لم تقف العلاقات الإسرائيلية الروسية على ثبات، فهي تعيش حالة من التوتر تارة، وأخرى من الاستقرار، بحكم المصالح المتبادلة بين البلدين منذ وقت طويل، والمرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما يجري في المنطقة العربية والإقليمية، خاصة الأزمتين السورية والأوكرانية.

تنوعت العلاقات بين البلدين لتشمل مجالات السياسية، والاقتصاد، والأمن، والتجارة، حيث أقيمت أول علاقات بينهما في مايو/آيار عام 1948، لكنها انقطعت عام 1967 بسبب رفض”إسرائيل” وقف إطلاق النار في حرب حزيران مع العرب، لتشهد بعدها استعادة حقيقية عام 1991.

وترغب روسيا في الحصول من إسرائيل على طائرات بدون طيار، والتعاون مع إسرائيل في المجال التكنولوجي، ولكن هذا التعاون في المجالات المختلفة بينهما لم يؤثر حتى الآن في التوجهات الإستراتيجية لروسيا، ولم يؤثر في موقفها من الصراع العربي – الإسرائيلي.

و تحتفظ روسيا بعلاقات إستراتيجية وسياسية بكل من إيران وسوريا، وتتعاون مع الأولى في مجال الطاقة النووية السلمية وتعارض ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وترى في العقوبات المفروضة على إيران من قبل الغرب الطريق الوحيد لمعالجة الملف النووي الإيراني.

ويقطن في “إسرائيل” ما يزيد عن مليون واحد ممن ينحدرون من أصول روسية، مما يشكل ذلك عاملًا مهما في الحفاظ على العلاقات الثنائية بينهما، وما عزز هذا الأمر هو الزيارات المتبادلة بين الطرفين منذ عام 2005 وحتى 2009، حتى أنه عام 2005 وقعا معاهدة إلغاء نظام منح تأشيرات الدخول بينهما.

تعاون واسع

توسعت العلاقات بين روسيا و”إسرائيل” على إثر توقيع اتفاقية عام 1994، والتي تمنح كل منهما نظام الأفضلية القصوى في التجارة وتشكيل اللجنة الروسية الإسرائيلية المشتركة الخاصة بالتعاون التجاري والاقتصادي.

سارعت “إسرائيل” إلى إصلاح علاقتها بروسيا، بعدَ أن وضعت الحرب أوزارها بين روسيا وجورجيا في أغسطس 2008 مباشرة، والتي اتُّهِمت فيها بالوقوف إلى جانب جورجيا ودعمها، فقام رئيسُ الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت بزيارة رسميَّة إلى روسيا، بعد شهرين فقط مِن انتهاء حرْب جورجيا؛ للبحث في كيفية رأْبِ الصدْع الذي أصاب العلاقاتِ بين البلدين وإصلاحها، ولكن الغريب أنَّه – باستثناء سورية – لم تستثمرِ الدول العربية هذا الحدثَ في محاولة تطويرِ علاقاتها بروسيا بعدَ الحرب.

لكن التطور السريع للعلاقات الإسرائيلية – الروسية، جاء بعدما تُوِّج مؤخَّرًا بزيارة الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف لموسكو عام 2009، إلى أماكن طائرات “هيرمس” “وهي طائرات بدون طيَّار، إسرائيلية الصنع، تَرغَب روسيا في الحصول عليها”، وصواريخ إس 300 ” وهي صواريخ روسيَّة، سطح – جو مضادَّة للطائرات”، وجرى تبادلها بين البلدي

ويشار إلى أن ما نسبته 45-55% من إجمالي التصدير الإسرائيلي تعود إلى قِطع الألماس غير المعالجة ويشغل النفط ومشتقاته مكانة هامة في التعاون بمجال الطاقة “نسبة 30-40% من إجمالي التصدير الروسي إلى “إسرائيل”.

وفقًا للمتغيرات

الجنرال الروسي “ايفانشوف” مدير الأكاديمية للقضايا الجيو سياسية الروسية يري أن بلاده عند تنفيذ تعاونها العسكري مع حلفائها “سورية وإيران”، تأخذ بعين الاعتبار مصالح “إسرائيل” وأمنها، معللًا ذلك بأن روسيا تبقي عينها على “إسرائيل” لوجود نحو مليون شخص ناطقين باللغة الروسية تحاول موسكو الاستفادة منهم ومن خبراتهم بعد هجرتهم إلى إسرائيل عام 1990 م.

في المقابل فإن صحيفة” يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية نقلت عن الخبير الإسرائيلي في الشؤون الروسية” ألكس تنتسر” قائلا: “إن روسيا ترى إسرائيل شريكة في قضايا حساسة، وأنه على خلفية ذلك قررت روسيا فتح خط هاتفي مشفّر بين مكتبي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، ويأتي تعزيز العلاقات بين الجانبين في ظل توتر العلاقات الأميركية – الروسية على خلفية الأزمة الأوكرانية”.

وتابع “أليكس” إن رغبة روسيا في فتح خط ساخن بين بوتين ونتنياهو تدل على أن روسيا ترى في بإسرائيل شريكة في السر وتريد ألا يتدخل الأميركيون في قضايا حساسة متعلقة بكلتا الدولتين وألا يمنعوا إسرائيل من التقرب من روسيا”.

وأضاف أن “روسيا تشعر بأنها قريبة من القيادة الإسرائيلية، والروس يريدون التحدث مع إسرائيل من دون أن يتنصت عليهم أحد، وخاصة الولايات المتحدة”.

ويشار إلى أن هذا التقارب بين روسيا وإسرائيل يأتي في ظل أزمة بين روسيا وبين الولايات المتحدة والدول الغربية عمومًا في أعقاب الأزمة الأوكرانية، لاسيما وأن ” إسرائيل” هي إحدى الدول القليلة التي لم تندد في دخول روسيا إلى شبه جزيرة القرم، كما أنها امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة على قرار يندد بروسيا.

تصحيح التوازن

يجمع بين روسيا وإسرائيل اهتمام كليهما بالإرهاب الدولي، والخوف من التيارات الإسلامية المتشددة والمتطرفة، فلكل من روسيا و”إسرائيل” “إرهابيون” من وجهة النظر الروسية والإسرائيلية، و لدى روسيا أيضا المتطرفون الشيشانيون، الذين يطالبون بالانفصال عن روسيا الاتحادية.

ولدى ” إسرائيل” ” إرهابيون” وفق وجهة النظر الإسرائيلية المتمثلون في “حماس والجهاد الإسلامي” تحديدًا، واللتين تعتقد إسرائيل أنهما تتلقيان دعمًا إيرانيًا وسوريًا، بيد أن وجهة النظر الروسية فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين والحركات الأصولية المتشددة تختلف إلى حد كبير عن وجهة النظر الإسرائيلية؛ فالأخيرة هي جزء لا يتجزأ من وجهة النظر الغربية والأمريكية تحديدًا، والتي تلصق الإرهاب بالدين الإسلامي خاصة بعد 11 سبتمبر 2001.

وروسيا كقوة كبيرة تحاول استعادة دورها ومكانتها بين الأمم ولها طموحات كبرى في تعزيز أمنها القومي وتدعيم الاتحاد الروسي، ولعب دور أكبر على الساحة الشرق أوسطية والعالم الإسلامي.
بينما إسرائيل لم تتخل عن دورها كحليف للغرب وانتقل ولاؤها من بريطانيا وفرنسا، وهما القوتان الاستعماريتان التقليديتان، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتستند على الدعم الأمريكي العسكري والسياسي وتأثير الجاليات اليهودية واللوبيات اليهودية في أمريكا وأوروبا.
ويتوقع العالم العربي أن تتعمق روابط روسيا مع الدول العربية، وأن يساهم الاتحاد الروسي في تقوية مواقع العرب الدولية وتصحيح التوازن المختل مع إسرائيل، على صعيد التسلح والتقنية الدفاعية، كما تتوقع روسيا أن تتعزز مواقعها التجارية والاقتصادية والإستراتيجية في العالم العربي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد