عادةً ما تتغنى إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، التي تمنح سكانها حرية رأي لا تمنحها غيرها من الدول المجاورة، بيد أن عملية متابعة صغيرة لما يدور على أرض الواقع في الداخل الإسرائيلي تُظهر أن كلمة واحدة تتعارض مع ممارسات الجيش الإسرائيلي أو النهج العام، كفيلة بإنهاء مسيرة إعلامي أو صحافي إسرائيلي شهير.

فالإسرائيليون -جمهورًا ومسؤولين- لا يتوانون لحظة عن مهاجمة أي صوت يخرج عن المألوف بينهم، ويناصر الفلسطينيين ويهاجم ممارسات الجيش الإسرائيلي ولو بكلمة عابرة عادية، إذ يتعرض هؤلاء لنقد لاذع وتهديد وحرمان عاجل من عملهم الإعلامي. السطور التالية تسلط الضوء على بعض هذه الحالات.

أوشرات كوتلر.. وصفت جنود إسرائيليين بالـ«وحوش» فطُردت

في فبراير (شباط) 2019، كانت مذيعة الأخبار الإسرائيلية الشهيرة أوشرات كوتلر تقدم نشرة الأخبار الرئيسية على «القناة 13» بشكل اعتيادي، إلا أن عرْض تقرير تناول قضية اتهام خمسة جنود إسرائيليين من الكتيبة الحريدية «نيتساح يهودا» بالاعتداء على شبان فلسطينيين مكبلين دفعها للقول مباشرة «بأن الاحتلال يحوّل الجنود إلى وحوش بشرية».

 

في التقرير المصور يظهر الجنود الخمسة وهم يركلون ويضربون رجلًا فلسطينيًّا وابنه بعد اعتقالهما، بأدوات حادة. ولم يكتفِ الجنود بذلك؛ بل أزالوا العصبة عن عين الابن وأجبروه أن يرى والده وهو يُضرب حتى كسرت أضلاعه وأنفه.

لم يمر تعليق كوتلر على الحدث مرور الكرام، إذ تعرضت لهجوم كبير من أعلى مستوى سياسي إسرائيلي، فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه: «فخور بجنود الجيش الإسرائيلي وأحبهم كثيرًا، وكلمات المذيعة كوتلر يجب إدانتها»، بينما قال وزير التعليم الإسرائيلي، نفتالي بينت: «بسبب جنود الدفاع نحن نشعر بالأمن يا كوتلر، الحيوانات البشرية هم الإرهابيون الذين يقتلون الأطفال اليهود في فراشهم».

فيما جاء تعليق حزب «إسرائيل بيتنا» في بيان خاص مهاجمًا المذيعة بشدة: «نرسل الصحافيين ليجلسوا في استوديو مكيف يتقاضون رواتب ضخمة ويحصلون على الرعاية، وبعد ذلك يسيؤون للجيش الإسرائيلي».

ووصلت الأمور إلى حد المطالبة بمحاكمة كوتلر وتلقيها تهديدات بالقتل من قبل جهات مجهولة، برغم أنها أيقنت في ذات النشرة أن قولها سيعرضها لهجوم شديد لتتدارك الأمر بالقول إنها «لا تقصد جميع الجنود، ولكنها تقصد من يتورطون في الاعتداء على أبرياء».

ومع كونها اعتذرت عن جملتها إلا أنها لم تتراجع عن موقفها المندد بالسياسات الإسرائيلية، إذ قالت: «لا يسعني إلا أن أرى الثمن الهائل الذي يدفعه أطفالنا وجنودنا من خلال واقع السيطرة على شعب آخر، حقيقة قائمة منذ 52 عامًا»، وأضافت: «على الرغم من أن الآلاف تمنوا موتي هذا الأسبوع، وعلى الرغم من أنني خائفة، أتمنى فعلًا أن تبقى لدي القوة لمواصلة التعبير عن رأيي والقيام بعملي».

وبالفعل اتخذت «القناة العبرية 13» قرار فصل كوتلر ومنعتها من تقديم برنامجها الصباحي، وأعفتها من العمل بشكل كامل؛ بسبب انتقادها للجيش الإسرائيلي.

«هآرتس»: «يا سادات يا زعيمنا».. هذه الأغاني هيأت المصريين لتقبل «كامب ديفيد»

كوبي ميدان.. خجل من كونه إسرائيليًّا فطُرد من عمله

«أنا أخجل اليوم لكوني إسرائيليًّا».

هذه التغريدة كلفت المذيع الإسرائيلي كوبي ميدان الذي يعمل في «محطة إذاعة الجيش الإسرائيلي (غالي تساهل)»، ثمنًا باهظًا، فقد خسر عمله في الإذاعة حين أعرب عن موقفه من تعامل جنود الاحتلال الإجرامي مع المتظاهرين الفلسطينيين في مسيرات العودة القائمة على طول السياج الحدودي مع قطاع غزة.

انتقد الجيش الإسرائيلي ففصل من عمله

كوبي ميدان، المصدر: i24NEWS الإسرائيلية

وبرغم من أن ميدان حاول تأكيد أنه «لم يقل كلمة سيئة عن جنود الجيش الإسرائيلي»، إلا أنه تلقى عاصفة من الردود، أولها من وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان، الذي قال في مقابلة إذاعية حول الأمر: «أنا أخجل أن لدينا مذيعًا كهذا في محطة إذاعة الجيش، آمل أن يوقف عن العمل، وأن يتم تقييم الموضوع، ولكن إذا كان يشعر بالخجل، فعليه فقط أن يتوصل إلى استنتاج بمغادرة المحطة».

وأضاف ليبرمان: «أنا لا أريد أن أتدخل في عمل قائد المحطة، ولكن بدلًا من ذلك على المذيع إذا كان لديه الحد الأدنى من النزاهة، وإذا كان لديه أي احترام لذاته عليه استخلاص النتائج وترك المحطة».

وفي أبريل (نيسان) 2018، اتخذت إذاعة الجيش الإسرائيلي قرار فصل ميدان بعد نشره التغريدة السابقة، إذ نقلت صحيفة «معاريف» العبرية عن قائد إذاعة الجيش الاسرائيلي قوله إنه «يتوقع إنهاء عمل مذيع المحطة كوبي ميدان، بعد نشره في أعقاب أحداث نهاية الأسبوع في غزة أنه يخجل اليوم لكونه إسرائيليًّا».

وكان الإعلامي الإسرائيلي ميدان قد سبق وأن أثار حفيظة الإسرائيليين في يوليو (تموز) 2016، حين حاور الكاتب الفلسطيني، الطيب غنايم، فتناول جانبًا من أعمال الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وبث قصيدته «سجل أنا عربي» على الإذاعة الإسرائيلية، وهو ما عرض ميدان وإذاعة «غالي تساهل» لنقد لاذع من قبل وزيرة الثقافة الإسرائيلية المتطرفة، ميري ريغيف.

فقد كتبت عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»: «علينا التصدي لمضامين التحريض الفلسطينية التي تظهر في الكتب التدريسية، وفي وسائل الإعلام خاصتهم، ويحظر أن نمنحهم منبرًا إضافيًّا بتمويل جماهيري، في محطة عسكرية»، وتابعت القول: «لا يعقل أن يمول الجمهور بثًا يمس بأحاسيسه ويمنح منبرًا للرواية الفلسطينية المعترضة على مجرد وجود إسرائيل بوصفها دولة يهودية ديمقراطية».

حين إلملياح.. سخطت لمقتل «إسرائيلي» عربي ففصلت من عملها

حاول المعلّم الفلسطيني يعقوب أبو القيعان، في 18 يناير (كانون الثاني) 2017، الوقوف مع أهل قريته «أم الحيران» في النقب، لمنع قوات الشرطة الإسرائيلية والجرافات من اقتحام القرية من أجل ترحيل أهلها؛ تمهيدًا لإقامة مستوطنة يهودية على أراضيها.

حين إلملياح، المصدر: موقع عرب 48

ودون أن يشكل الرجل أو غيره من المدنيين العزل أي خطر على شرطة الاحتلال؛ أطلق أحد الجنود على أبي القيعان النيران فقتله، وترك جثمانه داخل سيارته، وتم منع أهله من الاقتراب من مكانه.

هذه القضية التي أعيد فتحها في يونيو (حزيران) الحالي لاعتراف الشرطي الإسرائيلي الذي أطلق النار على أبي القيعان أنّه لم يكن يشعر بأي خطر حقيقي على حياته، أثارت وقت حدوثها غضب المذيعة الإسرائيلية حين إلملياح التي تعمل في «إذاعة الجيش الإسرائيلي»، فكتبت على صفحتها على موقع «فيسبوك»: «أنا أيضًا كنت سأدهس شرطيًّا إذا أخلوني بالقوة من البيت من أجل بناء بلدة لأناس أقوى مني، ولا تحدثوني عن التربية».

وهو المنشور الذي تسبب في فصل حين من عملها، إذ قالت إدارة الإذاعة إنه «لا مكان في إذاعة الجيش الإسرائيلي لمذيعة تعبر عن تأييدها لدهس متعمد لشرطي، ولذلك تقرر إنهاء التعاقد مع إلملياح على الفور»، حدث ذلك برغم أن حين أزالت من صفحتها المنشور السابق.

وقد أثار موقف المذيعة ردود فعل عنيفة، حتى أن أحد الإسرائيليين كتب «أتمنى أن تدهسك شاحنة جمع القمامة التابعة لبلدية تل أبيب، وأنت تقطعين الطريق عند ممر المشاة منشغلة بكتابة المنشور القادم على هاتفك».

وردت المذيعة على قرار فصلها بالقول: «قائد إذاعة الجيش يارون ديكل هدر دمي ببيان أصدره حول إبعادي عن العمل، وهو أمر لا يقل سوءًا عن التعقيبات الصفراء التي تعرضت لي وسأرد عليها بعدما تمر العاصفة؛ لأن هذا درس كبير حول مجتمعنا ومباني القوة التي تتيح هذا التصرف، وحول المجموعات المستضعفة وحدود حرية الرأي».

وتابعت إلملياح أنها لا تؤيد الدهس والعنف، بل عبرت عن رؤيتها للواقع الذي ترى فيه بعينيها كيف يتم حشر بعض السكان بالزاوية، وسرعان ما يتم اتهامهم بانتهاك القانون لأنهم يدافعون عن حقوقهم، والتاريخ مليء بأمثلة على ذلك. وأن «الظلم قائم اليوم ضد البدو في النقب».

الرازي بركاي.. وصف «الفلسطينيات الثكلى» يكلفه عمله

ذات يوم أراد مقدم برنامج «ما بوعير» وأشهر معدي البرامج الصباحية وأكثرها استماعًا، الرازي بركاي الحديث عن مصير الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في الحرب الأخيرة على غزة 2014، وهما هدار غولدن، وأرون شاؤول، فاستضاف عائلات فدائيين فلسطينيين نفذوا عمليات وعائلات قتلى إسرائيليين سقطوا نتيجة هذه العمليات في برنامجه الصباحي.

طرد من عمله بسبب انتقاده الجيش الإسرائيلي

الرازي بركاي، شبكات التواصل الاجتماعي

وخلال حديثه المباشر تساءل حول «إذا كان هناك فرق بين مشاعر العائلات الإسرائيلية وبين العائلات الفلسطينية، إذ إن جميعهم ما زالوا لم يتسلموا جثامين فلذات أكبداهم كي يدفنوها في مقابرهم، فمثلما أن (حماس) لا تريد تسليم جثث الجنود الإسرائيليين، فإن إسرائيل أيضًا لا ترغب في تسليم جثث منفذي العمليات (التخريبية)».

بيد أن هذه المقارنة عرضت بركاي لانتقاد لاذع جدًا، فصل على إثره من عمله وأخذ مكانه صحافي آخر هو أرئيل سيجال، من راديو «أمواج إسرائيل»، وذلك على اعتبار أن «المقارنة بين عائلات ثكلي إسرائيلية وبين عائلات قتلة أشرار، مؤلمة وشائنة وليست في محلها» كما عقب رئيس «الإذاعة الإسرائيلية» التي يعمل فيها بركاي.

وجاء في تقرير لصحفية «هآرتس» الإسرائيلية أنه: «كنا نتخيل أن هذه العاصفة الانتقادية ستزول، غير أنه بالأمس تبين ما هو الثمن الذي سيدفعه إعلامي مخضرم مثل رازي بركاي من جراء تفوهه بعبارات لا تتوافق مع الإجماع القومي الإسرائيلي. فقد تم تقصير مدة برنامجه الإذاعي الشهير من ساعتين إلى ساعة واحدة فقط».

ويضيف التقرير: «ما يحدث لرازي بركاي لا يتعدى أن يكون جزءًا صغيرًا من لغز كبير جدًا، ألا وهو أن راديو جيش الدفاع الإسرائيلي يعد اليوم بمثابة وسيلة إعلامية تخدم هيمنة (حزب الليكود) على إسرائيل».

«الجارديان»: بعد إلغاء العربية.. قرارات إسرائيل العنصرية جعلت العرب مواطنين درجة ثانية

المصادر

عرض التعليقات
s