهامات إسرائيلية مماثلة لتأكيد أنه: «بالاستناد إلى الجهود الموجبة التي بذلتها الوكالة حتى تاريخه، لم تكشف الأونروا أو تتسلم ما يتعارض مع نفي الموظف انتخابه في مكتب سياسي».

فالجهود الإسرائيلية الأكبر تنصب على المدارس التابعة للأونروا، وعلى المناهج الفلسطينية التي تدرس في تلك المدارس، فقد أصدرت إسرائيل دراسة تهاجم هذه المناهج وتدعي بأنها تحريضية وتعتمد على نزع الشرعية عن إسرائيل وتشويهها، وتذكر الدراسة التي اعتمدت على فحص 11 كتابًا من مناهج الأونروا، أن: «دولة إسرائيل غير موجودة، ولا تذكر في الخرائط التي تتضمنها الكتب الدراسية، وورد في أحد كتب التاريخ أن الصهيونية حركة استعمارية أسسها يهود أوروبا، لجمع شتات اليهود حول العالم، ونقلهم إلى فلسطين والدول العربية المجاورة، وطرد سكانها وتهجيرهم».

ودفعت الضغوطات والرقابة الإسرائيلية الخانقة على الأونروا، في التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، للإعلان عن اكتشاف النفقين أسفل المدرستين في مخيّم المغازي، فقد أدركت الأونروا أن إسرائيل علمت بوجود النفقين في مايو (أيار)، فإذا لم تعلن عن النفقين ستتهم من قبل إسرائيل بالتستر على أعمال فلسطينية مسلحة في أسفل مبانيها، وهي اتهامات متكررة بين الفينة والأخرى.