قد يبدو غريبًا أن ينشغل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرغم من معاركه السياسية الداخلية المتعددة، في محاولة تشويه صورة رئيس حزب «البيت اليهودي» المتشدد، نفتالي بينيت. إذ طلب نتنياهو قبل أسابيع نشر مقال صحافي يسلط الضوء على قيام زوجة بينيت بالعمل طاهية في مطاعم تقدم طعامًا غير حلال حسب الشريعة اليهودية، وهو الأمر الذي يضر بصورة زوجها أمام ناخبيه المتدينين حسب ما أراد نتنياهو.

هذه الحادثة التي تمثل فضيحة داخلية لنتنياهو رد عليها بينيت قائلًا: «يا للأسف يا نتنياهو، لقد بذلت جهدًا واتصلت بمالك موقع «والاه» الصحفي للإضرار بزوجتي، هذا عمل حقير وجبان، يا للعار. لقد تزوجتُ من جيلات، امرأة رائعة، إسرائيلية من عائلة علمانية عريقة، وأقمنا عائلة متدينة صهيونية رائعة معًا».

«الحلال اليهودي» يُطارد نتنياهو  أينما حل أو نزل

في سبتمبر (أيلول) 2014، سارع نتنياهو بعد إلقائه خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى لقاء الرجل الأكثر سخاءً ودعمًا لدولته، إنه الملياردير الأمريكي شيلدون أدلسون، أحد أكبر المقربين للحكومة اليمينية المتطرفة.

Embed from Getty Images

نتنياهو يستلم من حاخام علبة من الماتزوث، خبز  يتناول في عيد الفصح

وفيما كان على الإسرائيليين النظر لهذا اللقاء باعتباره إنجازًا، سيحصد نتنياهو على إثره المزيد من الدعم والتأييد؛ أثار اللقاء غضب المتدينين اليهود في إسرائيل، وذلك لكون المطعم الذي تناول نتنياهو فيه وجبته يقدم طعام «غير حلال» يُحظر على اليهود تناولته. فقد أكل الصديقان في المطعم الإيطالي «Fresco by Scotto» بمانهاتن وجبة أضلاع لحم عجل، لكن نتنياهو أكد على التزامه بالأكل اليهودي الحلال وقال: «أنا أحرص على ذلك وهكذا أتصرف، وأعتقد أنّه من الصواب القيام بذلك، حتى كرئيس لحكومة إسرائيل، ولكن سوى ذلك، هكذا نتصرّف كعائلة يهودية».

عادت مثل تلك الضجة بعد نحو العام، وتحديدًا في أغسطس (آب) 2015، حين تناول نتنياهو مع نظيره الإيطالي ماتيو رينزي، الطعام في مطعم  «إنوتكا فينكيوري» الذي يقع في مدينة فلورنسا، وهو مطعم  يقدّم الأرانب، و القواقع وجراد البحر التي تعتبرها الشريعة اليهودية «مأكولات نجسة». ونقل عن مسؤولين متدينين بارزين  قولهم: «توقعنا من رئيس الحكومة الإسرائيلي الذي يمثّل في زيارة رسمية دولة اليهود أن يتصرّف بشكل رسمي وألا يتناول الطعام على العام في مطعم كهذا، توقعنا من نتنياهو أن يحفظ الكرامة للتراث وللدين اليهودي».

Embed from Getty Images

رئيس وزراء الاحتلال الراحل أرييل شارون يأكل كعكة  تؤكل تقليديا خلال عيد هانوكا اليهودي

ففي المطبخ اليهودي يعرف الطعام الحلال باسم «الكوشر»، ويقضى الالتزام به منع أكل الكائنات البحرية، عدا الأسماك التي يُسمح بتناول كل ذوي الزعانف والقِشْر منها. وكذلك يحظر على اليهود المتدينيين خلط منتجات الحليب بكافة أنواع اللحوم، ووفقًا للشريعة اليهودية يُحظر أيضًا تناول جميع الحيوانات عدا تلك المذكورة في التوراة، وهي البهائم والحيوانات التي لديها أظافر، أو الحيوانات المجترّة، أما بالنسبة للطيور فهناك قائمة بالطيور المحظورة للأكل في التوراة وسوى ذلك يُسمح بتناوله من الطيور.

ويصل الأمر لتحريم الحاخامية تشغيل «الأغيار» (غير اليهود) في أمور المطابخ، وحين يُدار المطبخ من مهنيين عرب يحظر عليهم إشعال الغاز، أو كهرباء الأفران، أو أن يُدخلوا الصواني إلى الأفران، لكن هذه الفتاوى ليست ثابتة، فعلى سبيل المثال، خرجت في مارس (آذار) 2018 تصريحات لحاخام إسرائيلي مختص في «قضايا الأخلاقيات الخاصة بالشريعة اليهودية» تجيز تناول لحم الخنزير المستنسخ، إذ قال يوفال شيلو: إن «تناول اللحم من حيوانات مستنسخة جينيًا حلال، وإن كانت من لحم خنزير تكون بعملية استنساخ جيني»، موضحًا أن الشريعة اليهودية لا تحرّم ذلك وفق اجتهاده، واستشهد للاستدلال على ذلك بحكم أكل مادة الجيلاتين المستخلصة من الحيوان، وأن كثيرًا منها مأخوذ من جلد الخنزير، التي حللها حاخامات لأنها تفقد طعمها ورائحتها بعد العملية.

سياسة

منذ سنة واحدة
«بيت النار» يخيف إسرائيل! الأفران الشعبية تقاوم التهويد بالقدس
537
ميرفت عوف

«الحلال اليهودي» ينتقل إلى الدول العربية

في يونيو (حزيران) عام 2015، تمكن مجموعة من العمال الأردنيين من حجز ستة إسرائيليين إثر احتجاجهم ضد صاحب العمل الذي يعملون معه في منطقة القويرة جنوب الأردن.

Embed from Getty Images

يأكل اليهود في كافتيريا تقدم 15 ألف وجبة كوشر

هؤلاء الإسرائيليون كانوا تابعين لهيئة يهودية تشرف على الحلال والحرام في الطعام اليهودي وتعرف باسم «مراقبو الحلال»، وقد تم احتجازهم بعد أن قدموا من إيلات إلى الأردن إثر نشوب نزاع بين صاحب العمل الذي يدير مصالحهم والعمال الأردنيين، ما جعل العمال يعلنون الإضراب، لكن سرعان ما تمكنت الشرطة الأردنية من تخليصهم.

يريد الإسرائيليين متابعة الأمر قبل أن يصل الطعام من الأردن للفنادق والمطاعم في إسرائيل، ولذلك يصل إلى منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين حاخامات يهود  بهدف التأكد من مطابقة الزراعة في تلك المناطق للشريعة اليهودية. فالمتدينون اليهود الراغبون في شراء تلك المنتجات الزراعية من أرض ليست إسرائيلية معنيون بالتأكيد أن تتم الزراعة حسب الشريعة اليهودية، وهو الأمر الذي فرضته اتفاقية «وادي عربة» بين الأردن وإسرائيل منذ عام 1994.

ولدوافع أمنية تطلب الشرطة الأردنية من الحاخامات تقمص شخصيات بدوية، لذلك يخلعون السراويل والقبّعات اليهودية، ثم يرتدون جلابية وكوفية، كما أنهم بادروا بتعلم بعض الكلمات العربية لتسهيل التحدث مع الأردنيين. ويبيت الحاخامات داخل الحقول في مكان محمي يحرسه الجيش الأردني.

وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» فأنه: «في صباح كل يوم أحد تتحرك في شوارع الأردن حافلة ركاب مليئة بالمسافرين اليهود بالزي البدوي مع الكوفية والجلابية البيضاء واللحى وجدائل الشعر المستعارة»، وتضيف الصحيفة: «هؤلاء هم المستعربون في حاخامية القدس ممن يصلون حقول جنوب الأردن، حيث يجري زرع خضراوات إسرائيل مطلع كل أسبوع، إضافة إلى زيادة رواتبهم مقابل المخاطرة».

Embed from Getty Images

منتجع في طابا

في مصر، لا تبدو الرواية مختلفة كثيرًا عن طريقة فرض الطعام الحلال اليهودي عنها في الأردن، إذ  تشير المصادر الإسرائيلية إلى أن جهود امرأة إسرائيلية اعتادت أن تزور سيناء قد أثمرت عن فرض  الطعام الحلال هناك، بدأت مبادرتها بالتنسيق والإشراف على حفلات تقدم الحلال اليهودي في المناسبات اليهودية، واستقطبت هذه المبادرة مئات الإسرائيليين الذين يبحثون عن الطعام الحلال خلال زيارتهم لمصر.

لكن وحسب قولها لم يكن بوسعها الاستمرار في ذلك وحدها، فتوجهت إلى منظمة «حاخامات تسوهر» المعنية بمراقبة الطعام الحلال في العالم، فأرسلت المنظمة مندوب لها إلى طابا، وتحديدًا إلى فندق «La Playa Beach Resort Taba» الذي وُجِد أنه يلائم معايير الحلال اليهودي فتم منحه شهادة ترخيص «كوشر»  بعد اختبار التزامه بمعايير الحلال التي وضعتها المنظمة.

ليصبح الفندق الذي يبعد عن الحدود مع إسرائيل 40 كيلومترًا مطعمًا حلالًا لليهود في مصر، وبالرغم من نص الشريعة اليهودية التي تمنع تناول طعام جرى طبخه على يد الأغيار،  تجيز فتوى يهودية أنه «إذا كان لدى صاحب المطعم العربي شهادة طعام حلال سارية من حاخامية معترف بها، يسمح بتناول طعامه». وقد أوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه «يمكن لجميع الإسرائيليين، العلمانيين والمتدينين، تقريبًا، أن يقصدوا شبه جزيرة سيناء من أجل قضاء عطلة».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
الصراع على الطعام أيضًا.. هكذا تسرق إسرائيل التراث الفلسطيني
1 2545
فريق العمل

وقد التزام المطعم بتخصيص  قاعة منفردة للأكل الحلال لليهود، كما أنه سيقوم بفصل أدوات الطعام لليهود المحافظين عن باقي الأدوات وفصل أدوات الحليب عن أدوات اللحم، وكذلك سيعمل في المكان «مشرف حلال» من قبل المنظمة اليهودية لضمان تطبيق الإجراءات.

هذه الخطوة التي وصفت بالإنجاز من قبل الإسرائيليين ستعمل على زيادة نسبة السياح الإسرائيليين المتدينين إلى شبه جزيرة سيناء، خاصة أن شبه الجزيرة بمثابة الوجهة السياحية المفضلة لدى الإسرائيليين لرخص أسعارها، ومن المفترض أن يعفى المتدينون اليهود من أخذ أكلهم الحلال وأدوات الطبخ  معهم.

وسيلة الحاخامية العليا لجني الملايين

يؤدي تطبيق شروط الحلال اليهودي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في إسرائيل لما بين 20% وحتى 30%، ويكون الارتفاع الأعلى من نصيب اللحوم، فحسب تقرير المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) فإن «1.2 مليار شيكل من أصل هذا المبلغ (حوالي 303 مليون دولار) هي كلفة مسالخ الطيور، و439 مليون شيكل (حوالي 110 مليون دولار) من مسالخ المواشي، و322 مليون شيكل (81 مليون دولار) من استيراد الأبقار، و209 مليون شيكل (53 مليون دولار) من قطاع الفنادق، و114 مليون شيكل من المطاعم، وقرابة 90 مليون شيكل من مرافق متعددة».

Embed from Getty Images

جماعة يهودية أرثوذكسية تقيم مهرجان كوشر في ألمانيا

أما فيما يخص الطعام المستورد من الخارج، فتفرض الحاخامية العليا لقبول إصدار شهادة الحلال اليهودي إرسال حاخامين من طرفها لمراقبة المسالخ في دول العالم، وهو قرار يزيد كلفة استيراد اللحوم على أنواعها بنسبة 30% على الأقل، فعلى سبيل المثال يستوجب استيراد اللحوم من أمريكا اللاتينية إرسال ما بين 10 إلى 14 رجل دين يهوديًا إلى كل مسلخ، ويكلف رجل الدين الواحد مبلغ يتراوح ما بين 6 آلاف إلى 7 آلاف دولار شهريًا، إضافة إلى تكاليف أخرى.

وبذلك فإن الكلفة الشهرية لاستيراد 500 طن من اللحوم المجمّدة تصل إلى 100 ألف دولار، بل قدّرت بعض الصحف صناعة الحلال اليهودي في الولايات المتحدة وحدها بـ17 مليار دولار، إذ وصلت نسبة المنتجات الغذائية التي تحمل ملصق «كوشر» أكثر من 40% من المنتجات الغذائية في أمريكا التي يشكل اليهود فيها  2% فقط من السكان.

أما الفنادق والمطاعم في إسرائيل والتي لا يمكنها الاستغناء عن شهادة الحلال اليهودي؛ لأن ذلك يحد من إمكانية استقبالها للسياحة الداخلية، فلها نصيبها من هذا الارتفاع؛ إذ ترفع كلفة إعداد الطعام الحلال كلفة السياحة الداخلية، فقد تصل التكلفة في الفنادق الكبيرة إلى مئات الآلاف سنويًا. فاستصدار شهادات الحلال في مطعم متوسط الحجم، يكلف ما بين 20 ألفًا إلى 40 ألف شيكل، خاصة أن الحاخامية العليا تفرض دفع راتب ثابت للحاخام مراقب الحلال، وفي أحيان يكون هناك أكثر من حاخام واحد.

وحسب التقديرات فإن كل واحد من الفنادق يدفع سنويًا حوالي 26 ألف دولار لمراقب حلال، ناهيك عن المبالغ التي تدفع عند تأسيس المطبخ، حيث تفرض زيادة عدد الثلاجات الكبيرة وغرف التبريد كي يتم الفصل بين الألبان والأجبان، وبين اللحوم، كما تجبر الفنادق على توفير شبكة كهربائية خاصة، قادرة على العمل وحدها أيام السبت، لتسخين الأطعمة التي لا يجوز طبخها في ساعات «السبت اليهودي» وغيرها من الشروط.

Embed from Getty Images

يهود أرثوذكس متدينون يعدون الماتزوه، وهو فطير تقليدي غير مخمر مصنوع يدويًا في عيد الفصح

أما الأمر المفاجئ، فهو ما يؤكده العاملون في قطاع الفندقية من أن تشدد الحاخامات على تلك المطاعم، لا يأتي فقط من الدوافع الدينية كما يدعون، إذ إن هناك دوافع اقتصادية تجارية، وهدف لخدمة مصالح فئوية يريد هؤلاء الاهتمام أولًا بتشغيلها.

وتنقل صحيفة «ذي ماركر» عن مصدر في قطاع الفنادق قوله: إن «بعض الفنادق الكبيرة تستطيع في أحيان عديدة تجاوز إملاءات الحاخامين بالتوافق، وإنه في أحيان كثيرة تجد أن الأنظمة والإملاءات تختلف من مكان إلى آخر في المدينة الواحدة. وهذا يظهر أيضًا من خلال المشروبات الكحولية التي يجوز إدخالها إلى المطاعم والفنادق الحاصلة على شهادات الحلال، فالغالبية الساحقة من المشروبات الكحولية مستوردة، وليست كلها حائزة على شهادة حلال».

ويبدو ذلك جليًا من حجم الأموال التي تحققها مداخيل الحاخامية العليا وحدها من إصدار شهادات الحلال اليهودي والتي تصل إلى 736 ملايين دولار سنويًا، فيما تبقى مداخيل المجالس الدينية التابعة للتيار الديني المتطرف «الحريديم» من الصعب تقديرها لكونها مخفية حتى عن أنظار سلطة الضرائب. هذا الفساد والاحتكار دفع العام الماضي الفنادق الإسرائيلية للجوء للقضاء من أجل كسر احتكار وإصدار شهادات الحلال للحاخامية العليا؛ تلك الحاخامية التي منعت  حتى الاعتراف بشهادات حلال لرجال دين يهود في الخارج معروفين لدى إسرائيل.

وجاء في تقرير مركز «مدار» أن «الحاخامية العليا تفرض مقاييس مشددة، لا تتطلبها أصول الحلال أصلًا، ويقول أصحاب ومديرو فنادق: إن الحاخامية تسيطر على قائمة الطعام لديهم، وتملي عليهم من يقدم الطعام، وماذا يتم تقديمه للضيوف. فعلى سبيل المثال تمنع الحاخامية تقديم التوت والتين، وفي المقابل تسمح بتقديم الفطريات، ولكن من إنتاج شركات محددة، أما في ما يتعلق بالفول، فيجب أن يكون من الصنف الأبيض والمفلوق».

تاريخ وفلسفة

منذ 8 شهور
عيد «هانوكا».. تعرف إلى المناسبة التي يحتفل بها اليهود منذ 22 قرنًا
1216
محمد صلاح

ويقول رئيس اتحاد المطاعم، شاي بيرمان أن: «الكثير من المطاعم تريد أن تعمل وفق الحلال، ولكنها ترتدع عن ذلك بسبب بيروقراطية الحاخامية العليا، وتصرف الحاخامين ومراقبي الحلال. الكثير من أصحاب المطاعم يشعرون أنهم رهائن لدى الحاخامية المحلية (في المدن والبلدات)»، ويضيف: «الترتيبات والإملاءات التي يفرضها الحاخامات علينا، ليست بالضرورة مرتبطة بأصول الحلال والمراقبة الحقيقية على الطعام. إنهم يملون علينا مع من نعمل، وبأي حجم عمل، وكم ندفع، والكل باسم الحلال، ولكن دون أية علاقة به».

المصادر

تحميل المزيد