تسخر إسرائيل العديد من عتادها المالي والسياسي لتبني وجهات نظرها في صراعها المستمر مع الفلسطينيين منذ عقود عدة، وإن كلف الأمر قلب الحقائق أو تزييفها، والتي من شأنها تهيئة الرأي العام لتقبل سلوكها السياسي والعسكري على أرض الواقع.

كل ذلك، تمارسه إسرائيل عبر منظومة دعائية تحمل في طياتها أساليب وأدوات وأشكالًا عدة لتوجيه الرأي العام الغربي حسب مفاهيمها وسياستها، على غرار ما تصنعه في الداخل، والمجتمعات العربية.

سنتعرف في التقرير التالي على طبيعة الدعاية الإسرائيلية المعمول بها في الغرب، وأبرز أدواتها وأساليبها، إلى جانب جملة من الأمثلة الدالة عليها، ومن الذي يقف وراءها.

لا بد من الإشارة هنا، إلى التعرف على مصادر الدعاية الإسرائيلية بشكل عام، والتي تتلخص في ثلاثة مصادر هي:

أولًا: التوراة وما يرتبط بالدعاية اليهودية من معتقدات ومبادئ تقليدية

حيث تعد الديانة اليهودية وتعاليم التوراة من المصادر الرئيسية للدعاية اليهودية من أجل التحكم بوعي الجماهير واستغلال الكادحين، عبر شعارات أهمها الاستقلال الذاتي لليهود، الشعب اليهودي المختار، الحرب المقدسة، إسرائيل التوراتية، وغيرها.

ثانيًا: فلسفة وآراء المفكرين الإمبرياليين والعنصريين

نهج زعماء إسرائيل نهج الفيلسوف فريدريك نيتشه وعنصريته وكرسوها في كتبهم ومقالاتهم وأعمالهم، خاصة تأييدهم لأقوال زعيمهم الروحي “تيودور هرتزل”.

ثالثًا: الأفكار الفلسفية للصهيونية الثقافية

يتمحور هذا المصدر حول ما يسمى بالاشتراكية الصهيونية وشعاراتها المزيفة، مثل الهستدروت، الكيبوتسات، اشتراكية دولية، اشتراكية صهيونية، ديموقراطية شعبية، وكلها تهدف إلى تخريب الصراع الطبقي في إسرائيل.

رابعًا: الآراء الفلسفية للصهيونية الثقافية

وهي واحدة من مصادر الدعاية الرئيسية في إسرائيل، حيث تبوأت مكانة بارزة في الفكر الصهيوني المعاصر، وركز دعاتها على شعارات “الروح القومية الأبدية، والشعور المشترك اليهودي، وحقوق الفرد اليهودي، ورسالة الشعب اليهودي”.

أبرز ما تتناوله الدعاية الإسرائيلية في المجتمع الغربي

  1. إشاعة الاعتذارات الإسرائيلية المختلفة عن أن اليهود شعب عضوي غربي أبيض، أو شعب يهودي خالص، حيث إن الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر “أمة يهودية” واحدة, لا بد من جمع شمل أعضائها لتأسيس دولة يهـودية في فلسـطين.
  2. ركزت الدعاية الإسرائيلية في الغرب، على محاولة إعادة إنتاج صورة اليهودي, حتى يمكن توظيفه في خدمة المشروع الصهيوني, فاليهودي إنسان لا جذور له، وهو مُضطهد بشكل دائم عبر التاريخ.
  3. توجهت إلى الجماعات اليهودية, لتوضح لها أن وجودها في عالم الأغيار, يتهددها ويهدد هويتها بالخطر, مع التركيز على دعوة اليهود للخروج من “الجيتو”, والهجرة إلى إسرائيل.
  4. ركزت على قضية العداء الأزلي لليهود, وعلى الإبادة النازية لليهود والستة ملايين يهودي، وهي تهدف من هذا إلى ابتزاز العالم الغربي, وتبرير عملية اقتلاع الفلسطينيين من بلادهم.
  5. وفيما يختص بالتغول الإسرائيلي داخل أراضي الضفة المحتلة عبر اقتلاع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية للفلسطينيين، وهدمها، وإقامة مستوطنات بدلًا منها، على اعتبار أنها حق للمستوطن الإسرائيلي.
  6. أما فيما يتعلق بالحروب التي شنتها إسرائيل خاصة في السنوات القليلة الماضية، تسبقها كالعادة حرب إعلامية ودعائية، مع التركيز عن أنها تأتي في إطار حماية المستوطنين المتواجدين في المناطق الجنوبية على الحدود مع القطاع، وأنها تستهدف “حماس”، دون التركيز على حجم الخسائر والدمار.

أساليب الدعاية الإسرائيلية في الغرب

أولًا: المحاضرات

حيث ينظم الإسرائيليون العديد من المحاضرات لتلقى على آذان المستمعين الغربيين، لاستمالة العطف عليهم، عبر شخصيات دينية معروفة من الداخل الإسرائيلي.

ثانيًا: الصحافة

عبر نشر حقائق مزيفة عن الفلسطينيين، في العديد من المجلات والصحف الغربية، والتي تشوه صورة الفلسطينيين أمام الرأي العام الغربي.

ثالثًا: الكتب

اهتم الإسرائيليون بتأليف الكتب التي تشرح القضية الفلسطينية من وجهة نظرهم، مع تحريف الحقائق التاريخية، بل واتجه الإعلام الإسرائيلي إلى طبع الكتب التي تحتوي الصور الجذابة عن إسرائيل، وتوزيعها كما توزع الكتيبات على القراء الغربيين بالمجان.

رابعًا: الراديو والتلفاز

والمتعارف عليه أن إسرائيل تسيطر على أكبر المراكز الإذاعية والتلفزيونية في الولايات المتحدة، والتي تزود باقي المحطات، إضافة إلى امتلاكهم لعدد كبير من محطات الإذاعة المحلية في عدد من الولايات المتحدة.

خامسًا: السينما

عمل الإعلام الإسرائيلي على استغلال السينما من أجل الحصول على المزيد من التعاطف مع اليهود، وذلك عن طريق إعداد الأفلام العديدة عن اليهود وأفران الغاز والهولوكوست، كما أنها عملت على تغيير الحقائق المتعلقة بالقضية العربية والصراع العربي الإسرائيلي من خلال عرضها لأفلام تقلب المفاهيم.

سادسًا: المعارض والمتاحف

استغل الإعلام الإسرائيلي المتاحف والمعارض لعرض أفكاره، بالإضافة إلى عرض المآسي التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين.

سابعًا: الهدايا

حيث تهتم الشخصيات الإسرائيلية بإهداء الهدايا للدول والمؤسسات والأفراد المسؤولين في مختلف المرافق، الأمر الذي يساعد الدعاية الإسرائيلية على العمل بمزيد من الحرية.

ثامنًا: المؤتمرات الدولية

تعتبر المؤتمرات من أفضل الفرص لنشر الدعاية الإسرائيلية، حيث يستثمرها الإعلام أفضل استثمار بإرسال مندوبين أكفاء يحسنون تمثيل إسرائيل أحسن تمثيل، وكما يتقنون القيام بالدعاية لها بفن ونظام.

تاسعًا: جمعيات الصداقة الإسرائيلية- الأجنبية

مثل إلقاء المحاضرات عن أهمية وجود إسرائيل في الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا، وإرسال البرقيات المؤيدة لوجهة النظر الإسرائيلية.

كيف يتعاطى الإعلام الغربي مع الدعاية الإسرائيلية؟

“فوكس نيوز” إحدى القنوات الإعلامية الأمريكية الداعمة للسياسة الإسرائيلية

لا بد من التنويه إلى وجود فرق واضح بين الشق الأمريكي من الإعلام الغربي والشق الأوروبي، عند تعاطيهما مع الدعاية الإسرائيلية، على الرغم أنهما ينتميان إلى عالمين يعملان على أرضية رأسمالية متشابهة ومختلفة في الوقت نفسه.

لذلك، ما يقوله الإعلام الأمريكي في محطات مثل “فوكس نيوز” وغيرها ممن تنتمي إلى أحزاب يمينية، أسوأ أحيانًا مما يقوله الإعلام الإسرائيلي نفسه عن إسرائيل وسياساتها العنصرية ضد العرب والفلسطينيين، كما يرى مراقبون.

وبالتالي، نجحت إسرائيل في ذلك إلى حد كبير بداية، إذ اعترفت بها الدول الكبرى وأثنت على تأسيسها، بل ودعمتها بقوة على حساب الحقوق العربية الفلسطينية، السياسية والإنسانية؛ وجاء الدعم والاحتضان الغربي لإسرائيل في سياقات عديدة.

ومن أبرز هذه السياسات، أن إسرائيل نجحت في تسليط الضوء على معاناة اليهود في أوروبا وما لحق بهم من دمار وجودي ونفسي غير إنساني على يد النازية واللاسامية، ما أكسبها تعاطف الكثيرين من الغربيين الذين شعروا بالذنب حيالهم.

وتبلور هذا التعاطف أكثر في سياق الصور النمطية السيئة عن العرب في الغرب، حيث لم يخطر على بال الكثيرين أن للعرب ثقافة وتاريخًا عريقين، وبأن أرضهم، أي فلسطين، ليست كما صورها غلاة الصهيونية وأبواقها، خاليةً أو تنتمي إلى شعب لا يستحقها، وغير ذلك من الادعاءات والافتراءات الممقوتة.

وثمة من يرى أن الإعلام الغربي الأمريكي أكثر تغولًا وغباءً، في أحيان كثيرة، فيما يتعلق بإسرائيل؛ هناك تأييد أيديولوجي أعمى عميق لها، حتى لأعمالها الأشد عدوانية، فيما تجد في الإعلام الأوروبي بشكل عام تعاطفًا وتفهمًا أكبر للقضية الفلسطينية.

وبالتالي، نجد في الإعلام الأوروبي انتقادًا أكبر لإسرائيل في قنوات كثيرة، مثل “القناة الرابعة” في بريطانيا، وجرائد ليبرالية إلى حد ما، مثل “الغارديان” و”الإندبندنت”، ولذلك فإنه من الصعب التعميم التام، أو حتى شبه التام.

الدعاية الإسرائيلية حية في الإعلام الغربي، لكن ليس بالصورة التي كانت عليها في الماضي، حيث كانت مسيطرةً سيطرةً شبه تامة، ولم يكن للعرب نصيب إعلامي من الفهم الغربي للقضية الفلسطينية ولحقوق الفلسطينيين في أرضهم وعليها.

من يدير عمليات الفبركة للدعاية الإسرائيلية

أولًا: موقع ديبكا الإخباري

موقع ديبكا الإسرائيلي

 

وهو موقع لتحليل الأخبار العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وطرح نظريات المؤامرات ونشرها، والترويج للأخبار المفبركة والكاذبة من أجل خدمة مصالح النظام الإسرائيلي، حيث بدأ العمل في صيف 2000.

وتتميز الأخبار “التي أكثرها كذب وفبركة” في هذه الوكالة بأن يتم نسبتها إلى “مصادر مجهولة” أو “مصادر لا تعرف عن نفسها”، وبالتالي تنقل بعض المواقع العربية الأخبار من تلك الوكالة، وتصدقها وتطلق الأحكام بناءً عليها!

ويتبنى محررو الموقع مواقف يمينية متطرفة من الصراع العربي الإسرائيلي، وتغذيته بأخبار ومواد نشرت في الصحف الأمريكية أو أنها وردت في كتب صدرت حديثًا، معتمدين على حقيقة أن المتصفحين لا يتمكنون في الغالب من متابعة ما تنشره دور النشر وكل الصحف.

وينشر محررو الموقع موادًا باللغة الإنجليزية لأنه يتلقى دعمًا ماليًّا سخيًّا من جهات أمريكية يهودية، على اعتبار أن المواد التي تنشر باللغة الإنجليزية تخدم الخط الدعائي للوبي اليهودي.

ثانيًا: معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط “ميمري”

العقيد الإسرائيلي عيقال كارمون مؤسس وكالة ميمري

 

وهي وكالة مقرها واشنطن ولا تهدف إلى الربح المادي، وتحصل على دعمها من عدة مؤسسات ووكالات مرتبطة بإسرائيل واللوبي الإسرائيلي، حيث تأسست عام 1998، واشتهرت بشكل كبير بعد هجمات 11 سبتمبر.

أسسها سبعة ضباط عسكريين سابقين بالقوات الإسرائيلية وعلى رأسهم “عيقال كارمون”، وهو عقيد إسرائيلي خدم في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية منذ 1968 حتى 1988، حيث وجهت إلى وكالته عدة اتهامات غير رسمية بالكذب وتحريف الكلام من خلال الترجمة.

تقوم هذه الوكالة الصهيونية باقتباس واختيار الأخبار والمقالات واللقاءات من القنوات والصحف والمجلات والمواقع العربية بطريقة اختيارية، ثم ترجمتها وتحريف بعض الكلام فيها، ثم نشرها باللغة الإنجليزية بهدف تشويه صورة العرب وتحسين صورة إسرائيل.

بعض الأمثلة الواقعية على التضليل الإسرائيلي للحقائق الفلسطينية في الغرب

كثيرة هي الأمثلة التي تبين زيف وكذب الإسرائيليين في قلب الحقائق الفلسطينية، وتشويه صورة الفلسطينيين أمام الرأي العام، ومن أبرز هذه الأمثلة:

حظر بريطانيا لإعلان إسرائيلي مضلل عن القدس:

مظاهرة مؤيدة للحقوق الفلسطينية ومناهضة لإسرائيل في بريطانيا

 

حظرت هيئة رقابة الإعلانات البريطانية قبل أيام قليلة إعلانًا قالت إنه مضلل وقد يدفع الناس لاتخاذ قرارات غير مناسبة، حيث تحاول إسرائيل من خلاله الترويج للقدس الشرقية كجزء منها، متفهمة في الوقت نفسه أن وضع الأراضي التي تتعلق بهذه المسألة يثير نزاعات دولية متكررة.

وبينت أن عرض الإعلان من شأنه تضليل الجمهور ودفعه للاعتقاد أن البلدة القديمة من القدس الشرقية هي جزء من إسرائيل، مما يدفعه ربما لاتخاذ قرارات ما كان ليتخذها لو كان الوضع خلاف ذلك.

ويظهر الإعلان الذي صور على شكل بانوراما وربط النص بالصورة أن البلدة القديمة بالقدس الشرقية هي جزء من دولة إسرائيل، حيث يهدف إلى الترويج السياحي بهدف حث السياح على زيارة هذه الأماكن.

ويرى مراقبون أن مكتب الترويج السياحي الإسرائيلي أظهر مرة أخرى أنه ذراع دعاية للحكومة الإسرائيلية، وأن منشوراته لا يمكن الوثوق بها أو التسليم بمحتواها، وأن الجهة الرسمية الإسرائيلية لديها سجل حافل بتضليل الجمهور، وبالتالي تم حذف الإعلان من قبل هيئة معايير الإعلان في المملكة المتحدة.

2-استقالة إعلاميين أجانب لنقدهم السياسة الإسرائيلية

المذيع في قناة “سي إن إن” جيم كلانسي والذي قدم استقالته مؤخرًا

 

في يناير الماضي، قدم جيم كلانسي المذيع المخضرم في قناة “سي إن إن” استقالته، بعد أن وجه انتقادات لإسرائيل في حسابه في موقع “تويتر”، على خلفية الهجوم على مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية في السابع من يناير المنصرم.

وكان كلانكسي قد لمح إلى تحريض إسرائيل للفرنسيين لزيادة الهجمات والضغوط على المسلمين، قائلًا: “إن الدعاية الإسرائيلية تتحمل جزءًا من مسؤولية الهجوم”.

إضافة إلى استقالة “جيم كاريتون” من صحيفة “سيدني مورنينغ نيوز” الأسترالية بعد أن انتقد ضربات إسرائيل الدموية في غزة الأخيرة.

3- التضليل وقت الحروب

قصف إسرائيل على مدرسة للأونروا خلال الحرب الأولى على غزة

 

خلال الحرب الأولى على قطاع غزة أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009م، كان الأربعيني “أحمد سمور” يحمل في شاحنته التي كانت تقف بجانب مبنى الهلال الأحمر بغزة، أنابيب أوكسجين، بيد أن جيش الاحتلال الذي كان يقصف غزة بعنف وشراسة اعتبرها صواريخ غراد فدمرها وقتل ابنه عماد وآخرين.

حينها بثت قنوات التلفزة الإسرائيلية والأجنبية صورًا جوية مصدرها الناطق بلسان الجيش “أفيخاي أدرعي” تزعم أن الطائرات الحربية استهدفت شاحنة في غزة محملة بالصواريخ.

وفي الحرب نفسها، وحينما قصفت إسرائيل مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” شمال قطاع غزة، وأوقعت خلالها العشرات من الشهداء والجرحى، تواترت عبر وسائل الإعلام الغربية وفقًا للرواية الإسرائيلية أن مقاتلين كانوا داخل المدرسة ويحملون صواريخ ضد إسرائيل.

إضافة إلى ما حققته ماكينة الدعاية الإسرائيلية من مكاسب كبيرة في الصحافة الغربية من نشرها صورة الطفل الفلسطيني الرضيع بحزام متفجرات، عام 2002، حيث لم يفلح الفلسطينيون في إزالة أثر الدعاية الإسرائيلية، واكتفوا بنفي وجودها.

وكانت إسرائيل قد زعمت أن قواتها عثرت على هذه الصورة خلال عمليات التفتيش التي قامت بها في إحدى المدن الفلسطينية، في حين لم تذكر أن قواتها أعادت احتلال جميع المدن وحبست مليون فلسطيني في منازلهم، وحرمت الأطفال الفلسطينيين من مدارسهم.

المصادر

تحميل المزيد