ليس من السهل أن تفصح المؤسسة السياسية والأمنية وحتى العسكرية الإسرائيلية عن آلياتها المتبعة عند اتخاذ قراراتها المتعلقة بـ”الأمن القومي”، خاصة وأن هذا المصطلح شكل هاجسًا كبيرًا لها، بسبب ارتباطه الوثيق بالاعتبارات والقرارات العسكرية المحاطة بسرية شديدة.

وحول طبيعة هذه القرارات “القومية الأمنية” ثمة تساؤلات تستحق الطرح حول نشأة الأمن القومي، وسماته، ودور النظام السياسي الإسرائيلي في عملية صنع القرار، وأبرز مهام معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.

نشأة مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي

طرأ على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي, بعض التعديلات نتيجة الحروب العربية- الإسرائيلية، والمتغيرات والمعطيات الجغرافية والسـياسـية الناجمة عنهـا، وما تغيَّر عبر هذه السنوات, فقط أدوات تحقيق هذا الأمن, ولكن ليس بمعنى التغيُّر الكامل أو الإحلال, وقد تطور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عبر عدة مراحل:

المرحلة الأولى: اقتصر على مفهوم “الضربة المضادة الاستباقية”، الذي كان يرتبط بانعدام العمق الاستراتيجي لإسرائيل, وينطلق هذا المفهوم من مقولة مفادها أن من الحيوي عدم السماح مطلقًا بأن تدور الحرب في أرض إسرائيل.

المرحلة الثانية: أخذ يتطور المفهوم بناء على نظرية “الحدود الآمنة”، وهي نظرية وضعت أسسها قبل 1967م, لكنها تبلورت بعد حرب 1967م، وقد شرحها “آبا إيبان” وزير الخارجية آنذاك, بأنها نظرية تقـوم على حدود يمكن الدفــاع عنهــا, دون اللجــوء إلى حرب وقائية.

المرحلة الثالثة: حينما أثبتت حرب 1973م فشل معظم نظريات الأمن الإسرائيلي المكانية, وهو ما استدعى تكوين نظرية جديدة, هي نظرية “ذريعة الحرب”، وتذهب هذه النظرية إلى أن إسرائيل, لن تتمكن بأي شكل من الأشكال “من الامتناع عن تبنِّي استراتيجية الحرب الوقائية وتوجيه الضربات المسبقة” في حال تعرُضها لتهديد عربي.

أبرز السمات التي منحت إسرائيل تمسكها بالأمن القومي

أولاً: خاضت إسرائيل حروبًا أكثر من أي دولة أخرى في العالم، منذ إنشائها في عام 1948 وحتى اليوم، وغيرت حدودها.

ثانيًا: لم تعتبر إسرائيل نفسها منذ إنشائها دولة عادية كباقي الدول، لا من حيث المكانة ولا من حيث الدور، وأسست أمنها القومي على فرضية ضرورة تفوقها العسكري على جميع الدول العربية.

ثالثًا: افترضت إسرائيل، وما تزال تفترض، أن هناك خطرًا على وجودها، على الرغم من تفوقها في الأسلحة التقليدية واحتكارها السلاح النووي منذ أكثر من أربعة عقود، وامتلاكها ترسانة نووية كبيرة تضعها في مصاف الدول الأولى.

رابعًا: ازداد إنفاق إسرائيل على الأمن وتعاظم من حرب إلى أخرى، وباتت حصة الفرد الإسرائيلي في ميزانية الأمن من أعلى النسب في العالم.

خامسًا: يحتل الأمن القومي الإسرائيلي، وخاصة الصراع العربي- الإسرائيلي، المكانة الأبرز والأهم في وسائل الإعلام، ويشكل المعيار الأكثر تأثيرًا في تحديد مواقفهم من هذا الحزب أو ذاك.

النظام السياسي الإسرائيلي وعملية صنع قرارات الأمن القومي

يتميز النظام السياسي في إسرائيل بكثرة الأحزاب السياسية وبعدم تمكن أي حزب سياسي من الحصول على أغلبية في الكنيست منذ تأسيس إسرائيل وحتى اليوم، لأسباب تعود إلى طبيعة إقامة مجتمع المستوطنين والمهاجرين الصهيونيين في فلسطين، وكذلك إلى تبني إسرائيل نموذج نظام الانتخابات النسبي وتدني نسبة الحسم، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام الأحزاب الصغيرة والمتوسطة للحصول على تمثيل في الكنيست.

وينص قانون الأساس للحكومة، الذي سنَّه الكنيست في عام 1968، أن الحكومة الإسرائيلية هي السلطة التنفيذية للدولة، وتقوم بمهامها بعد حصولها على ثقة الكنيست، وهي مسؤولة أمامه مسؤولية جماعية، وتتألف من رئيس الحكومة ووزراء آخرين.

ويشار إلى أنه لا يوجد في قانون الأساس للحكومة إشارة واضحة إلى عملية صنع القرارات التي تخصّ الأمن القومي. وهناك بند يتطرّق بصورة غير مباشرة إلى هذه المسألة، حيث ينص هذا البند على أنّ “من صلاحية الحكومة العمل بمساعدة لجان وزارية دائمة أو مؤقتة في مواضيع”.

طبيعة اللجنة الوزارية لشؤون الأمن في إسرائيل

تألفت هذه اللجنة أول مرة في عام 1953، وكان اسمها لجنة الوزراء لشؤون الخارجية والأمن، وظلت سنوات طويلة هامشية وغير مهمة في عملية صنع القرارات، حيث أصر رئيس الحكومة ووزير الدفاع حينئذ دافيد بن غوريون على عدم طرح قضايا الأمن على بساط بحثها.

وإمعانًا منه في تهميشها لم يكن بن غوريون يحضر اجتماعاتها، باستثناء شهور عدة في سنة 1955، وقد تغير دور هذه اللجنة وأهميتها واسمها في عام 1961، عندما استجاب دافيد بن غوريون لضغوط حزب “احدوت هاعفوداه” وألف “لجنة الوزراء لشؤون الأمن”، حيث تضاعفت أهمية هذه اللجنة عندما أصبح ليفي اشكول رئيسًا للحكومة ووزيرًا للدفاع في حزيران/ يونيو 1963.

مكونات مجلس الأمن القومي الإسرائيلي

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي موشي يعالون

أسس مجلس الأمن القومي بقرار من حكومة بنيامين نتنياهو الأولى في عام 1999 باعتباره مؤسسة تابعة لديوان رئيس الحكومة، وكان الهدف من تأسيسه أن يصبح مجلس الأمن القومي الهيئة التي تعد الاستشارة والمعلومات والتحليلات، وتقدمها إلى رئيس الحكومة والحكومة في القضايا التي تخص الأمن القومي.

ويستمد مجلس الأمن القومي صلاحياته من الحكومة، ويعمل وفق التعليمات المباشرة لرئيس الحكومة، ويتبع رئيس مجلس الأمن القومي رئيس الحكومة مباشرة، كما يعمل مستشارًا لرئيس الحكومة في قضايا الأمن القومي.

إلى جانب، منصب رئيس الحكومة هناك في الدول العادية منصبان مهمان في عملية صنع قرارات الأمن القومي، هما وزير الدفاع ووزير الخارجية، ولكن لا تحتل وزارة الخارجية في إسرائيل أهمية في عملية صنع القرارات التي تخص الأمن القومي.

ويعزى ذلك إلى أن علاقات إسرائيل الخارجية تخضع للأمن ومؤسسته، فإن “مفهوم العلاقات الخارجية السائد بين النخب والرأي العام في إسرائيل هو مفهوم استقوائي أساسًا، ويعطي أفضلية للاعتبارات الاستراتيجية على الاعتبارات الدبلوماسية.

عوامل تأثير المؤسسة العسكرية في قرارات الأمن القومي

ينبع التأثير الحاسم للمؤسسة العسكرية في عملية صنع القرارات التي تخص الأمن القومي من مجموعة عوامل أهمها المشاركة في الاجتماعات، والتي يطلق عليها مطبخ صنع القرارات، حيث تشارك المؤسسة العسكرية مشاركة فاعلة في نوعين من اجتماعات عملية صنع القرارات التي تخص الأمن القومي، فضلاً عن احتكار هيئات الجيش للمعلومات وقراءة الواقع، وجنرالات الجيش للمناصب السياسية العليا.

ومن بين العوامل أيضًا أ

تأثير العقيدة العسكرية في القرار السياسي، والحكم العسكري في المناطق المحتلة والتأثير في قرارات المحكمة العليا في قضايا الأمن القومي، فضلاً عن التأثير في الرأي العام ووسائل الإعلام.

مهام معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي

رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد الجنرال غازي آيزنكوت

معهد دراسات الأمن القومي “INSS” هو معهد أبحاث إسرائيلي تابع لجامعة “تل أبيب”، للتعامل في مجالات شؤون الأمن القومي مثل الجيش والشؤون الاستراتيجية والصراع منخفض الحدة، والتوازن العسكري في الشرق الأوسط، والحرب الإلكترونية.

والمعهد برئاسة الميجر جنرال غادي آيزنكوت، والذي تم تعيينه خلال الأيام القليلة الماضية، بدلاً من بنيغانتس رئيس الأركان الحالي الذي تنتهي ولايته في شباط عام 2015.

واعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعالون أن آيزنكوت الذي يتولى حاليًا منصب نائب رئيس الأركان هو أفضل خيار للتعاطي مع التحديات الأمنية المعقدة التي تواجه إسرائيل.

المصادر

تحميل المزيد