546

هذه حرب ملوثة. إنها ملوثة! قلت بنبرة مخنوقة: تحيا خزعة العبرية! تحيا خزعة العبرية! من سيحدث أنه كانت هنا ذات يوم خربة خزعة، التي شردنا أهلها وورثناها؟ قدمنا، أطلقنا النيران، أشعلنا الحرائق، ألهبنا وفجرنا، خربنا ودمرنا وهجرنا من هجرنا.. يزهار سميلانسكي –  خربة خزعة

بعد مرور عام واحد على النكبة الفلسطينية وإعلان دولة إسرائيل، لم يستطع ضابط المخابرات والجندي السابق في الجيش الإسرائيلي، يزهار سميلانسكي، أن ينسى مشاهد التهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من أراضيهم حين كانت أسلحته هو ورفاقه مصوبة نحوهم؛ فالتقط ورقة وقلمًا وبدأ يخط ما شاهده؛ حتى صار ما كتبه بالأخير رواية أسماها «خربة خزعة».

تحكي «خربة خزعة» عن قرية داهمها جنود الاحتلال الإسرائيلي وطردوا سكانها، أو قُل ما تبقى منهم من نساء وأطفال وعجائز، قسرًا. وعلى الرغم من أن الكاتب قد سُئل مرارًا عن الاسم الحقيقي للقرية التي شهد مداهمتها، إلا أنه لم يجب أبدًا عن هذا السؤال، فما فائدة معرفة الاسم الحقيقي للقرية إن كانت كل القرى الفلسطينية هي خربة خزعة.

لم يستطع الجاني إسكات صوت ضميره

نحن الآن نسحب الأرض من تحت أقدام الشعب الفلسطيني، وننتظر أن يتقبلوا هذا بهدوء، لكننا لا نوافق بأية حال أن يأتي شخص ما ويسحب الأرض من تحت أقدامنا. يوهار سميلانسكي

كان سميلانسكي، المولود في رحوفوت لأبوين من المستوطنين اليهود من الروس، هاجرا إلى فلسطين خلال موجتي الهجرة اليهودية، الأولى أو الثانية، أحد أدباء جيل البالماخ (نسبة إلى قوات الهجانة اليهودية التي ضمت العديد من المستوطنين، وكان لها دور بارز في نكبة 48). وكان أيضًا واحدًا من أفراد فرقة الجيش المكلفة باقتحام مجموعة من القرى الفلسطينية الواقعة بين المجدل وبيت حانون.

هذا الجندي السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي سيصبح لاحقًا عضوًا في الكنيست، شهد في لقاء صحافي، نُشر في صحيفة معاريف، بأنه قد تلقى هو ورفاقه أمر قتل واضحًا وصريحًا موقعًا من قبل النقيب يهودا بئيري، ضابط عمليات في أركان قطاع الساحل، بقتل كل من يشتبه فيه من الأهالي، وطرد المتبقي منهم من قراهم دون رجعة، وهدم البيوت وإشعال النيران في الحقول.

وعلى الرغم من أن أحداث الرواية قد باتت من الماضي، ونجح جيل البالماخ في إعلان دولة إسرائيل، إلا أن سميلانسكي لم يستطع أن يتجاوز ما حدث أبدًا، وظلت ذكرى ما شاهده تطارده؛ فيقول: «صحيح أنها حدثت في الماضي، ولكن وقائع ما حدث ظلت تلاحقني منذ ذلك الوقت، وحاولت التخلص منها مع مرور الوقت، ومحو معناها، وتحدي قوتها بالانشغال بالحياة اليومية».

نعم انتصر سميلانسكي ورفاقه، ونجح جيل البالماخ في إعلان دولة إسرائيل والاستيلاء على الأرض، ولكن هذا النصر كان يفتقر إلى شيء هام جدًا، ألا وهو المجد؛ فأي نصر يستطيع أن يفخر به سميلانسكي، وهو لم يخض حربًا حقيقية، بل أجبر مجموعة من النساء والأطفال والعجائز على ترك ديارهم قسرًا تحت تهديد السلاح. لم يكن انتصار الجيش الإسرائيلي بطولة حينها، بل كانت البطولة الحقيقة، كما يؤكد الراوي، «بطولة الضعفاء الذين لا يعرفون ماذا يفعلون. الضعفاء المصعوقين المشدوهين».

لقد كان يحمل سميلانسكي ورفاقه خطابًا يحمل أمر قتل، ليس فقط لكل من يشتبه فيه من الأهالي، بل لجمال وهدوء الوادي برمته؛ فهذه الجنات المترامية الأطراف لن تجد من يرعاها ثانية، وستظل الأرض تعاني آلام اليتم حتى كاد سميلانسكي، المتمثل في شخص راوي الرواية، أن يصرخ في الفصل الأخير، قائلًا: «تبًا لنا تبًا. ما لنا وهذا المكان.. استعمار! – زعقت أحشائي – كذب وزيف، خربة خزعة ليست لنا!»

يوم رحل العرب

في يوم الإخلاء، لم تكن الأرض كسابقتها، لقد كانت أرضًا مكلومة حزينة خبرت آلام اليتم لأول مرة؛ فهذه الحقول لن تجد من يرعاها ولن ترى أصحابها ثانية وللأبد. لقد كان سميلانسكي، الذي وُلد وتربى جنبًا إلى جنب مع العرب في رحوفوت، يعلم جيدًا أن الأرض كانت تحيا بهم، وأن العرب من يجعلونها الأرض الموعودة التي تتحدث عنها التوراة، فالجنات المترامية الأطراف التي تفوح رائحتها في كل مكان لم تكن لتحيا إلا بهم، حتى كاد يجري وراء هؤلاء الراحلين الدامعين الذي يُشحنون في عربات تتسلق الطرق الترابية الطويلة نحو المجهول، ويهمس في آذانهم خفية عن أعين الجنود الآخرين غير المبالين، قائلًا: «ارجعوا، لا تذروها خاوية. إننا نغرب عن البلدة الليلة. فارجعوا.. ارجعوا ولا تذروها خاوية!»

يوم رحل العرب عم السكون الوادي، وانبعثت من البلدة أعمدة متفرقة من دخان أبيض لمادة رطبة، لا هي قابلة للاشتعال، ولا مائلة للانطفاء، ستظل هكذا تغلي أيامًا، وتنطفئ أيامًا أخرى؛ حتى ينهار جدار، أو يسقط سقف ما فجأة. يوم رحل العرب، ارتاع الكاتب حين رأى زملاءه يحتفلون ويشربون نخب النصر، وهم توًا قد أرسلوا عائلات كاملة إلى المجهول، إلى التيه الذي خاضه أجدادهم في البرية، ولكنه هذه المرة سيكون طويلًا ثقيلًا، سيكون تيهًا بلا موسى وهارون!

وعلى الرغم من أن صوتًا بداخل الراوي، الذي لا ينفي إيمانه بالمشروع الصهيوني، بالرغم من كل ما أبداه من تأسف على ممارسات الجنود وقسوتهم ولا مبالاتهم، قد سخر منه قائلًا، «يالك من رجل نبيل المشاعر!» إلا أنه قد خيل إليه وقتها أنه يسمع «صيحات غضب ووعيد النبي أرميا (أحد أنبياء بني إسرائيل) تهدر من بعيد كالرياح».

ومن بين كل ما حدث كان أكثر شيء أخاف الراوي حقًا هي نظرة تلك الأم المرتاعة التي تمسك بيد طفل رأى فيه ذلك الجندي تهديدًا حقيقيًا لدولتهم الوليدة فيقول: «رأينا امرأة تمر حينئذ، كانت تمسك بيد طفل في السابعة، كان بها شيء خاص، كانت تبدو حازمة، متمالكة، صلبة بحزمها. كانت الدموع تنهمر على وجنتيها، والطفل ينشج بما يشبه (ماذا فعلتم بنا) مزموم الشفتين، وبدا لوهلة أنها الوحيدة التي تدرك ما يحدث بالضبط هنا إلى الحد الذي شعرت فيه بالخجل أمامها، مرا يواصلان طريقهما، وفي خلد الطفل رأينا كذلك ذلك الشيء الذي يدور، والذي لا يمكن أن يكون حينما يكبر، إلا حية سامة».

وضعت أحداث التهجير القسري سميلانسكي الاشتراكي في مواجهة مباشرة مع مثله الوطنية، وهنا انهارت كل الأساطير التي سمعها، وطالما آمن بها عن نشوء وولادة إسرائيل، إذ إنه قد رأى الثمن الحقيقي الذي دفعه الفلسطينيون مقابل إنشاء إسرائيل. لقد رأى بأم عينيه اليهود الذين عانوا من المحرقة وذاقوا صنوف الذل والهوان في أوروبا يدفعون شعبًا آخر إلى الشتات، وتساءل في نفسه أهكذا يثبتون أنفسهم لتلك القارة التي لفظتهم، ويقولون لها «يا أوروبا نحن الأسياد الآن»!

رد الفعل الإسرائيلي

في أول خريف تلى النكبة الفلسطينية، تحديدًا في مايو (أيار) عام 1949، كتب يزهار سميلانسكي رواية «خربة خزعة» بينما كان الدخان لازال يتصاعد من الحقول المحترقة ولم يجف دم الموتى من الأرض بعد. وعند نشرها أحدثت هذه الرواية ضجة كبيرة في الأوساط الإسرائيلية التي استشعرت فيها خطر انقلاب على الوعي الصهيوني العام الذي ينادي بما يسمونه حق اليهود التاريخي في فلسطين. لقد شكلت هذه الرواية خطرًا؛ لأنها قد كشفت عن حقيقة هامة جدًا أرادت إسرائيل طمسها ومحو معالمها إلى الأبد، ألا وهي أن هذه الدولة قد بُنيت بأيدٍ قذرة، الأمر الذي يضرب الأساطير التي حُكيت عن النشوء والولادة في مقتل.

لقد كشفت هذه الرواية عن الوجه القبيح للجنود الإسرائيليين الذي طالما حاولت دولتهم إنكاره؛ فيقول الكاتب موردخاي شاليف إن «خربة خزعة» قد كشفت عن حقيقة هامة، وهي أن الجنود الإسرائيليين كانوا أقرب إلى السادية منهم إلى النازية في التعامل مع الفلسطينيين؛ ففي آخر الأمر كان النازيون يفعلون ذلك بدافع نظرية العرق الآري المسيطرة عليهم، أما الجنود الإسرائيليون فلم يكن لهم أي هدف معلن وراء هذه التصرفات الفظة القاسية، سوى أنهم يفتقرون إلى سبب وجيه لكراهية العرب، وهكذا عندما تفتقر إلى سبب وجيه لكره عدوك، فأنت بذلك تسير مع السادية جنبًا إلى جنب. بالنهاية دخل المستوطنون اليهود إلى الأراضي الفلسطينية التي أُخليت من سكانها وسكنوا بها وأنشأوا أسواقًا ومدارس، وبنوا كنيسًا وأنشأوا أحزابًا وتحاوروا في شتى الأمور، ولكن سميلانسكي كان دومًا يتساءل حول ذاكرة المكان، وعن إمكانية نسيان هذه الأحجار والأشجار والحقول لأصحابها.

تمامًا كحال راوي روايته الأولى، ظل سميلانسكي ممزقًا من الداخل ومترددًا مرتعشًا خائفًا تارة يؤكد على أنه قد كتب روايته بناء على تجربته الشخصية ومشاهداته لتهجير القرى وتارة أخرى يتهرب من السؤال، لم يذكر يومًا الاسم الحقيقي للقرية ولم يتحدث صراحة في الكنيست، الذي كان عضوًا فيه، عن حقوق الفلسطينيين. فقط دعا للتعايش السلمي، وعندما سُئل عن كيفية تحقيق ذلك؛ أجاب كراوي روايته عندما سُئل عن الحل بـ(لا أعرف).

في النهاية بات الوادي ساكنًا، و«فجأة بدا كل شيء واسعًا رحبًا… بعد قليل تقوم في العالم ساعة جديدة… بعد برهة فقط سيسدل الستار ويسود الصمت.. وحين يسود الصمت فلا يشق غباره أحد.. سيخرج الله وينزل إلى الوادي.. يتجول ويرى هل كانت ثمة صرخة هنا؟»